دول المغرب العربي

الرئيس الجزائري في حوار مع فرنسا 24: الحكومة الليبية الحالية انتقالية والأحداث تجاوزتها

أعرب الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في حواره مع قناة “فرانس 24” الناطقة باللغة الفرنسية، أمس السبت 4 يوليو 2020 الذي يوافق عشية عيد الاستقلال، عن سعادته لمشاركة هذه الذكرى والترحيب بهم، واشتمل اللقاء على تناول عدة ملفات داخلية والعلاقات الجزائرية مع دول الجوار المتمثل في ليبيا والمغرب، والعلاقات الدولية وخاصة العلاقات الجزائرية الفرنسية.

أعرب الرئيس الجزائري عن قلقه منذ شهور عن الوضع في ليبيا، وما يمكن أن يؤول إليه من الانزلاق إلى سوريا جديدة، مؤكدًا إن “الأمور في ليبيا قد تنزلق إلى ما يتجاوز النموذج السوري، وهو ما ناقشه مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وقبلها في مؤتمر برلين والذي أوضح فيه أنه يجب التوصل لوقف إطلاق النار للعودة للقاعدة الليبية لإعادة بناء الدولة على أسس الشرعية الشعبية، ويتمثل الخطر في إعادة النموذج السوري في ليبيا بسبب التدخلات الأجنبية، وهو ما حدث بالفعل. 

وأشاد الرئيس الجزائري بموقف القبائل الليبية ورأى أن مواقفها حتى اليوم تتسم بالحكمة عكس ما يظنه الكثيرون من قبل المرتزقة أو غيرهم، وحذر من طفح كيل القبائل الليبية التي قد تجد نفسها مضطرة لتسليح نفسها للدفاع عن النفس، وأنه في ذلك الحين “لن نجد السيناريو السوري بل سنكون أمام السيناريو الصومالي”.

كما حذر الرئيس الجزائري بأن تحول ليبيا إلى صومال جديد سيجعل منها مرتعًا لاحتواء الإرهابيين التي ستجعل بلدان كثيرة ترسل إرهابييها إليها لتنظيف بلدانهم منها، مبينا بأنه لم يفقد الأمل من الليبيين وأنه على تواصل مع جميع الأطراف فضلاً عن كون رؤيته قريبة من رؤية الرئيس الفرنسي ماكرون والأصدقاء الإيطاليين.

وقال إن الفاعلين في ليبيا أصبحوا يفهمون بأن الكر والفر بين الجيوش ليس هو الحل لأن من يخسر اليوم يفوز غدًا، داعيًا إلى الانتقال إلى الحل النهائي والعودة إلى الشعب الليبي من خلال تنظيماته وخاصة تنظيمه القبلي واستشارته وتنظيم انتخابات من خلال المؤسسات الانتقالية. 

وأكد الرئيس الجزائري أن الحكومة الحالية من بين هذه المؤسسات الانتقالية ولكن الأحداث اليوم تجاوزتها، فاليوم نريد مؤسسات تمثل كل الليبيين والذهاب إلى انتخابات جمعية وطنية تنتخب رئيس ونائبين للرئيس لتمثيل كافة تركيبات ليبيا واعتماد دستور جديد، مشددًا على استعداد الجزائر لاحتضان أي مسعى للحوار شريطة أن يكون بطلب من الليبيين، مؤكدا تمسك الجزائر بتعهدها الذي عبرت عنه في اجتماع برلين بعدم التشويش على أي مبادرة تخدم الأشقاء الليبيين. 

وحول تطورات فيروس كورونا، أعرب تبون خلال لقائه عن تمنيه توقف معدلات انتشار فيروس كورونا عند هذا الحد، داعيًا الشعب الجزائري لاحترام القرارات المتخذة من المجلس العلمي لمتابعة هذا المرض باعتباره الجهة المنوط بها، وذلك في ظل تأثير التقاليد على التوصيات التي تقدم من المجلس العلمي، وأن هذه الأعداد المتزايدة تندرج من تزايد التجمعات والمناسبات الاجتماعية والعائلية، وهو ما واجهته الدولة من خلال نداء المسئولين المحليين لمنع مثل هذه الاجتماعات. 

وأوضح أن الإشكالية تكمن في بعض الشباب الذي لا يصدق حتى الآن أن هذا الوباء موجود، ولكنه يعتبره مجرد شبح لمجرد فرض الحظر عليهم ومنعهم من التعبير عن آرائهم، مضيفًا أن الأشخاص قد تعود للحكمة، ومن الممكن تشديد إجراءات الحظر الصحي واللجوء إلى الحجر الجزئي في الأحياء والمدن إذا اقتضت توصيات المجلس العلمي، وذلك عقب الإشارة إلى أنه بالرغم من ارتفاع عدد الإصابات إلا أن الزيادات تظل “في حدود المقبول”.

وفيما يخص فتح المجال الجوي، أوضح الرئيس تبون أن هذا الأمر متوقف على قدرات الدولة والتخوف من زيادة عدد الإصابات، بالرغم من قيام المحيط الجغرافي بفتح الحدود، مشيرًا إلى مختلف الإجراءات التي اتخذتها الجزائر خلال عملية إجلاء رعاياها الذين يتم عزلهم صحيا لمدة 14 يوماً لتفادي تفشي الوباء، وأن هذا الإجراء الوقائي سمح بإحصاء بين 40 و50 مصابًا ضمن هؤلاء الذين تم إجلاؤهم.

وعن الوضع الاقتصادي في البلاد وبالإجابة عن تراجع احتياطات النقد الأجنبي والعجز عن الدفع العالمي وما إذا كانت تواجه الجزائر خطرًا اقتصاديًا، استبعد تبون اللجوء إلى صندوق النقد الدولي، موضحًا أن الأمر يختلف عن عام 1991 حيث عاش نفس الوضع بشكل ما باعتباره واحدًا من المسؤولين الحكوميين آنذاك، مفيدًا أن الأمر مستبعد الآن لوجود احتياطات صرف ليست بالضخمة ولكنها كبيرة تستطيع أن تواجه الوضع الحالي والحفاظ على معدلات الإنفاق لمدة تتراوح من عام إلى عامين، موضحًا أن القطاع الزراعي استطاع أن يحقق إنتاجًا بقيمة 25 مليار دولار، وبالرغم من تزامن الأمر مع ارتفاع سعر الدولار، إلا أن الجزائر لم تقم بالاستيراد لتوافر النتائج المحلي، وما حققته هذه الكمية الإنتاجية من الاكتفاء الذاتي في البلاد. 

وبالإشارة إلى توقعات صندوق النقد الدولي بوصول معدل الانكماش إلى 5%، ومدى استعداد الجزائر لطلب المساعدات من الصندوق، أوضح تبون أن الجزائر تفضل تجنب اللجوء الى صندوق النقد الدولي باعتبارها بلدًا اجتماعيًا، وشروط صندوق النقد الدولي تقوم على تحقيق وفورات على حساب المساعدات الاجتماعية وهو ما ترفضه الجزائر، بالرغم من الاتصالات المتواصلة مع الصندوق.  

وفيما يخص ملف الحريات، أكد الرئيس الجزائري إمكانية إطلاق سراح معتقلين آخرين من الحراك الشعبي، مشيرًا إلى أن “الوقت قد حان من أجل المرور إلى مرحلة الحوار الهادئ والبناء”، من خلال تطبيق الصلاحيات الدستورية لرئيس الجمهورية فيما يتعلق بالعفو كلما كان هذا ممكنًا.

وفيما يخص مطالبات المنظمات الحقوقية بالعفو الشامل عن المعتقلين أسوة بما تم مع البعض، أوضح أن هناك البعض قام بالسب والقذف وأن القضاء حدد عقوبته في ذلك، كما أن الجزائر يصدر بها العديد من الصحف لضمان حرية التعبير، ولكن تنحصر عمليات الاعتقال في حالات السب والقذف، مشيرًا إلى إمكانية الإفراج عن السياسيين من شخصيات الحراك التي انهت حكم بوتفليقة.

وحول محاكمة الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة، أكد تبون أن العدالة عبرت عن موقفها بخصوص محاكمة الرئيس السابق، مؤكدا كذلك بأنه لم يدعم بتاتا العهدة الخامسة لبوتفليقة. 

وأبدى الرئيس الجزائري رغبته في تنظيم استفتاء شعبي للمصادقة على دستور جديد للبلاد “ينهي النظام الرئاسي” بين سبتمبر أو أكتوبر المقبل، مشيرًا إلى أن تعديل الدستور كان من المفترض أن يتم في يونيو الماضي، قبل انتشار فيروس كورونا، موضحًا أن الأمر لم يتوقف ولكن مازالت المناقشات مستمرة حول التعديلات الدستورية، وبدأت اللجنة في اجتماعها ومن المقرر توسيعها، لتشمل آراء أخرى بالإضافة لآراء اللجنة معًا، وأضاف أنه من الممكن الاستعانة ببعض السياسيين المشاركين في الحراك الجزائري إن كان هناك دستوريين بينهم.

وعن الانتقال إلى النظام شبه الرئاسي ومدى تشابهه مع الجمهورية الفرنسية الخامسة، أوضح تبون أنه سيكون نموذجًا جزائريًا خاصًا يتفق مع الطبيعة الجزائرية المختلفة، من خلال تقديم صلاحيات كبيرة لأعضاء مجلس الشعب من خلال أعضاء الجمعية الوطنية “المجلس الشعبي” التي لها الحق في التشريع والرقابة، إلى جانب وضع قيود عدة تمنع الانزلاق إلى السلطة الشخصية. 

وعن تغير العلاقات الجزائرية الفرنسية، أكد عبد المجيد تبون وجود فرصة للتوصل إلى علاقات “هادئة مطمئنة” مع فرنسا، مشيرًا إلى النقاشات الكثيرة التي جمعت بين البلدين مثل مؤتمر برلين، حول ليبيا وحول العلاقات الثنائية وغيرها من الأمور، مشددًا على إمكانية تقدم العلاقات في ظل حكم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي وصفه بالـ “نزيه” والـ “نظيف”، وقال تبون “مع الرئيس ماكرون، “نستطيع أن نذهب بعيدًا في التهدئة وفي حل المشاكل المتعلقة بالذاكرة. إنه رجل نزيه ويسعى إلى تهدئة الوضع، ويريد أن يخدم بلاده فرنسا ولكن في نفس الوقت السماح لعلاقتنا أن تعود إلى مستواها الطبيعي علاقات بين بلدين مستقلين وبين بلدين يتمتعان بالسيادة، أعتقد أن الرئيس ماكرون صادق في كل ما يقوله. وهو رجل نظيف تاريخيا” أي بعيد عن “الماضي الاستعماري” الذي لم يذكره، ” قائلاً أيضاً “نحن دولة نافذة لديها كلمتها في المجتمع الدولي لا سيما على الصعيد الإقليمي”.

وأضاف تبون أنه من المؤكد أن يكون هناك زيارة مستقبلية تبادلية للرئيسين بين فرنسا والجزائر، واعتبر أنهما ستكونان زيارتا دولة وأنهما تستدعيان الكثير من الوقت مبرراً أن ذلك سيكون محل دراسة من الجانبين عندما يزول وباء كورونا، وفي هذا الجانب ذكر أن مثل هذه الزيارات تتطلب عشرة أيام من الغياب على الأقل ليتم الإعداد لها مشيرا الى الجدول الزمني المثقل للجزائر ولكن عملية التغيير في البلاد والتسريع في العملية الديمقراطية تحتاجها في الوقت الحالي. 

وشدد تبون على ضرورة مجابهة إشكالية الذاكرة التي تشوش العلاقات الفرنسية الجزائرية، في ضوء الاحترام المتبادل بين البلدين، من أجل تلطيف العلاقات وجعلها أكثر هدوءً بين البلدين اللذين تربطهما علاقات اقتصادية واجتماعية وجوار”. 

وحول مسألة المطالبة بالاعتذار من قبل فرنسا على الجرائم المرتبكة إبان الحقبة الاستعمارية أشار عبد المجيد تبون إلى أنه سبق ووصلت للجزائر شبه اعتذارات، وكانت هناك تعليقات ايجابية تجاه هذا المطلب من قبل العديد من المسؤولين الفرنسيين، وأضاف أن الرئيس ماكرون قد تفهم الطلب الجزائري الخاص باسترجاع رفات رموز المقاومة الشعبية ضد الاستعمار الفرنسي، وتلقاه بصدر رحب، واصفاً إياه بأنه قد “تحلى بالشجاعة وقال ما لم يجرؤ البعض على قوله”. 

وأكد تبون حول العلاقات مع المغرب أن الجزائر ليس لها أي إشكال مع المغاربة ولكن يبدو أن المغرب لديها، لا سيما مع التصعيد اللغوي الذي تمنى أن يتوقف وكذا من خلال تحليل الشأن الداخلي الجزائري، كما لم يؤكد أو ينفي وجود قاعدتين عسكرتين للجزائر رداً عن وجود تصعيدا أخطر إثر بناء المغرب لقاعدة عسكرية قرب الحدود الجزائرية. 

وشدد على أن الحكمة دائمًا كان لها الكلمة العليا بين البلدين، وغلق الحدود من أكثر 25 عاماً كان رد فعلاً من إجراء اعتبر مذلاً للشعب الجزائري عندما فرضت المغرب التأشيرات. وفي ختام حديثه أبرز أن الجزائر ليس لديها أي مشكل مع الشعب المغربي الشقيق ولا مع ملك المغرب، وأنه على المملكة أن تغير تصرفاتها إزاء الجزائر، مؤكدا أنه مستعد لقبول أي مبادرة للحوار يطلقها الرباط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى