تركيا

معهد الشرق الأوسط.. “أردوغان يقدم نموذجًا إسلاميًا عثمانيًا جديدًا هو الأكثر خطورة على الاستقرار الاقليمي”

عرض – رحمة حسن

مع انتشار جائحة كورونا غض العالم الطرف مؤقتًا عن الدور التركي في تدهور الأوضاع في سوريا وليبيا وشرق المتوسط، وسيطرت الجائحة على وسائل الإعلام التي اهتمت بتناول العلاقات التركية من خلال دراسة ونقد علاقتها المنفتحة مع الصين، في إطار انحراف العلاقات التركية عن توجهها الغربي، والتي يرجعها العديد من الكتاب إلى إعادة ما أسمته السياسة التركية “آسيا من جديد”، وهي خلق العلاقات مع “جنوب جنوب” والمتمثلة في دول شرق آسيا والقارة الإفريقية وبعض دول أمريكا اللاتينية.

وهو الأمر الذي شتت الانتباه عن الآثار الجلية للمغامرات التركية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ودول شرق المتوسط، وهو ما أسماه “معهد الشرق الأوسط” بالسياسة الخارجية التركية المتهورة المتزايدة والتي تبدأ من تسليح اللاجئين إلى ابتزاز الاتحاد الأوروبي وتصدير المقاتلين الجهاديين المرتزقة إلى ليبيا، وهو ما يدل على أنها ليست تصرفات قوة إقليمية مسؤولة، بل باعتبارها سياسات تقلل من مكانة تركيا في المنطقة والعالم. 

أبرز معهد “الشرق الأوسط” توسع سياسة تركيا المتهورة في الشرق الأوسط وأحلام الدولة التركية في استعادة أمجاد الخلافة العثمانية في مقالٍ تحت عنوان “الصادرات التركية الجديدة الخطرة: وحدة إسلامية وعثمانية جديدة وعدم استقرار إقليمي”، وصف العثمانية التركية الجديدة بأنها على عكس النماذج الأيديولوجية الإسلامية الأخرى، فإنها تركز على إحياء “تركيا الكبرى” التي تجدد نموذجًا حضاريًا كلاسيكيًا لإرث الإمبراطورية العثمانية يرتكز على القوة الاقتصادية والعسكرية والسياسية. 

وتسعى السياسة الخارجية التركية إلى ترسيخ عقيدة إسلامية عثمانية جديدة ستكون لها آثار خطيرة متعددة على الشرق الاوسط وشرق المتوسط، من خلال إثارة شكل جديد مهيمن ثقافيًا من الإسلام السياسي القائم على “شكل من أشكال الجهادية المتشددة”، وليس كما يحاول الإعلام الغربي تصويره بأن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان “مستبد” يسعى فقط لزيادة قاعدة تأييده الشعبي في الداخل التركي. 

كيف وصلت أنقرة إلى هذا المنعطف؟ فمن المؤكد أن مفهوم الوحدة الإسلامية ليس ظاهرة جديدة.

من الناحية التاريخية تمثل الدولة العثمانية (1517-1923) آخر دول الخلافة الإسلامية، وذلك عقب سلسلة من الهزائم العسكرية المتمثلة في حروب البلقان (1912-1913) والحرب العالمية الأولى (1914-1918)، يليها انتصار حاسم في حرب الاستقلال التركية (أو الحرب التركية-التركية 1919-1922)، وبلغت ذروتها تأسيس الجمهورية التركية العلمانية في عام 1923، وهي تمثل شكل تركيا الحالي، والذي بدوره أدى إلى إخماد الأيديولوجية السياسية للدولة العثمانية التقليدية، والتي أحدثت زلزالًا في المجتمع التركي وألغت “السلطنة” وتبنت الأبجدية اللاتينية بدلًا عن الخط العربي، وشرعت القوانين القائمة على المبادئ الأوروبية، وليس الإسلامية.

هذا إلى جانب حركات الاستقلال التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط طوال أوائل القرن العشرين وحتى منتصفه، أدت لإنشاء الجمهوريات الحديثة في “مصر وسوريا والعراق والجزائر وتونس”، مستعينة بتجربة “مصطفى كمال أتاتورك”.

ويفسر التحالف التركي المزدهر مع قطر وجماعة الإخوان المسلمين زيادة تفاقم التوترات السياسية القائمة على التراث التاريخي الفريد من المقاومة الحالية للمشروع التركي التوسعي القومي لتركيا من قبل مصر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. 

تستخدم التفسيرات الغربية تعبيرًا ملطفًا لمحاولات توغل أردوغان وهو “السياسة المعادية للغرب”، إلا أن أردوغان منذ صعوده السريع إلى السلطة في أوائل العقد الأول من القرن العشرين يخلق تحولًا في السياسة التركية قائمة على الهيمنة التي أكدها أحمد داوود أوغلو وزير الخارجية التركي السابق في محاولة لاستعادة العثمانية في شكلها الجديد، من خلال تصريحه “أن تركيا مقدر لها أن تصبح قوى مهيمنة إقليميا” مستغلاً الإرث الجغرافي والثقافي. 

وفي الوقت الذي دافع داود أوغلو عن سياسة “عدم وجود مشاكل مع الجيران”، نجح أردوغان في خلق أزمات مع جميع جيران تركيا تقريبًا، من خلال الخلط الأيديولوجي بين القومية التركية والوعي الإسلامي من خلال الترويج المتزايد لتركيا كدولة إسلامية في محاولة لإحداث ما يسمى بالإغواء الأيديولوجي الذي يرافق “العثمانية الجديدة”. 

كيف تقوم تركيا بنقل أفكارها الدينية المتشددة لخلق دولة عثمانية إسلامية جديدة؟

قامت تركيا تدريجيًا بالاضطلاع نحو تعزيز رؤيتها الخاصة بالإسلام القومي المهيمن على مدى السنوات الـ 17 الماضية من فترة حكم أردوغان، ولكن بطريقة أكثر عدوانية ومتهورة بشكل ملحوظ من عملية نقل “الفكر الوهابي”، من خلال:

  • استخدام مؤسسة “ديانت” التي أسسها كمال أتاتورك لتنظيم الشئون الدينية وتعزيز فكر الإسلام المعتدل كمسار تحويلي لدعم مفهوم الدولة القومية، إلا أن أردوغان حولها لمنصة تخدم أهداف حزب العدالة والتنمية الحاكم تحت قيادته، وأصبحت عنصر مركزي في السياسة الخارجية لتركيا، تسيطر على الخطب التي أصدرها الأئمة الأتراك حول العالم وتمارس نفوذًا كبيرًا على مجتمعات الشتات.
  •  تمويل تركيا بناء المساجد في جميع أنحاء العالم، من أمريكا اللاتينية إلى أوروبا وأفريقيا وآسيا – مع قيام أردوغان بإدارة مراسم الافتتاح في كثير من الأحيان، ليساهم في الترويج لتلك الهوية الجديدة.
  • تعزيز علاقة تركيا بجماعة الإخوان المسلمين لتساعدها في تحقيق هذا الهدف، واستضافت منتديات دولية رئيسية حول العالم الإسلامي في اسطنبول، كما تمول مركزًا دوليًا للتعليم الديني من خلال مدارس الإمام خطيب (التي تربى بها أردوغان)؛ وتقديم المنح لأكثر من 1000 طالب دولي من 76 دولة خلال الفترة 2014-2015 فقط، والتي تقوم بتقديم التعليم الديني كأولوية وطنية، ليخدم فكر أردوغان وجماعة الإخوان المسلمين. 
  • ارتفاع التمويل الحكومي للتعليم المتوسط ​​والعالي (من 14 إلى 18 عامًا) إلى 1.68 مليار دولار في 2018، وأضافت تركيا أكثر من 1.3 مليون طالب جديد في الفئة العمرية من 10 – 14 عامًا. 
  • الدعم التركي لمنظمات الإغاثة الإنسانية الدولية عبر المنظمات غير الحكومية ذات التوجه الإسلامي، والذي تمثل في استثمار أكثر من مليار دولار في برامج مساعدة للصومال من خلال مؤسسة ديانت ومنظمات إغاثة إسلامية أخرى. وبناء مستشفى رجب طيب أردوغان في مقديشو وبناء أكبر منشأة عسكرية لها في الخارج في الصومال، مما أدى إلى خلق تواجد عسكري مهم في أفريقيا.

يبدو أن أردوغان نجح في الترويج للقومية التركية والإسلام السياسي بصورة مخالفة للحقيقة، فوفقًا لدراسة استقصائية للرأي العام عبر الإنترنت أجريت عام 2017 في 12 دولة في الشرق الأوسط، وجدت أن 40% يثقون في أردوغان “كسلطة دينية”، كما استطاع حزب العدالة والتنمية من خلال سيطرته على مؤسسة “ديانت” من طمس الخطوط الفاصلة بين الإسلام باعتباره الديانة الرسمية للدولة والإسلام السياسي في تركيا، حيث “ينظر الجمهور إلى الإسلام ودين الدولة على أنهما وجهان لعملة واحدة”.

وبالرغم من هذه الثقة إلا أن “مصر” تمثل أحد الاستثناءات المهمة اليوم، حيث انخفض بها نفوذ أردوغان منذ أن انحاز الجيش للثورة الشعبية التي أطاحت بحكم “الإخوان المسلمين” حلفاء أردوغان عام 2013.

الفكر التوسعي التركي وزيادة توترات الإقليم

عمد الرئيس التركي من خلال هذا النموذج الإسلامي العثماني الجديد إلى استفزاز المشاعر القومية كمحفز للنهج التعديلي لحدود الدولة التركية، وذلك من خلال التشكيك في معاهدة لوزان – اتفاقية عام 1923 التي تحدد حدود تركيا الحديثة، وذلك من خلال الترويج لفكرة تقديم مصطفى كمال أتاتورك لتنازلات إقليمية غير ضرورية قوضت المطالب المشروعة لتركيا، مما يعطيه الحق في المطالبة بالعودة إلى الحدود الوطنية وفقاً “الميثاق الوطني” التي اعتمدها البرلمان العثماني في عام 1920، والذي تدعي تركيا من خلاله أن الاراضي التركية تمتد من “تراقيا الشرقية (التي أصبحت الآن جزءًا من اليونان)، إلى قبرص الشرقية جزر بحر إيجه، وأجزاء من شمال سوريا، وشمال العراق، وأرمينيا الحديثة بالكامل، وأجزاء من جورجيا، وحتى إيران.”

وهو ما يفسر الدخول التركي في سوريا، ودعم تركيا لتغيير النظام في سوريا، مما سيضع أنقرة في موقف صعب يتمثل في صعوبة إدارة صراع عسكري موسع ومكلف مع الأكراد في غياب استراتيجية خروج مقنعة، وعدم القدرة على دحض الاتهامات الغربية بتواطؤ تركيا في مساعدة داعش، والموازنة بين انسحاب واشنطن من سوريا واهتمامها بمحنة الأكراد. 

وعليه فإن استمرار الوجود العسكري التركي وتوغلاته في شمال العراق وسوريا لا يؤدي إلا إلى مزيد من تفاقم التوترات الإقليمية، وتنشيط المعارضة الكردية في تركيا، وتعزيز الذاكرة التاريخية السلبية في الشرق الأوسط لدور تركيا كقوة إمبريالية محتلة.  

 كما أدى نهج تركيا المتشدد حيال مطالبات الطاقة في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​والمتعلقة برواسب الغاز الطبيعي في المنطقة البحرية لقبرص، وزيادة التواجد البحري التركي في المنطقة إلى نتائج عكسية إلى حد كبير، حيث ينظر مستثمرو الطاقة والتكتلات الأجنبية بشكل متزايد إلى تركيا على أنها عائق بدلاً من كونها شريك في استخراج الموارد الطبيعية من الآبار المكتشفة حديثًا. 

أدى هذا النهج العدائي – جنبًا إلى جنب مع خطاب أردوغان الالتهابي والانتهاكات العدوانية التركية للمجال الجوي اليوناني والمناطق البحرية في بحر إيجة – إلى تحالف ناشئ بين اليونان وقبرص وإسرائيل ومصر لإدارة الغاز في المتوسط. 

وفي يناير 2020، نشر أردوغان مقالًا افتتاحيًا يدعي أن “الطريق إلى السلام في ليبيا يمر عبر تركيا”، ولكن بدلاً من السعي إلى نزع فتيل الأزمة، أبرمت تركيا اتفاقية “الحدود البحرية” مع “الإسلاميين” في ليبيا الذين أثاروا غضب الأطراف الإقليمية الرئيسية “مصر وقبرص واليونان، وكذلك الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة”.

هذا إلى جانب صور آلاف اللاجئين الذين يحاولون العبور من تركيا إلى اليونان “بتشجيع من أردوغان نفسه للقيام بذلك” يوضح الطبيعة التدميرية لسياسات أنقرة غير المسؤولة.

جائحة كورونا ستسهم في تحقيق الأيديولوجية التركية الخطرة

توقع معهد الشرق الأوسط أنه مع انتشار جائحة كورونا تحول اهتمام وسائل الإعلام مؤقتًا بعيدا عن الأزمات في سوريا وليبيا والتوترات المتصاعدة في شرق البحر الأبيض المتوسط، وهو ما يعمل على دفع تركيا إلى تحقيق نموذجها الإيديولوجي القومي العثماني الجديد، حيث تسعى أنقرة إلى تحويل النقد الداخلي و”تصدير” مشاكلها للخارج، في ظل تدفق الدعم المالي من قطر الذي سيسهم في تحقيق تحول السياسة الخارجية الخطيرة لتركيا. 

وبالتالي إذا تركت دون رادع ستستمر الإيديولوجية التركية المستوحاة من العثمانيين الجدد في تركيا في المساهمة في التوترات الإقليمية وعدم الاستقرار في المستقبل، ولكن قبل أن تتمكن القوى الفاعلة الغربية من التعامل بفعالية مع هذه الظاهرة، عليهم أولاً الاعتراف بوجودها حتى لا تخلق معضلات عالمية لن تؤثر على الإقليم المجاور فقط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى