تركيا

نورديك مونيتور .. ملفات قضية مقتل السفير الروسي بتركيا تكشف تورط حكومة أردوغان

عرض رحمة حسن

عقيدة الاختيار بين طريق الحق والضلال، والفرق بين حكومات تواجه الفكر المتطرف فتنقي مؤسساتها من أصحاب هذا الفكر الجهادي وتعمل على تقويمهم، وحكومات تدعمه فيظهر بين عناصرها لينفذ أيديولوجيتها، وهو ما حدث في قضية اغتيال السفير الروسي في تركيا على يد الضابط ذي الفكر المتطرف على يد المؤسسات الحكومية الدينية التركية، والذي لم يكن الهدف الأوحد في عملية الاغتيال التي نفذها الضابط الجهادي “مولود ميرت آلطنطاش” البالغ من العمر 22 عامًا، بل توصلت التحقيقات إلى أنه بفحص جهاز الحاسب الألي في منزله عقب القبض عليه بتهمة قتل السفير الروسي لدى تركيا أندريه كارلوف في العاصمة أنقرة عام 2016، اتضح أن السفير الأمريكي في تركيا آنذاك “جون باس” كان هدفًا محتملًا آخر، حيث قام القاتل بالبحث عن اسمه باستخدام الموقع البحثي جوجل، وذلك حسبما نشر موقع “نورديك مونيتور” السويدي الاستقصائي في تقرير بعنوان “الشرطي التركي الجهادي قاتل السفير الروسي فكر في استهداف المبعوث الأمريكي “.

السفير الأمريكي الهدف الأول للضابط المتطرف قاتل المبعوث الروسي

جاءت نتائج فحص القرص الصلب لجهاز الحاسب الآلي الخاص بألطنطاش وفقًا للموقع، أن القاتل استخدم عبارات للبحث باللغة التركية مثل “جون باس” و “باس جون” و”السفير الأمريكي في تركيا”، إلى جانب “كيف يمكن الدخول للسفارات”، في محاولة لتقييم متى وأين يمكن أن يظهر السفير الأمريكي “باس” للجمهور، إلى جانب محاولته التعرف على كيفية اختراق المحيط الأمني في السفارات وما حولها.

وعمل باس في تركيا كسفير للولايات المتحدة حتى يوليو 2017، عندما عينه الرئيس دونالد ترامب مبعوثًا أمريكيًا لأفغانستان.

الاستعداد لعملية اغتيال السفير الروسي

بحسب ما جاء في تقرير البحث، اتضح أن “ألطنطاش” قد عدل وجهته إلى السفير الروسي، مما يوضح أنه لم يكن متأكدًا من ضحيته في البداية حتى استقر بعد ذلك على السفير الروسي، حيث قام بتكثيف البحث  عن عبارات “قاعة المعارض بالمعرض الفني في أنقرة” و “السفارة الروسية” و “كارلوف”، في الفترة من 9 إلى 19 ديسمبر 2016، كما أظهر بريده الشخصي mrtltns@gmail.com أنه قام بالبحث عن موقع السفارة على خرائط جوجل في يوم 18 ديسمبر أي قبل يوم من مقتل كارلوف. 

 وأظهرت النتائج خطة القاتل في تحسين مهاراته في الرماية من خلال استخدام عبارات “تكتيكات إطلاق النار السريعة” و “تحسين مهارات الرماية”، إلى البحث عن “سماعة الأذن التي يستخدمها الحارس الشخصي”، في محاولة للتنكر وإخفاء شخصيته الحقيقية في خطته لقتل المبعوث الروسي، كما تضمنت عملية البحث عن “فندق في أنقرة” كمكان للاستلقاء أن يقوم فيه بالاستعدادت النهائية وتغيير ملابسه وارتداء الملابس الرسمية التي تمكنه من الدخول. 

رسالة ألطنطاش الإلكترونية “أنا مستعد للموت وأريد الذهاب إلى الجنة”

عثر المحققون على 4 رسائل إلكترونية متشابهة في المحتوى، أراد “ألطنطاش” عدم اكتشافها إلا بعد وفاته أو إرساله إلى الصحافة أو الأشخاص والجماعات التي كانت على دراية بالأمر، وقد كُتبت الرسائل على شكل إعلان بأنه سيترك مقاتلًا جهاديًا وراءه بعد استشهاده.

يبدو أن ألطنطاش كان يخطط لمثل هذا النوع من الهجوم قبل وقت طويل من مقتل السفير الروسي، نظرًا لأن الرسائل كانت مختومة بتاريخ 27 يوليو 2015، وبدأت رسالته بالآية القرأنية “إنا لله وإنا إليه راجعون”، كما كتب أنه لا مفر، وطلب رحمة الله و أمل أن ينتهي به المطاف في السماء بعد وفاته، وقال إنه رعى يتيمًا حتى نوفمبر ودفع له شهريًا 1001 ليرة تركية، وطلب من عائلته الاستمرار في رعاية الطفل، وطلب من أحبائه ألا يبكوا كثيرًا في جنازته ولا يريد موسيقيين موكلين، بل يطلبون هتافات دينية من الله أكبر. ووعد برؤيتهم في الآخرة.

كما كشف فحص سجلات الوصول من عناوين الموضوعات فقط أنه كان لديه ثلاث رسائل بريد إلكتروني مخزنة في صندوق المسودة في ملفات البريد الإلكتروني الخاص به قبل عدة ساعات من مقتل المبعوث الروسي، اثنان مع تحية المسلمين “السلام عليكم”، و “عليكم السلام”، و “فقط في سبيل الله، دون طلب منافع أخرى”، ولم يتم اكتشاف محتوى الرسائل في ملف الإثبات أو إذا كتب أي بيان وتمكن من إرساله.

التطرف برعاية حكومة أردوغان وكيف وصل ألطنطاش لهذا الفكر المتطرف

لم تكن عمليات الاغتيال هي الهدف الأول له، بل أجرى عمليات بحث على الإنترنت عن كيفية الذهاب إلى سوريا وقام بتنزيل ومشاهدة مقطع فيديو للقاعدة، بحسب ملف التحقيق.

تشير الأدلة التي تم تضمينها في لائحة اتهام المدعي العام، إلى أن ألطنطاش، كان من الواضح تطرفه عندما بدأ في حضور الخطب التي ألقاها العديد من الأئمة المتطرفين، وبعضهم على صلة بالحكومة التركية كما أثبتت التحقيقات أنه ينتمي لأحد “عناصر الشبكات الإسلامية الموالية للحكومة“.

وفي تقرير منفصل لموقع نورديك مونيتور أوضح أن الحكومة التركية غضت الطرف عن الإمام “رجب أوغوز” الملقب بأبي حذيفة التركي، الموظف بالشؤون الدينية لمقاطعة “ييني محلي”، ويمارس مهامه بشكل  رسمي في المقاطعة التي يوجد بها مقر المخابرات التركية، والذي يقوم بجمع مبالغ طائلة عن طريق شبكة من الجمعيات منها مؤسسة “ديانت” أحد أذرع الحكومة التركية كقوى ناعمة في تقديم المنح للطلاب الأجانب لدراسة الفكر التركي المتطرف، والذي أوضح في شهادته أمام المحققين الأتراك أن مولود ميرت دأب على قصد مسجده، ومن المعروف عن حذيفة التطرف الفكري الذي بدأه في السودان عام 1993 عندما كانت ملجأً لعدد من القيادات المتطرفة مثل أسامة بن لادن.  

وبحسب لائحة الاتهام كان “ميرت ألطنطاش” على علاقة وثيقة بإبراهيم بلال أودونكو، وهو جهادي يبلغ من العمر 35 عامًا كان يعمل مع القاتل وكان يعمل كمؤذن -نائب إمام- في جامع أنقرة، حيث تم الكشف عن سلسلة من الاتصالات، سواء بشكل شخصي أو عبر الهاتف بينهما، وكان بلال وشقيقه مراد لفترة من الوقت يقودان منظمة غير حكومية تركية تابعة لتنظيم القاعدة تعمل في العاصمة التركية أنقرة بحماية حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان، وكان كلاهما على اتصال بالقاتل وشارك في أنشطة لدعم الجهاديين في سوريا.  هذا إلى جانب شقيقهم الثالث متين علي أودونكو، وهو أيضا مفتي منطقة يعمل في ديانت، وابنه محمد سلمان أودونكو، الذين تورطوا في علاقتهم بالقاتل ولكن بدرجات متفاوتة.

في وقت تنفيذ عملية الاغتيال، كان ألطنطاش يقيم مع سيركان أوزكان، المشتبه به في القضية، في شقة في أنقرة، وخلص المحققون إلى أن أوزكان لم يكن بإمكانه استخدام الكمبيوتر لأنه كان في إسطنبول في ذلك الوقت، وهو محام يحضر بانتظام محاضرات نورالدين ييلدز، والمعروف إعلاميًا “مفتي الرئيس أردوغان” وفي تقرير لموقع العربية أوضح أنه يقوم بعمل معسكر للشباب التركي يقوم فيه بتجنيدهم وتعليمهم أفكار جماعة الإخوان المسلمين المحذورة وتدريس كتب مؤسس الجماعة حسن البنا وسيد قطب، وهو ممن يعتنف أفكار الجماعة ومؤسسيها في مصر إلى جانب العالم الهندي أبو الحسن الندوي والقيادي الإخواني السوري عبد الفتاح أبو غدة، كما يدعو إلى الجهاد العنيف والمسلح. وغالبًا ما ظهر يلديز كمتحدث رئيسي في الأحداث التي نظمتها فروع شباب حزب العدالة والتنمية الحاكم برئاسة أردوغان AKP، وكذلك مؤسسة شباب تركياTUGVA ، التي تديرها عائلة أردوغان.

وعلى الرغم من الأدلة الدامغة على دور هؤلاء الائمة في تطرف ألطنطاش، إلا أنه لم يتم تسمية أية منهم كمشتبه به في القضية أو متهمين بأي جريمة، كما لم تخضع الجماعات الإسلامية الراديكالية المنتمية للقاعدة إلى التحقيق على الرغم من وجود أدلة واضحة على ميول ألطنطاش الجهادية وتبني وجهات نظرها الراديكالية، بل حاولت السلطات التركية العثور على كبش فداء في حركة غولن، وهي مجموعة تنتقد الحكومة، وتأطير الأبرياء الذين ليس لهم علاقة بالقتل على الإطلاق.

فكان من الواضح أن حكومة أردوغان أرادت حماية الشبكات والأشكال المتطرفة التي اعتمدت عليها كقاعدة دعم سياسي، إلا أن المؤامرة التي دبرتها الحكومة التركية تلقت ضربة قاضية عندما بدأت محاكمة المشتبه بهم المتورطين في عملية القتل، وصرح أحد المشتبه بهم الرئيسين في القضية بأن الاعترافات التي انتزعت منه كانت جراء التعذيب وملفقة من الشرطة وأن عائلته كانت مهددة.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى