السد الإثيوبي

استراتيجيات خداعية للدولة الإثيوبية تكشفها حروب المياه مع دول الجوار

الاستراتيجية الخداعية لجذب الأطراف الدولية التي ينتهجها الجانب الإثيوبي يكشفها السلوك الإثيوبي مع دول الجوار؛ فكثيرًا ما خرج علينا رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد معلنًا أن إثيوبيا لن تتسبب في “عطش جيرانها”؛ عندما يتعلق الأمر بالموارد في إثيوبيا الدولة الحبيسة ذات مصادر المياه العذبة، تقوم بالمشروعات التي لا تفي بصالح شعبها ولا تحقق الفائض لجيرانها.

مع النزاع حول الإصرار على ملء سد النهضة لتوليد الطاقة كان هناك مجموعة من السدود المشيدة التي لم تكن كحل لاستدامة المياه، ولا لتوليد الكهرباء، فيعاني الداخل الإثيوبي من حالات النزوح بحثًا عن الموارد والطاقة بجانب النزاعات، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل انتقل للجوار والذي ظهر في النزاع مع جماعة الشفتة على أراضي الشفقة السودانية.

ومن السودان إلى الصومال والنزاع بين الأورومو وصوماليا، ومنها إلى كينيا حيث أدى سد (جيبي 3) ضمن مجموعة السدود التي ترغب في تشييدها على نهر “أومو” والذي تطلق عليه “الضخم” الواقع في جنوب البلاد إلى معاناة كبرى للصيادين الكينيين على شواطئ بحيرة توركانا التي يصب فيها نهر أومو. وهو ما يضعنا أمام خلفية من النزاعات مع دول الجوار حول أزمات المياه، فإثيوبيا تحاول أن تبني قوتها الإقليمية من خلال التحكم المائي في المنطقة. 

الاتفاقيات الإثيوبية على السدود والاتهامات بالاتفاقيات الاستعمارية

في الوقت الذي تتهم إثيوبيا فيه مصر والسودان بأنهما لم يمتلكا حقوقًا تاريخية في المياه ووصفها بالاستعمارية، قامت إثيوبيا بتوقيع اتفاقية مع الإدارة الأمريكية بناءً على طلب من حكومة إثيوبيا للتعاون الشامل في استغلال مياه حوض النيل الأزرق، خاصة مع حديث مصر الشروع في بناء السد العالي، ورفض البنك الدولي تمويل المشروع. 

قامت إثيوبيا بالتوقيع على الاتفاق الرسمي في 9 أغسطس 1957، وتم تكليف مكتب الاستصلاح الأمريكي بعمل دراسة كاملة استمرت 5 سنوات للمشاركة في المشروع المشترك بعنوان “البرنامج التعاوني للولايات المتحدة الأمريكية وإثيوبيا لدراسة حوض النيل الأزرق”، واستمرت تلك الدراسة المكثفة للمشروع لمدة خمس سنوات (1958-1964). 

قامت الدراسة بتحديد 26 موقعًا لإنشاء السدود أهمها سدود “كارادوبي ومابيل ومانديا وسد النهضة”، وتم تعديل سد مابيل بسد باكو أبو، هذا إلى جانب سدود فنجا وفاتو ودمبجا وتيموجيا.

وهو ما يختلف مع ما يراه البعض إن إثيوبيا شرعت في بناء السدود على الأنهار منذ عام 2001، عندالإعلان عن الاستراتيجية الوطنية للمياه، وبدأت بإنشاء عدة سدود على نهر “أومو” المتسبب في انخفاض المياه في بحيرة توركانا الكينية وحرمانها بنحو  80% من حصتها من المياه على الحدود بين البلدين، مما تسبب في نزوح سكاني لمواطني شمال كينيا وتركهم أراضيهم. وبالحديث عن سد النهضة قامت بتحديد الموقع في عام 2009، وأنهت التصميم في نوفمبر 2010، وأعلنت في إبريل 2011 عن بداية العمل مستندة على اتفاقية “عنتيبي” التي تنهي الحصص التاريخية لمصر والسودان في مياه النيل، والموقع عليها من 6 دول فقط. 

ماذا وراء شكوى الصيادين الكينين وخطة السيطرة الإثيوبية على الحقوق المائية لجيرانها؟

Turkana Lake, Gibe III Hydroelectric Project

تسبب سد “جيبي 3” الإثيوبي الذي يبلغ ارتفاعه 250 مترًا مؤخرًا في إحداث انخفاض كبير لمخزون الأسماك في توركانا، أفقر منطقة في كينيا، وأصبح لزامًا على الصيادين الإبحار لمسافة أكبر داخل البحيرة للتمكن من الصيد. 

وزاد الجفاف الشديد من التوتر المستمر للنزاع بين مجموعتين عرقيتين متجاورتين بالقرب من بحيرة توركانا -الحدود بين البلدين- والذي بلغ ذروته في سلسلة من الهجمات العنيفة.

ويعد سد “جيبي3” ضمن مجمموعة السدود التي أُثير حولها العديد من الجدل حول السدود على نهر “أومو” حيث تم انتهاء إثيوبيا من بناء سدي “جيبي 1،2” عام 2010، وهو الأمر الذي أثر بالسلب على بحيرة “توركانا” في كينيا التي يعيش عليها ما يقرب من 250 ألف مواطن كيني.

اعتمدت الدولة الإثيوبية على الجهات الأجنبية لتمويل السد كالبنك الدولي وبنك الاستثمار الأوروبي، وقامت الدولة الكينية بالتوجه بشكواها للمؤسسات الدولية مما نتج عنه امتناع البنك الدولي وبنك الاستثمار الأوروبي وإيطاليا من خلال شركة ساليني للإنشاءات عن تمويل السد، ودخلت الصين كمصدرللتمويل، وكالعادة الإثيوبية اتخذ ميليس زيناوي رئيس الوزراء الأسبق موقفًا معاديًا يتهم فيه الدول بعرقلة التنمية في إثيوبيا.

فيما أوضح بيان وزارة الزراعة الأمريكية، انخفاض مستويات المياه في بحيرة توركانا بنحو 1.5 متر منذ يناير 2015، وفي بيان آخر أوضح وجود انخفاض في مستوى المياه إلى 363 مترا عند افتتاح السد في عام 2016، ولكن استعاض الصيادون في ذلك الوقت بالأمطار الغزيرة التي سقطت في غير موسمها لارتفاع منسوب البحيرة، مما أثار خيفة الصيادين باعتبار الأمر مؤقتًا. 

تفاقم الصراع على المياه في بحيرة توركانا

أدى سد جيبي الواقع على نهر الأومو لسلسة من اعمال العنف الانتقامية بين توركانا الكينية وداساناش الإثيوبية نتيجة الصراع على المياه، وفي قرية صغيرة على طول مياه بحيرة توركانا شمال غرب كينيا، كانت هناك عدة عمليات لقتل الصيادين. 

وتشترك هذه الجماعات في ماضٍ متنازع عليه، يتسم بالقتال المتقطع والمتكرر على موارد الرعي الأساسية، وتنتمي الجماعتان إلى جماعات البدو من ممارسي مهنه الرعي ويعيشون داخل منطقة هي أيضا محور النزاعات الحدودية التي طال أمدها في مثلث إلمي Ilemi، وهي منطقة حدودية متنازع عليها بين كينيا وجنوب السودان وإثيوبيا، وتغير عليها القبائل الإثيوبية الحدودية، ولم تقم إثيوبيا بالمطالبة بها رسميًا نتيجة سيطرة قبائلها على المنطقة، ونشأ الخلاف نتيجة الصياغة غير الواضحة لمعاهدة 1914 والتي سمحت لشعب “توركانا” بالرعي فيها، ولم تحسم بعد. 

C:\Users\MiniMall\AppData\Local\Microsoft\Windows\Temporary Internet Files\Content.Word\kenya0217_map1-01.jpg

ترجع أهمية المثلث لأنه يحتوي على المراعي الجافة، وبالتالي وجود رعي مستدام على مدار العام وتوفير المياه من نهر تاراش، ويستخدم المكان تاريخيًا من قبل قبائل التبوسا السودانية وتوركانا الإثيوبية وداساناش وتيرما والماريل ونياتقاتوم الإثيوبية.

ونقلت صحيفة ديلي نيشن تصريحات مساعد وزير الغابات الكيني حول الحدود التقليدية بين شعب توركانا وداساناش التي تقع في دلتا نهر أومو، التي تتدفق إلى بحيرة توركانا الكينية من إثيوبيا، قائلًا إن “هذه الحدود تتحرك جنوبًا بسبب انحسار المياه”.

ولم يضر السد الجانب الكيني فقط بل قبيلة الدساناش الإثيوبية التي بدأت بشكل متزايد في زراعة الأرض والصيد في مياه نهر أومو- بحيرة توركانا، حيث يتنافسون مع شعب توركانا الكيني على الأرض وموارد المياه المعرضة للانحسار. فمنذ عام 1960 ارتفعت درجات الحرارة في منطقة أومو السفلى وتوركانا بنسبة 2-5 درجة مئوية تقريبًا مما تسبب في حالات الجفاف بتواتر وكثافة أعلى، حيث تعاني المناطق المعرضة للجفاف كل عشر أو أحد عشر عامًا من الجفاف كل عامين أو ثلاثة أعوام، ونتيجة لذلك، أصبحت موارد الرعي أكثر ندرة؛ مما أدى إلى زيادة المنافسة ومشاكل الرعي الجائر وتدهور الأراضي.

وفي تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش أوضح إن انخفاض منسوب المياه في بحيرة توركانا بكينيا بعد تطوير السدود والمزارع في وادي نهر أومو في إثيوبيا هدد سبل عيش نصف مليون من السكان الأصليين في إثيوبيا وكينيا.

ونتيجة للصراع الإقليمي القائم على النزاع حول الموارد القليلة المجهدة بالفعل تحول الصراع إلى تزامن هجمات متفرقة مع تسوية ما يقدر بـ 900 ميليشيا مسلحة و2500 مدني إثيوبي على الأراضي الكينية حول بحيرة توركانا، وقالت الحكومة الكينية إن المهاجرين غير الشرعيين سيطروا على 10 قرى كينية وتعهدت بإعادتهم إلى إثيوبيا.

وأوضح الباحث في شئون النزاعات المائية آرون وولف لـصحيفة “سيركل أوف بلو” أن “الماء يفاقم التوترات الحالية، ومن الصعب للغاية فصل نزاع المياه عن نزاع على الأرض عن نزاع اقتصادي، لأن الماء مرتبط بكل ما نقوم به.”

وأوضح الباحثون أن النزاع على الموارد يقوم على معدل التغيير داخل الحوض المائي، الناتج من الندرة، والقدرة المؤسسية للمنطقة أي “النظم البشرية التي بنيت لتخفيف التغيير”، ويعد السبب الثاني هو الأرجح في هذه الحالة. فقد فاقمت الحكومة الإثيوبية من النزاعات الحدودية ببناء السدود التي أثرت على الموارد مع تزايد العنف القبلي، ولم تكتفِ بذلك بل قامت باستهلاك المياه في الري لمزارع السكر التي قللت بالفعل المياه إلى توركانا من نهر أومو.

وأضافت إذاعة “صوت أمريكا” أن الكثيرين ممن يدرسون المنطقة يشعرون بالقلق من أن انخفاض تدفقات المياه سيزيد المنافسة على المياه، ويؤدي إلى زيادة الاشتباكات، حيث تم إزاحة العديد من القرويين لتوفير ما يصل إلى 300000 هكتار في جنوب أورومو لمزارع السكر والقطن المقترحة.

كيف يؤثر سد جيبي على البيئة الكينية؟

C:\Users\MiniMall\AppData\Local\Microsoft\Windows\Temporary Internet Files\Content.Word\450px-Ilemi_triangle_maps.jpeg

قال نشطاء إن نحو 300 ألف كيني يعتمدون على توركانا – أكبر بحيرة صحراوية في العالم – قد يعانون نتيجة نقص مياه الشرب والجور على حقوق الصائدين لقلة الأسماك نتيجة مضي إثيوبيا قدما في خططها لبناء السدود.

ووضعت وكالة الأمم المتحدة للثقافة (اليونسكو) بحيرة توركانا في كينيا على قائمتها لمواقع التراث العالمي المهددة بالانقراض بسبب “التأثير التخريبي” للسد الإثيوبي الحالي، ونتيجة تأثيرها على المجتمعات المحلية التي تعتمد على البحيرة في صيد الأسماك لكسب عيشها”. وكطبيعة الجانب الإثيوبي رفض هذه المخاوف والتي ثبتت صحتها عكس الادعاءات الإثيوبية بأنها تحافظ على حقوق جيرانها الطبيعية. 

وقالت إيكال أنجيلي، الناشطة البيئية في الحفاظ على حقوق بحيرة توركانا التي تناصر المجتمعات التي تعيش حول البحيرة –  “إن أحواض المياه الجوفية والمراعي ستنخفض أيضًا.”، وفي حديثها لمؤسسة طومسون رويترز أكدت أن “جيبي 4 وجيبي 5 لا يمكن أن يستمرا دون أن تكون الحكومة الكينية أكثر تأثيرًا في تغيير هذا الواقع”، وأضافت إن البحيرة من المحتمل أن تتقلص ببطء، مما يقلل من تكاثر الأسماك، وتصبح مالحة للغاية بالنسبة للأسماك للبقاء على قيد الحياة وسامة للغاية بالنسبة للأشخاص والحيوانات للشرب، مما قد يؤدي إلى الصراع والاكتظاظ.

كما تقلل هذه المشاريع أيضًا من حجم بحيرة توركانا، التي تعمل كحاجز طبيعي بين داساناتش المتنافسة وتوركانا، حيث واجهت كل من حكومتي كينيا وإثيوبيا صعوبات في التعامل مع الصراعات المحلية أو تحسين الظروف المعيشية للرعاة في منطقة أومو- توركانا، وكان لبرامج نزع السلاح سجال مختلط من النجاحات والاخفاقات، وتعقد مبادرات السلام ونزع السلاح من خلال ربط الميلشيات المسلحة بقوات الدفاع المحلية عبر الحدود، نتيجة نقص الموارد وضعف التنسيق بين الجانبين والقيود ضد المدنيين أثناء حملات نزع السلاح وعدم وجود توفير أمني مناسب للمجتمعات المُنزوعة السلاح إلى تقويض الدعم الشعبي لبرامج نزع السلاح وتفاقم النزاع في المنطقة إلى الهجمات من الجماعات المسلحة الإثيوبية على الحدود الكينية وقتل الجنود الكينية على الحدود بين الدولتين.

كما أوضح المؤتمر السنوي الدولي للأمم المتحدة للمياه 2012/2013 أن النزاع المسلح بين البلدين حول بحيرة توركانا نشأ نتيجة تضارب المصالح والتغياتر المناخية وتأثير الجفاف، والذي كان من الصعب على البلدين التعامل معها، كما هناك بعض القضايا الناشئة الجديدة التي تحدث في البلدان مثلالصراع على “النفط” فمن الصعب التعامل مع الاندفاع القادم إلى المنطقة. وأبلغت إيكال أنجيلي المنتدى أن حكومة كينيا “استبدلت” شعب توركانا مقابل الطاقة الكهرومائية التي سيتم توريدها من إثيوبيا بعد سد النهر.

ومما سبق يتضح لنا من الخطط الإثيوبية لبناء السدود أنها ليس لتحقيق التنمية بل دائمًا ما تنتهك حقوق الجوار وتقضي على الحقوق البيئية والتاريخية والتراثية ولم تعبأ بالسكان المحليين، بل زادت سياستها من النزاعات الحدودية في المناطق المتنازع عليها بالفعل، ولم تسع للتنمية بل تحول الأمر من إدارة المياه لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية واعتبار المياه كأداة عسكرية للسيطرة على دول الجوار، وكذلك الشعب الإثيوبي ذاته الذي تبيع له وهم التنمية فيما مازال يعاني من ألم النزوح بحثًا عن الموارد، مما أظهر الحاجة لحملة للحفاظ على حقوق الإنسان والمجتمعات المحلية من السلوكيات الإثيوبية التي أضرت بشعوبها وشعوب دول الجوار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى