أفريقيا

السد الإثيوبي و البروباجندا السياسية لأبي أحمد لمواجهة الأزمات الدستورية

الأنظمة السياسية ؛ غالبا ما تستخدم؛ فقاعات دعائية بزعم المشروعات القومية في محاولات لتجميل الأحداث الداخلية وصرف نظر الشعوب عن الضعف الحقيقي في الأنظمة، وتقدم مشروعا بعينه على أنه المنقذ من الدمار  وطريق الرخاء في إطار  بروباجندا سياسية مفاداها الوصول أو  الاستمرار في سدة الحكم بغض الطرف عن مدى صلاحيته، وهو أمر شائع في السياسة الدولية منذ الدعاية النازية، وهو ما يمكن عكسه على سياسة رئيس الوزراء الإثيوبي “أبي أحمد” الداخلية الذي يحاول استفزاز السياسة الدولية من خلال تصريحات براقة تضعه أمام الشعب الإثيوبي بمثابة المنقذ محقق “الإزدهار” وهو المصطلح الذي أطلقه على حزبه الموحد القائم على التقسيم الجغرافي متجاهلاً الطبيعة الإثنية للشعب الإثيوبي، والذي نتج عنه العديد من الاحتجاجات أوصلته لحدوث فراغ دستوري لدعم استمراره في الحكم.

 وكان سد النهضة هو ورقة “الإزدهار” السياسية وأطلق على أثرها حملة شعبية لجمع التبرعات لاستكمال البناء، وفي مقياس سياسي لمدى استجابة الشعب حول المشروع، وسط تصريحات عنترية لتصوير القوة الإثيوبية المزعومة وسط مماطلات تفاوضية إثيوبية، لاستفزاز الجانب المصري للتصعيد حتى يكتسب النظام الحالي التفافا قوميا حول أزمة يختلقها النظام السياسي الإثيوبي ومحاولة لإشغال الرأي العام خاصة مع الاحتجاجات والغضب المكتوم هناك عقب تصديق المجلس الإثيوبي على إعطاء الشرعية لحكومة أبي أحمد من 9 أشهر إلى عام كامل. 

المعارضة الداخلية وتصديق برلماني لمد فترة حكم آبي أحمد

مع تصديق المجلس الفيدرالي “الغرفة الثانية” للبرلمان نهائياً على توصيات مجلس التحقيق الدستوري بشأن تأجيل الانتخابات الإثيوبية والتي كان مقرر لها أغسطس المقبل، إلى حين انقضاء تهديدات فيروس كورونا على أن تتم في فترة لا تتجاوز ما بين 9 أشهر إلى عام، مع تقديم توصية من وزارة الصحة بذلك، في حين تعيش إثيوبيا حالة طوارئ حتى 5 سبتمبر المقبل، أي قبل التسعة أشهر التي أعطاها المجلس الفيدرالي ذو الأغلبية المطلقة لحزب الازدهار الموحد – الائتلاف الحاكم سابقاً قبل انفصال شعبة تحرير “قومية تيجراي” – مما سيمدد ولاية النواب الاتحاديين والفرع التنفيذي للحكومة لما يتراوح بين تسعة إلى 12 شهراً، على أن تقوم السلطات بالمضي قدماً في تنظيم الانتخابات وسط مخاوف في استمرار الديكتاتورية وتهديد الديمقراطية التي كان يسعى لها الشعب الإثيوبي في أول انتخابات منذ تولي أبي الحكم إثر الاحتجاجات الأورومية أبريل 2018. 

 جاء ذلك عقب استقالة رئيسة المجلس الفيدرالي خيرية إبراهيم، وهي من كبار المسئولين في جبهة تحرير شعب التيجراي وعضوة باللجنة التنفيذية للجبهة، والتي عللت أن استقالتها جاءت لأنها لاتريد أن تكون متعاونة مع نظام “ديكتاتوري” تحت ستار دستوري، في خطوة توضح الولاء لقومية التيجراي التي رفضت الانضمام لحزب الإزدهار الموحد بقيادة أبي أحمد واعتبرته انقلاب على الدستور ومحاولة للقفز على المكتسبات القومية وتأسيس فيدرالية قومية واستبدالها بحكومة مركزية في يد أبي، ووصفت الحكومة الحالية بأنها غير دستورية. 

وعاشت إثيوبيا حالة من الأزمة الدستورية عقب اختيار حزب الازدهار خيار “التفسير الدستوري” لسد الفراغ الدستوري الناتج من تأجيل الانتخابات وانتهاء دستورية الحكومة في أكتوبر المقبل، وبالتالي مع عدم نص الدستور الإثيوبي الحالي عن الحالة الدستورية حال تأجيل الانتخابات، والتي خلقت حالة من المعارضة بين طلبات تشكيل حكومة انتقالية أو تعديل دستوري لضمان الانتقال الديمقراطي وسط مخاوف من سيطرة النظام الحاكم على تمرير التعديلات التي تضمن بقاؤه في السلطة، وبالتالي فإن تمديد ولاية “أبي أحمد” رئيس الوزراء الإثيوبي لما بعد سبتمبر  أدت إلى تفاقم الخلافات بين المعارضة والحزب الموحد. 

تفاقم الخلافات مع تمديد فترة أبي أحمد

من أشهر الخلافات التي نتجت عن خيار تأجيل الانتخابات والذي اعتبرته أمراً غير دستوري في اختراق دستوري آخر من وجهة نظرها عقب اختراق الدستور في وضع السلطة في يد الحزب الموحد بدلاً من الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية الإثيوبية الحاكمة، كانت من قومية التيجراي المسيطرة على المناصب العليا في البلاد، وأكثر الجماعات العرقية تأثيراً في إثيوبيا، وإعلانها  استمرار إجراء الانتخابات في معزل عن الانتخابات المؤجلة في الإقليم وسط تهديدات بالانفصال المدعوم من الدستور الانفصالي، كما حدث مع إقليم سيداما من قبل. 

الخلاف بين آبي أحمد وجبهة تحرير التيجراي بدأ منذ توليه رئاسة الوزراء، نظراً لسياسته التي انتهجها بدعوى الاصلاح ولكنها قامت على مطاردة رموز الجبهة والتقارب مع معارضيها والممثل في الاتفاق مع اريتريا الذي سمح بعودة المسلحين من جبهة تحرير الأورومو صاحبة الخلاف الدامي مع قومية التيجراي، والحرب الحدودية الطاحنة بين إريتريا وإثيوبيا عام 2000 بقيادة جبهة تيجراي بعد التعاون في محاولات لتثبيت حكمها وتحول التعاون لخلاف دامي استمر لعقدين. 

كما أن الاحتجاجات التي جاءت بأبي أحمد لسدة الحكم من قبل إقليم أوروميا في أبريل 2018، استمرت بعد توليه الحكم إثر ما اعتبرته انقلاباً على طموحات الإقليم المنتمي إليه، مع ادعاءات السياسات الاصلاحية أعقبها عمليات اعتقالات للمحتجين في الإقليم، وتطبيق أحكام الإعدام دون تحقيق بشكل يتنافى ودعوات أبي الاصلاحية، وبروباجندا الديمقراطية، على خلفية احتجاجات الإقليم الأكبر في إثيوبيا.

كما أبرم أبي أحمد العديد من اتفاقات السلام مع الجماعات المسلحة والتي هددت وجوده إثر عملية الانقلاب الأولى، وكان من ضمنها جبهة تحرير الأورومو والذي أصبح حزب معترف به الآن، والتحق الجناح المسلح للحزب (جيش تحرير الأورومو) بالشرطة في الإقليم، والذين أعلنا انفصالهما ظاهرياً عقب توقيع اتفاق ثالث مع الحكومة، ولكن هناك اعتقاد بربطهما سراً، وبالرغم من ذلك استمر القتال بين الجبهة والجيش الإثيوبي في منطقتي “وللغا غرب الإقليم وغوجي جنوب الإقليم” مما اضطر الحكومة وضع عناصر بها من الجيش وسط الاضطرابات الاجتماعية التي أدت لاضعاف الحكومة المحلية وخلقت فراغات أمنية؛ مما أجبر 80 ألف شخصاً على ترك منازلهم. 

ويتزعم إقليم أوروميا حزب مؤتمر الفيدراليين الأورومو، ويقوم برنامجهم السياسي على تعزيز وتعظيم المكتسبات الجهوية للولايات التي ترى في الحكومة المركزية تفريغ للمحتوى الدستوري الإثني، والذي قام بتكوين “تحالف الفيدرالية الديمقراطية” بقيادة المنافس الأول لأبي أحمد جوهر محمد، والذي طالب بضرورة الاتفاق مع الأحزاب المعارضة للوصول للاتفاق وقابله دعوات أبي لهم بالتحلي بالصبر خوفاً من تفاقم الازمة، ويضم التحالف أبرز الأحزاب والتكتلات السياسية بما فيها جبهة تحرير أورومو، وحبهة تحرير أوجادين اللاعب السياسي الهام في ولاية الصومال الإثيوبي والتي أيدت تشكيل حكومة وحدة وطنية، بينما أيدت حركة الأمهرة خيار التعديل الدستوري.

وتواجه قوى المعارضة ضربات سياسية وأمنية من حكومة آبي، والذي يسعى إلى تطويع المؤسسة العسكرية لقمع معارضيه، وهي العلاقة التي يصفها الخبراء بالـ “مترنحة” نظراً لسيطرة التيجراي المعارضة على غالبية المناصب العليا، إلى جانب دور الجيش الحيوي في الاقتصاد، بما يقلل مساحة المناورة أمام آبي أحمد، مما يتطلب تنسيق وتعاون وتحالفات أكبر بين قوى المعارضة لمواجهة حملات القمع المتوقعة. 

ومع هذا التشرزم الداخلي والتقاسمات حول السلطة يلتف الشعب الإثيوبي حول سد النهضة وتختفي عنده الخلافات، فيصوره الإعلام لهم بأنه المنقذ من الفقر وبداية عصر النهضة، في لعبة سياسية لضمان فوز آبي في الانتخابات في محاولة لإسكات المعارضة واستعادة الشعبية المفقودة والصورة الاصلاحية المهتزة، والتي كان سيتخذ موقفاً مخالف حال استمراره الترويج لنفسه بالديمقراطي المصلح الذي فاز على إثرها بجائزة نوبل، وبالتالي كان سيقتضي عليه قبول نتائج المفاوضات الدولية بوساطة أمريكية، حال استمرار بروباجندا الصورة الإصلاحية المشوهة بقمع المعارضة، مما يعني تغيير الورقة السياسية الخادعة من الاصلاحات والسلام إلى النهضة والاقتصاد المتمثل في الورقة الأخيرة له من خلال لفت الانتباه بالتصريحات البراقة عن الإعلان الأحادي عن ملء السد والذي قابله رفض السودان وسط خلافات حدودية وتهديدات أمنية من قبل إثيوبيا على أمن السودان، ونبرات استعلاء من قبل الساسة الإثيوبين الذين يروا في الدعوة الإثيوبية لترسيم الحدود إخلالاً “بهيبة الدولة الإثيوبية”، واعتبار النخب الإثيوبية الأزمة أعمق من محاولات رتقها وتضاؤل فرص نجاحها، وستكون بمثابة إحراج جديد لأبي أحمد على المستوى الداخلي.

يتضح لنا مما سبق أن خطوة تأجيل الانتخابات كشفت الغطاء عن النوايا الخفية للسلطة عقب استحالة إجراء الانتخابات وسط انخفاض شعبية آبي أحمد، وكشف سياسته التي وصفها بالإصلاحية ولكنها أصبحت قمعية، واستبدالها ببروباجندا جديدة تقوم على تحقيق الإزدهار من خلال الحزب الموحد، وسد النهضة ومحاولة تصعيد الأمر من خلال مناورات استفزازية للدولة المصرية خاصة مع التقارب المصري السوداني ورفضهما الموقف الأحادي لملء السد، عقب الخلافات الحدودية بين إثيوبيا والسودان في أعقاب الدخول في الأراضي السودانية من قبيلة الشفتة وتدخل من الجيش الإثيوبي في منطقة الفشقة بولاية القضارف السودانية، وذلك من أجل خلق التفاف شعبي حول أزمة مفتعلة بعيداً عن الانقسامات الداخلية لحكومة تعتبر نفسها شرعية وانتقالية عقب احتجاجات الأورومية المستمرة حتى الآن، وانقلاب على الديمقراطية وسط تمديد السلطة، مما يضعنا أمام مزيد من الاحتجاجات المتوقع أن يشهدها الإقليم الإثيوبي خلال الفترة القادمة عقب تصديق المجلس الفيدرالي على قرار التمديد. 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى