أفريقيا

ماذا يحدث في إثيوبيا؟

خطاب تحريضي من رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، ودعاية لحشد المدنيين بادعاء البطولة، في مواجهة تقدم التيجراي مع انتشار القوات التيجرانية المتحالفة مع تحرير الأورومو إلى جنوب الأمهرا وشرق العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، للسيطرة على المدينة التي تربط العاصمة بميناء جيبوتي. وشارك في الحملة الدعائية أبطال رياضيون ودبلوماسيون للحشد المدني ضد تقدم التيجراي، لاشتعال الحرب الأهلية القائمة على النزعات العرقية، تبعها إعلان لدول بسحب رعاياها، للحد الذي نشرت فيه الولايات المتحدة قواتها في جيبوتي لمساعدة رعاياها في حال تطور الأوضاع، وخطوات نحو تحقيق سيناريو التفكك الفيدرالي وزيادة التدخلات الأجنبية؛ فماذا يحدث في إثيوبيا؟ 

إثيوبيا على حافة الحرب الأهلية:

تتسارع وتيرة الأحداث في الدولة الإثيوبية، مع تقدم لجبهة تحرير التيجراي بالتحالف مع جبهة تحرير أورومو والفصائل المتحالفة الجديدة، واقترابها من العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، وانشغالها بقطع المدينة التي تربط العاصمة بميناء جيبوتي لقطع الإمدادات عن المدينة، ووصولها إلى منطقة كيميسى الواقعة على مسافة 325 كيلومترًا شمال العاصمة. وذلك عقب فشل محادثات السلام التي تدخل فيها الرئيس الكيني أوهورو كينياتا، والتي لم تفضِ إلى جديد؛ وذلك عقب لقائه ووزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكين، في ظل التمسك بإجراء حوار موسع مع المعارضة وعدم اعتراف المعارضة بحكومة آبي أحمد. 

وهو الأمر الذي دفع آبي أحمد إلى استخدام خطاب الكراهية والخطب العنصرية لحشد المدنيين للوقوف أمام تقدم التيجراي، ليجر البلاد إلى حرب أهلية موسعة، وانضم إليه العديد من السياسيين والرياضيين والإعلاميين لدعم الحشد الداخلي، في ظل زحف التيجراي لإسقاط الحكومة في العاصمة. وأعلن آبي أحمد نزوله إلى جبهة النزاع للوقوف في الخطوط الأمامية ضد التيجراي على رأس قواته الفيدرالية، مع ترك مهام منصبه إلى نائبه ووزير خارجيته ديميكي ميكونين. 

ومع تطور الأوضاع، حذرت الخارجية الأمريكية من الحلول العسكرية، وقالت في بيانٍ لها “إنه لا يوجد حل عسكري لحسم النزاع في إثيوبيا، والدبلوماسية هي الخيار الأول والأخير والوحيد لوقف الحرب الأهلية الدائرة هناك”. وهو ما أكد عليه أيضاً رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو. وجددت الأمم المتحدة دعوتها إلى وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار، وذلك خلال زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش إلى العاصمة الكولومبية بوجوتا، لإحياء ذكرى خمس سنوات على توقيع اتفاق السلام فيها.

أما عن الأوضاع الإنسانية، فقد تمكنت 40 شاحنة محملة بالإمدادات والمساعدات الإنسانية من الوصول إلى إقليم عفر، متوجهة إلى التيجراي، والتي رغم وصولها منذ أكتوبر الماضي في ظل الأوضاع الإنسانية المتردية لم تتمكن العربات المحملة بالأدوات الطبية والوقود من الوصول إلى ضحايا النزاع في المنطقة الأكثر نزوحًل وحصارًا في الشمال، جراء النزاع الداخلي. 

سحب رعايا الدول والقوات الأمريكية تتأهب على الحدود الإثيوبية:

بدعوى حالة الطوارئ التي فرضها آبي أحمد، تم اعتقال العديد من العاملين بمنظمات الإغاثة الدولية ومنظمات الأمم المتحدة، وهو ما استنكرته الأمم المتحدة. فيما طالبت الحكومة الإثيوبية أربعة دبلوماسيين أيرلنديين بمغادرة البلاد، والإبقاء على سفير أيرلندا وأحد دبلوماسييها فقط.

 وبجانب عمليات الاعتقال، أصبح تحول مرحلة النزاع إلى حرب داخلية بين الحكومة الفيدرالية والفصائل المتحالفة، بمثابة جرس إنذار بتفاقم الأوضاع واحتمال غلق المجال الجوي الإثيوبي، واستهداف الطائرات، مما دفع العديد من الدول إلى سحب رعاياها ومطالبتهم بمغادرة البلادة على متن الرحلات التجارية من أديس أبابا قبل غلق المجال الجوي. 

فحثت الخارجية البريطانية بجانب فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة حث مواطنيها على مغادرة إثيوبيا دون تأخير، وتحول الأمر من مجرد النصيحة بالمغادرة كما حدث من الحكومة البريطانية في 9 نوفمبر إلى إجلاء للرعايا من الدولة الإثيوبية، هذا إلى جانب عزم الأمم المتحدة إجلاء عائلات الموظفين الدوليين من إثيوبيا بدءًا من 25 نوفمبر؛ مما يضعنا أمام تفريغ الدولة الإثيوبية من الرعايا الدوليين، في إشارة إلى تفاقم الأوضاع للحد الذي قد اتدخل فيه قوات دول أجنبية لحماية رعاياها. 

وهو ما يظهر جليًا في الاستنفار الذي أعلنته الولايات المتحدة بنشر الجيش الأمريكي قوات عمليات خاصة من الكتيبة 1/75 في جيبوتي استعدادًا لتقديم المساعدة للسفارة الأمريكية في إثيوبيا إذا تفاقم الوضع، في ظل التخوف من تحول إثيوبيا إلى أفغانستان جديدة، مع أنباء عن وجود ثلاث سفن حربية متأهبة لعملية إجلاء المدنيين المحتملة.

هذا وسط مطالب بضرورة التدخل الإسرائيلي لإجلاء يهود الفلاشا من إثيوبيا والبالغ عددهم وفق إحصائيات وزارة الهجرة والاستيعاب الإسرائيلية 700 يهودي موجود في التيجراي، وهو ما حذرت منه “هيئة الأمن القومي الإسرائيلية”، كونه سيؤجج الوضع الأمني المتردي في البلاد. ويعاني اليهود من أصل إثيوبي من عنصرية بالفعل داخل الكيان الإسرائيلي، والتعامل معهم كمواطنين من الدرجة الثانية، إلا أن الحكومة الإسرائليلية تحاول أن تلوح بورقة سياسية تمكنها من الدخول على خط الأزمة.

الاستعانة بالمرتزقة في الحرب الإثيوبية

 يبدو أن وعد آبي أحمد رئيس وزراء إثيوبيا بعدم تحول إثيوبيا إلى ليبيا أو سوريا جديدة قد لا يتحقق، كما حدث مع باقي وعوده، مع تحويلها إلى ساحة للحرب بالوكالة من خلال توطين المرتزقة لخدمة أهداف الدول الكبرى، من خلال الحديث عن استخدام المرتزقة هناك، وهي مجموعات عادة ما تنشط في أماكن النزاع، مما سيودي به إلى إفشال الدولة التي على حافة الانهيار من خلال فقد مؤسسيتها، وعدم القدرة على إخراج الجماعات المسلحة.

فبالرغم من الحديث عن الحذر الإثيوبي من وجود قوات أجنبية باستثناء التعاون التدريبي والتكنولوجي على الأرض الإثيوبية؛ إلا أن الوضع الحالي ينذر باحتمالية التعاون مع الذراع الأمنية الروسية “فاجنر” التي تنشط في مناطق النزاع في أفريقيا والنفوذ الروسي، لعدم اتهامها بالتدخل في الصراعات بشكل مباشر.

وبالتزامن مع تأكيد أن الصراع في إثيوبيا “شأن داخلي”؛ إلا أن هناك تقارير واتهامات متبادلة حول تمدد لوجود جماعات المرتزقة وإدخالها في الحرب في إثيوبيا، عقب دعوات آبي أحمد للمدنيين والمتقاعدين من الجيش للانضمام للقوات الفيدرالية الإثيوبية، عقب تمكن قوات التيجراي المتحالفة مع جبهة تحرير الأورومو من إحداث تقدم واستنزاف الجيش الفيدرالي، وفقده أسلحته ومناطق سيطرته في أمهرا وعفر، والاقتراب من العاصمة وقطع الطريق الرئيس مع ميناء جيبوتي المنفذ الوحيد للدولة الحبيسة.

فلجأ الجيش الإثيوبي إلى حشد المدنيين وإبرام الصفقات العسكرية طويلة الأجل والاستعانة بمرتزقة وفقاً لتقرير “رويترز” من خلال اتصال هاتفي مع جيتاتشو رضا، المتحدث باسم جبهة تحرير التيجراي، الذي هدد بـ “مطاردة” الأجانب والذين يعملون كمرتزقة وخبراء فنيين داعمين للحكومة الإثيوبية في حرب استمرت لمدة عام، موضحًا أنهم من “تركيا والصين واسرائيل ودولة عربية”، هذا إلى جانب القوات الإريترية والأمهرية والقوات الصومالية؛ موضحًا أن هناك سيطرة أجنبية على مفاصل الدولة الأمنية والاستخباراتية، واتهمهم بالمسؤولية الأولى عما حدث في البلاد، والمطالبة بمحاسبتهم وتقديمهم للجنائية الدولية.

وفي المقابل يتهم آبي أحمد جبهة التيجراي بوجود “رجال بيض” بين صفوفها، قائلاً إن بعضهم قُتلوا خلال الصراع، وهي ليست المرة الأولى التي يتهم فيها آبي المرتزقة باشعال الحرب، فقد اتهمهم في محاولة انقلاب ضده في يونيو 2019، واصفًا مرتكبي الانقلاب الفاشل بالمرتزقة.

وأدرجت الولايات المتحدة الجيش الإريتري وحزبه السياسي الحاكم جبهة الشعب للديمقراطية والعدالة والمستشار الاقتصادي للحزب ورئيس مكتب الأمن القومي الإريتري على القائمة السوداء لاتهامهم بالمساهمة في الصراع في إثيوبيا، بحسب وزارة الخزانة الأمريكية، في ظل الخطة الأمريكية لاستهداف أطراف إريترية “أسهمت في تأجيج الأزمة والنزاع وتقويض استقرار ووحدة الدولة الإثيوبية” بحسب الوزارة.

ومع تصاعد الخلاف الأوروبي الروسي، وتغير خريطة التحالفات الدولية، وتزايد التدخل العسكري في أفريقيا، وقعت روسيا اتفاقيات تعاون عسكري مع نيجيريا وإثيوبيا في يوليو الماضي، فاستغلت روسيا التراجع الأوروأمريكي من خلال فرض العقوبات على إثيوبيا الحليف السابق للولايات المتحدة بزيادة الدعم العسكري الروسي؛ من خلال دعم معدات عسكرية وتقنية، بجانب صفقات السلاح من الطائرات المسيرة من “تركيا وايران” لإمكانية مواجهة جبهة تحرير التيجراي وتقدمها المحتمل إلى أديس أبابا.

هذا في ظل الرفض الأوروبي والأمريكي لمواجهة التمدد الروسي في مناطق نفوذهما، وخاصة الولايات المتحدة التي تنشر قواتها من “الأفريكوم” في القرن الأفريقي والساحل من خلال خطة استراتيجية لتعزيز وجودها مدتها 20 عامًا. فوفقًا لتقديرات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، فتشكل أفريقيا 18٪ من صادرات الأسلحة الروسية بين عامي 2016 – 2020، مما سيضع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أمام خطة لتعزيز وجودها في المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية في القارة الأفريقية من عقد صفقات أو التهديد بالعقوبات، بسبب الوجود التركي والصيني والروسي.

ويذكر أن الحكومة الإثيوبية قد سبق واتهمتها الأمم المتحدة باستخدام المرتزقة في حربها ضد إريتريا، فاعترف رئيس الوزراء الإثيوبي ميليس زيناوي بتعزيز القوات الجوية الإثيوبية من خلال تعيين فنيين ومدربين أجانب، فيما كانا هناك أدلة على دخول المرتزقة ضمن هؤلاء الخبراء الأجانب على حد قوله، وذلك في 3 فبراير 1999.

يضعنا الشكل الحالي للصراع أمام دولة تعاني حربًا أهلية، ومواقف دولية متأزمة، ولم يعد للولايات المتحدة السيطرة الكلية على تعديل الأوضاع في ظل عدم نجاح الجهود الدبلوماسية للمبعوث الأمريكي للقرن الأفريقي جيفري فيلتمان ووزير الخارجية أنتوني بلينكن. هذا على الرغم من إعلان المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية دينا مفتي في وقت سابق من هذا الشهر أن الحكومة الفيدرالية قد تفكر في التفاوض في حال انسحاب التيجراي من موقعها المتقدم نحو العاصمة والسيطرة على مدينة ديسي الاستراتيجية والاعتراف بحكومة آبي أحمد، وهو ما ترفضه جبهة التيجراي التي لا تقبل التفاوض مع وجود آبي في الحكم، وتستمر عمليات التقدم وسط عملية حشد داخلي للمدنيين والقوات الفيدرالية وضعت الدولة الإثيوبية على حافة الانهيار.

ولكن مازالت الرؤية المعلنة للولايات المتحدة هي عدم الحل “عسكريًا” في الوقت الذي تحشد فيه قواتها على الحدود، في ظل التنافس الروسي، مع محاولة الضغط من أجل إحداث وقف لإطلاق النار، مع الدخول بشكل متفق عليه وليس بشكل معتدي، يسمح لها بالوجود لتحويل الوضع السياسي بشكل يخدم مصالحها بدعوى رعاية عملية وقف إطلاق النار. إلا أن هذا الأمر -وحتى إذا تم الوصول لعملية التفاوض لوقف إطلاق النار- قد يضع البلاد تحت وطأة وجود قوات أجنبية ومرتزقة تهدد الوضع الأمني والسياسي المتردي بالفعل، وقد تتحول البلاد لأرض للحرب بالوكالة. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى