الانتخابات الأمريكية

الجارديان البريطانية : “الولايات المتحدة تعيد أخطاء الماضي واستمرار الانقسام بين الولايات”

عرض – رحمة حسن

تناولت صحيفة “الجارديان” البريطانية كيف أن انتخابات الولايات المتحدة الأمريكية 2020 تكرر نفس الإنقسام لعام 2016 بين الولايات، من خلال الاستمرار في تجاهل المشكلات الداخلية والتركيز على أزمة فيروس كورونا المستجد، والتي استطاع ترامب أن يحيلها لصالحة في الاسابيع الاخيرة من الناحية السياسية، فيما اهتم الديمقراطيين في التركيز على شخصية ترامب وتجاهل الاقتصاد وفئة العمال الأمريكيين التيحازت على اهتمام أكبر من الجمهوريين؛ مما أعاد نفس نتائج الولايات الأمريكية في الوسط والغرب لصالح ترامب.

يرى الكاتب أن الانتخابات الأمريكية 2020 أعطت صورة واضحة حول استمرار انقسام الولايات حول مرشحيها، وشبه الكاتب مجى غرابة انتخابات عام 2020 بتلك المفاجأة التي حدثت قبل أربعة أعوام في 2016، فقد كانت نتائج استطلاعات الرأي تُشير بشكل ثابت إلى حد ما إلى اتجاه واحد، ولم تعكس النتائج آنذاك ثقة الناخبين الفعلية، بل كان هناك أخطاء جزئية، ووصف الكاتب القائمين على تلك الاستطلاعات بأنهم لديهم مصلحة خاصة – والتي تتفق وسياسات وسائل الإعلام التي تكلفهم بإجرائها – في القيام بذلك بشكل صحيح، وتكمن المشكلة الحقيقية التي لا يستطيع القائمون على استطلاعات الرأي حلها هي أنهم لا يصلون إلى الأشخاص المناسبين، وأن بعض الناس لاتقول الحقائق إلى جانب الرغبة في التزام الصمت.

بايدن بين تجاهل الناخبين من الطبقة العاملة البيضاء والتركيز على أزمة كورونا

ويرى الكاتب انه حتى مع فوز جو بايدن في الانتخابات الحالية؛ إلا ان الديمقراطيين وجهوا حملتهم لمحاربة قضية واحدة اعتبروها القضية الرئيسية وهي كوفيد 19، فيما تجاهلوا القضايا الأخرى التي تهم المجتمع الأمريكي فكانت النتيجة نفسها لدى الطبقة العاملة الامريكية من ذوي البشرة البيضاء في ولايات الغرب الاوسط والذين حققوا انتصاراً لترامب في عام 2016، وتكررت 2020، فلم يغيروا اتجاهاتهم نحو ترامب، وأرجع الكاتب قيامهم بذلك للأسباب الجادة التي اصبحت تفسيراً جماعياً عام 2016، لقد شعروا بالتجاهل في ظل حكم الديمقراطيين، وقد اختفت وظائفهم ومجتمعاتهم  واعتقدوا أن الآخرين – بما في ذلك الأجانب – كانوا يحصدون الصفقات الجيدة، وأرادوا شخصًا يتحدث باسمه معهم، وبدا أن الديمقراطيين توقفوا عن فعل ذلك.

وأشار الكاتب إلى أن الديمقراطيين والعديد من تقارير وسائل الإعلام لم تأخذ رسائل ترامب وناخبيه حول التجاهل المتعمد بمحمل الجد، لكن هذه الشكاوي لا تزال موجودة وجادة ومعمقة في المجتمع الأمريكي، وهي التي تناولها ترامب بطرق لم يفعلها بايدن، على الرغم من كون بايدن أفضل نوعاً ما من هيلاري كلينتون في تناول هذه التحديات.

وبالتالي يخبرنا أداء ترامب الأقوى من المتوقع في تلك الولايات هذه المرة أن التجربة الحاسمة في هذه الانتخابات لم تكن كوفيد أو وفاة جورج فلويد، بل  الاقتصاد واستمرار الصدمة التي يعاني منها الاقتصاد الأمريكي من آثار الانهيار المالي لعام 2008 وعدم المساواة.

وفاة جورج فلويد وفيروس كورونا ساهم في تعزيز الانقسام التصويتي للولايات

أضاف الكاتب أن هذا الأمر لم يعني أن فيروس كورونا المستجد بعيد الصلة عن نتائج الانتخابات، بل إنه من الواضح أن إهمال ترامب والذي وصفه بـ”المتهور” في مواجهة الوباء ساعد بايدن على تحقيق أداء جيد، ليس أقله بين الناخبين الذين كانوا سيصوتون له على أي حال. إلا أن ترامب حول كوفيد- 19 لصالحه في الأسابيع الأخيرة من الحملة أيضًا فقد دفعته علاقته بالفيروس في أكتوبر إلى تقديم أداء قوي على الأقل من الناحية السياسية وهو الأداء الذي جلب نوعًا من الأمل للملايين في أنهم يستطيعون العودة إلى الحياة كالمعتاد ويمكنهم تجاهل الفيروس، ولكن على مستوى الصحة العامة، فقد كان الأمر متهورًا بشكل شنيع وغير مسؤول. وبالنظر إلى السابق، فشلت الكثير من وسائل الإعلام في رؤية ذلك، ربما لأنها لم ترغب في تصديق ذلك.

كما أن وفاة جورج فلويد لها تأثيراً على أصوات الأمريكيين من أصل أفريقي التي ستكون حاسمة إذا تجاوز بايدن الخط، لكن الأمريكيين من ذوي البشرة البيضاء والذين ما زالوا يشكلون غالبية الناخبين، احتشدوا مرة أخرى بأعداد مذهلة خلف ترامب. فيما فضل الناخبون من أصل إسباني “بايدن” مثل غيرهم من الناخبين من الأقليات العرقية، ووصف الكاتب أداء ترامب الحالي بانه أفضل من أربع سنوات مضت.

نتائج الانتخابات وتعميق الانقاسمات

يرى الكاتب أن الانتخابات الحالية لم تتغلب على الانقسام العرقي التاريخي الذي يجعل أمريكا مختلفة في نواح كثيرة عن أوروبا، بل عمقته وحافظت عليه.

ويعتقد الكاتب أن بايدن خاض حملة ماهرة بعدة طرق تقوم على الاعتماد على خبرته ولياقته، ولعب بسياسة النفس الطويل وتجنب الانحرافات، والتركيز على شخصية ترامب، ومحاولة بناء تحالف الأغلبية والحفاظ عليها معًا، لكنها لم تحقق نصرًا حاسمًا فمن المرجح أن يظل مجلس الشيوخ تحت سيطرة الجمهوريين ما لم يكن هناك دعم كبير للديمقراطيين في مجلس النواب أو على مستوى الدولة.

وستكون عواقب نتائج الانتخابات دائمة لكلا الطرفين، فإذا فاز بايدن ستتغير بعض السياسات العامة في أمريكا وفي العالم. لكن لن يتغير كل هذا القدر داخل الحزب، وستظهر جميع الانتقادات القديمة حول عُمر بايدن وسياساته من جديد قريبًا، وسيعتقد الجناح الاشتراكي للحزب الديمقراطي أن المرشح الأكثر راديكالية كان سيحقق نتائج أفضل، وهو الأمر الخاطئ نسبياً، لكن هذه الحجة ستشتعل لسنوات قادمة وتشكل انتخابات عام 2024، والتي ستبدأ المناورات من أجلها منذ الإعلان عن النتائج.

وإذا فاز ترامب سيشعر بأنه مكلف بتمديد وإكمال تسويقه للرئاسة تحت علامة ترامب التجارية أكثر من السابق، وسيعًرف الجمهوريون الآخرون أنفسهم من خلال ولائهم لترامب، وحتى مع خسارة ترامب فإن الترامبية ستكون قد انتصرت، وأي هزيمة ستقدم على أنها ضيقة في أحسن الأحوال وغير شرعية في أسوأ الأحوال، ولن يكون هناك وقفة للتفكير داخل الحزب.

حقيقة الانتخابات هي أن الولايات المتحدة أظهرت نفسها مرة أخرى على أنها دولة منقسمة نصفياً، فنصف الأمريكيين دعموا ترامب والنصف الآخر لم يفعل، وفي هذا الصدد، تحمل السياسة الانتخابية الأمريكية بعض المقارنة مع دول أخرى فالخيار لجميع هذه البلدان هو ما إذا كان المنتصرون يحاولون تعميق هذا الانقسام أو محاولة معالجته، فيكون الاختيار بين حكومة تتصرف وكأن النصف الآخر غير موجود وبين حكومة تعترف بوجود النصف الآخر أيضًا. وفي حالة الولايات المتحدة يشير الأمل في الاتجاه الثاني ولكن الخبرة تشير إلى الاتجاه الآخر.

وانهى الكاتب المقال موضحاً أن الأمريكين أعادوا نفس ما فعلوه عام 2016، فكانت نتيجة انتخابات نوفمبر 2020 أن أمريكا لم تطهر نفسها مما فعلته في عام 2016؛ فهي لم تدير ظهرها لإنكار ترامب للتغير المناخي، ولم ترفض عنصرية ترامب ولم ترفض انعزاليته، ولم تعاقبه على التسرع في  اتخاذ القرارات ولم تحاكمه المحكمة العليا على فساده وسلوكه، وهو ما تكرره بالتجاهل لبعض المشاكل الجوهرية الأمريكية عام 2020.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى