كورونا

خبراء “هارفارد”: كيف سيبدو العالم بعد جائحة الفيروس التاجي؟

عرض- رحمة حسن

“كيف سيبدو العالم بعد جائحة الفيروس التاجي؟”، من الموضوعات التي شغلت الرأي العام والباحثين منذ تفشي فيروس كورونا، وإعلانه وباءً عالمياً في 11 مارس الماضي، فتناول مركز “بفلر  للعلوم والشؤون الدولية” التابع لجامعة هارفارد هذا العنوان من خلال ثلاث كتاب وهم “نيكولاس بيرنز ، وجوزيف س. ناي، وستيفن م. والت” في ثلاث محاور تتعلق بالحريات والديمقراطية، والاستراتيجية الأمريكية الجديدة، إلى جانب إظهار  مفهوم قوة الإنسانية. 

تناول المقال أنه من المتوقع أن تلعب جائحة الفيروس التاجي دوراً بارزاً في التأثير على النظام العالمي، كما أثر سقوط “جدار برلين” في تغيير التاريخ، وانهيار “بنك ليمان براذرز” الذي يعتقد أنه لعب دوراً أساسياً في إحداث الأزمة الاقتصادية العالمية، والتي أحدثت تغييرات عالمية، وهو أمر من المؤكد أن يحدث مع انتشار الفيروس الجديد الذي أدى لتوقف الحياة، وتعطيل الأسواق، وكشف كذلك عن مدى كفاءة الحكومات، وبالتالي فمن المتوقع أن يؤدي إلى تحولات دائمة في القوة السياسية والاقتصادية بطرق لن تظهر الآن، ولكن ستضح في وقت لاحق. وهو ما أظهر الحاجة نحو وضع تصورات وطرح التوقعات للنظام العالمي عقب انتهاء الوباء.

عالم أقل انفتاحًا وأقل ازدهارًا وأقل حرية “تعميق مفهوم الدولة القومية مقابل تراجع العولمة”

تحت هذا العنوان تناول “ستيفن والت” أنه من المتوقع أن يعزز هذا الوباء من قوة الدولة، والتي ستنتج من فرض الحكومات قانون الطوارئ في إطار التدابير الاحترازية الطارئة لمواجهة الفيروس، ومن المحتمل ألا يتخلى الكثيرون من الحكومات عن هذه السلطات الجديدة التي خُولت إليهم عقب انتهاء الأزمة.

كما يؤدي الوباء إلى تراجع مفهوم العولمة مقابل القومية، حيث سيتطلع المواطنون إلى حكومتهم الوطنية لحمايتهم، بينما ستسعى الدول والشركات للحد من نقاط الضعف في المستقبل.

كما سيسرع انتشار فيروس كوفيد 19 أيضًا من تحول السلطة والنفوذ من الغرب إلى الشرق، فجاءت الاستجابة من حكومات الدول الواقعة في شرق الكرة الارضية كدولتي “كوريا الجنوبية وسنغافورة” بشكل أفضل من الاستجابة الأوروبية، وكذلك الاستجابة لدولة “الصين” الذي وصفه المقال بالجيد بالرغم من تعاملها الخاطئ مع بداية ظهور المرض، وعلى النقيض جاءت الاستجابة في أوروبا والولايات المتحدة بطيئة وعشوائية بالمقارنة بتلك الدول؛ مما أدى لتشويه الصورة الذهنية التي بنتها دول الغرب.

وتوقع والت أنه بالرغم من التغيير الذي سيطرأ على النظام العالمي، إلا انه لم ينه التنافس بين القوى الكبرى ولم يبشر بعصر جديد من التعاون العالمي، كما حدث في أزمنة الأوبئة السابقة بما في ذلك وباء الإنفلونزا في 1918-1919، وبالتالي سيخلق فيروس كورونا المستجد عالمًا أقل انفتاحًا وأقل ازدهارًا وأقل حرية، والذي نتج من الجمع بين فيروس قاتل وتخطيط غير ملائم وقيادة غير كفء، مما وضع البشرية على مسار جديد يدعو للقلق.

الحاجة للانتقال من سياسة القوة العظمى الأمريكية للتعاون الدولي في استراتيجيتها للأمن القومي

قد يخلق انتشار فيروس كورونا التاجي الحاجة لاستحداث استراتيجية أمريكية جديدة بديلة عن التنافس من أجل أن تصبح القوى العظمى، فيرى “جوزيف ناي” أن الاستراتيجية الأمريكية للأمن القومي التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عام 2017 والتي تركز على منافسة القوى العظمى، ستصبح غير كافية وهو أظهره وباء COVID-19 ، الذي أوضح أنه حتى لو سادت الولايات المتحدة العالم كقوة عظمى، فإنها لن تستطيع حماية أمنها من خلال التصرف بمفردها.

فقد لخص “ريتشارد دانزيج” هذه المعضلة في عام 2018 موضحاً أن تقنيات القرن الحادي والعشرين عالمية ليس فقط في توزيعها، ولكن أيضًا في عواقبها، حيث يمكن أن تصبح مسببات الأمراض وأنظمة الذكاء الاصطناعي وقرصنة برامج الحاسوب والإشعاعات التي قد يطلقها الآخرون عن طريق الخطأ مشكلة عالمية يشارك الجميع في نتائجها، وعليه يجب اتباع أنظمة متفق عليها وإعداد ضوابط مشتركة وخطط للطوارئ مشتركة وكذا وضع المعايير، وإبرام المعاهدات كوسيلة “لإدارة المخاطر العالمية التي تؤثر على الجميع بالقدر ذاته”.

وعليه تتعلق التهديدات العابرة للحدود مثل التغيرات المناخية وفيروس كورونا، بالتعاون الدولي ولا يكفي التفكير في القوة الأمريكية على الدول الأخرى لإنقاذها من تلك التأثيرات، بل يكمن مفتاح النجاح في معرفة أهمية القوة مع الآخرين، حيث يضع كل بلد يضع مصلحته الوطنية أولاً ؛ ولكن أظهر فيروس COVID-19  فشل الولايات المتحدة في تحديد استراتيجيتها والتي تحتاج إلى تعديل للتعامل مع هذا العالم الجديد.

إظهار الروح البشرية في ظل تراجع معدلات التعاون الدولي

وصف “نيكولاس بيرنز” جائحة COVID-19  بأنها أكبر أزمة عالمية في هذا القرن من حيث عمقها وحجمها الهائل، باعتبارها أزمة صحية تهدد الصحة العامة لكل من الـ 7.8 مليار شخص على وجه الأرض، والتي يمكن أن تتجاوز في تأثيرها المالي والاقتصادي حالة الركود العالمي عام 2008-2009، فكل أزمة يمكن أن تشكل صدمة تهز  وتغير بشكل دائم النظام الدولي وتوازن القوى الذي نعرفه.

أشار بيرنز أنه لا يوجد تعاون دولي حتى الآن بالشكل المطلوب، فحتى اقوى دول العالم والمتمثلان في القوتان العظمتان الولايات المتحدة والصين، لا تستطيعان التخلي عن حربهما الكلامية حول أيهما مسؤول عن الأزمة؛ وهو ما سيؤثر على تضاؤل مصداقية البلدين بشكل كبير، إلى جانب التنافس حول أي من الدولتين قادرة على قيادة الأزمة بصورة أكثر فاعلية، ويأتي هذا وسط مخاوف من عدم قدرة الحكومة الفيدرالية في الولايات المتحدة على توفير تدابير فعالة لإيقاف الأزمة.

ومن المحتمل أن تنتقل السلطة من يد الاتحاد الاوروبي كذلك إلى الحكومات الوطنية إذا لم يتمكن الاتحاد الأوروبي من تقديم المزيد من المساعدات إلى 500 مليون مواطن بدول الاتحاد.

ومع ذلك، يوجد في كل بلد العديد من الأمثلة على قوة الروح الإنسانية والمتمثلة في الأطباء والممرضات والقادة السياسيين والمواطنين العاديين الذين يظهرون المرونة والفعالية والقيادة، وهو الأمر الذي يدعو للأمل في أن الرجال والنساء في جميع أنحاء العالم يمكن أن يحققوا استجابة أعلى لهذا التحدي الاستثنائي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى