أفريقيا

مصالح القاهرة في القرن الإفريقي…وطبيعة التنافس الإقليمي والدولي

تتمتع دول القرن الإفريقي بأهمية جيوسياسية للدولة المصرية، وعليه حظيت هذه الدول بأهمية خاصة على أجندة السياسة الخارجية المصرية عقب ثورة ٣٠ يونيو وزادت أهميتها عقب تولي مصر رئاسة الاتحاد الإفريقي ووضع خطة تنموية للقارة تقوم على تنفيذ أجندة إفريقيا 2063.

 وتولي القاهرة أهمية جيوسياسية خاصة للدول المطلة على البحر الاحمر، خاصة مع ما تشهده بعض هذه الدول من الوقت للآخر من عدم استقرار داخلى ناتج من نزاعات عرقية وانتشار القواعد العسكرية الأجنبية على أراضيها، وتنامي الإرهاب بشكل مطرد بها، هذا إلى جانب النزاعات الحدودية، كما أن هذه الدول تقع على ممر مائي هام للدولة المصرية، وهو مضيق باب المندب وتقع في الممر المائي الرابط بين البحر الهندي والبحر الأحمر وصولا لقناة السويس، والذي تسبب في زيادة المطامع الخارجية والتدخلات الدولية لتحقيق مصالحهم في المنطقة، مما تطلب جهوداً مصرية حثيثة تجاه دول القرن الإفريقي حتى لا تهدد هذه التحديات ممر السفن لقناة السويس، إلى جانب جيرتها مع دول حوض النيل وهو ما أظهر الحاجة لتناول العلاقات المصرية ودول القرن الإفريقي في ضوء الاهمية الجيوسياسية، والتهديدات الخارجية المتفاعلة مع هذه الدول.

جغرافيا المكان

تقع دول القرن الأفريقي أو شبه الجزيرة الصومالية على رأس مضيق باب المندب من الساحل الأفريقي في شرق القارة، ويحدها المحيط الهندي جنوبًا، والبحر الأحمر شمالًا، وخليج عدن وبحر العرب من ناحية أخرى وتقع بها حاليًا: “جيبوتي والصومال وإريتريا” ويجاورها كينيا وأثيوبيا، وبالتالي فهي دول تمثل أهمية استراتيجية لقارتي آسيا وإفريقيا، ويعد ميناء بربرة وميناء كسمايوا وميناء جيبوتي أهم موانئ المنطقة.

وبالتالي يمثل الموقع الجغرافي لدول القرن الإفريقي، أهمية خاصة للدول المجاورة في الجارة الاسيوية كاليمن ودول الخليج، وكذلك أهمية قصوى للدول التي تحاول التأثير الخارجي على أمن هذه الدول كإيران وتركيا وقطر وإسرائيل والدول صاحبة المصالح الاقتصادية والهيمنة كالصين والولايات المتحدة بالإضافة إلى اليابان التى تسعى لتقويض دور الصين في القارة وتواجدها البحري بالمحيط الهندي، وهو ما جعلها منطقة ذو أهمية جيوسياسية للدولة المصرية فهي ممر هام لحركة التجارة العالمية؛ فضلاً عن أنها بوابة للمرور لأي تحركات عسكرية قادمة. كما تتصل دول القرن الإفر يقي بدول حوض النيل ذات الأهمية الكبرى للدولة المصرية.

طبيعة الدور المصري 

عزز وقوع المنطقة بين المحيط الهندي والبحر الأحمر الموصل لقناة السويس من الشراكة المصرية اليابانية نحو العمل على مبادرة «محيط هندى وهادئ حر ومفتوح» التى تبنّتها اليابان بالتعاون مع مصر، للحفاظ على حرية الملاحة وحرية التجارة وتعزيز النمو الاقتصادى وتشجيع روح القانون وتعزيز السلام والأمن فى هذه المنطقة. 

كما مارست مصر بالتنسيق مع شركائها الدوليين والإقليميين دورا حيوياً في البحر الأحمر حتى لا تتأثر الملاحة في قناة السويس سواء بالحرب الدائرة في اليمن أو بالأوضاع المضطربة في الصومال، فدعمت مصر تواجدها في البحر الأحمر من خلال الطفرة في التسليح البحري، وإعادة تنظيم الأسطول الجنوبي لوقف المخاطر المهددة للمصالح الاستراتيجية.

وعمدت السياسة المصرية على التأكيد على سيادة الدول الوطنية الإفريقية في كافة المحافل الدولية، ومواجهة الحركات الانفصالية، بجانب الدعوة لتحجيم دور الدول التي تعبث بمقدرات الدول الإفريقية من التأثير على وحدة هذه الدول وسلامتها الإقليمية، فقد دعمت مصر وحدة الصومال برفضها الاعتراف بأي من الأقاليم الساعية للانفصال بعد إعلان “أرض الصومال” استقلالها عن الحكومة المركزية في مقديشيو، في الوقت الذي تعاملت معها بعض القوى الإقليمية بمنطق الاعتراف الواقعي بوصفها بديلاً عن الدولة الأم، إلى جانب إعادة تأهيل الجيش الصومالي، ودعم استقلال اريتريا عام 1991، وتعميق العلاقات التعاونية مع دولة جيبوتي.

وتوصف العلاقات المصرية ودول القرن الإفريقي بالعلاقات التعاونية القائمة على التكامل والإندماج الإقليمي، من خلال الجهود المصرية الدبلوماسية . فقد أسفرت اللقاءات الثنائية بين الدولة المصرية وجيبوتي في دراسة مصر إقامة منطقة حرة لوجيستية مصرية في جيبوتي؛ لإنعاش اقتصاديات دول القرن الأفريقي، وجذب الاستثمارات المصرية لجيبوتي، فضلا عن زيادة التبادل التجاري بين دول المنطقة، وأشارت بعض الصحف الإقليمية عن توفير السلطات الجيبوتية قطعة أرض تبلغ مساحتها مليون متر مربع تمهيداً لإقامة منطقة لوجستية مصرية، تمكن القاهرة تصدير المنتج المصري للعديد من الدول الأفريقية.

وتساهم الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية في دعم دول القرن الإفريقي، وتم الإعلان عنها من الرئيس السيسي، خلال مشاركته في قمة الاتحاد الإفريقي في مالابو في يونيو 2014، وبدء عملها رسمياً في الأول من يوليو 2014، من خلال دمج الصندوق المصري للتعاون الفني مع إفريقيا مع الصندوق المصري للتعاون الفني مع دول الكومنولث. 

عملت الوكالة المصرية على تقديم دورات تدريبية لتبادل الخبرات وبناء الكوادر الجيبوتية في مجالات الصحة والطاقة والدبلوماسية، بالإضافة إلى تسليم مساعدات طبية تعد الأولى من نوعها للقسم المصري لغسيل الكلى بالمركز الطبي التابع لقوات الدرك في جيبوتي”.، فضلاً عن إطلاق العديد من المبادرات لتعزيز الصحة العامة في القارة كمبادرة علاج مليون أفريقي من فيروس “سي”، ومساعي توفير التطعيمات المختلفة في الدول الأفريقية، وإيفاد القوافل الطبية.

كما شهدت العلاقات المصرية الجيبوتية تبادل الزيارات الرسمية على المستوى الرئاسي ووزراء الخارجية والبرلمان. وقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 30 مليون دولار سنويا، وتم توقيع العديد من الاتفاقيات ومذكرات التعاون المهمة في مختلف المجالات، كتوقيع مذكرة تفاهم لتصدير واستيراد وعبور المواشي واللحوم, ومذكرة فى مجال التعليم الفني، ومذكرة تفاهم للتعاون في مجال الاشتراك في المعارض والأسواق الدولية، ومذكرة في مجال التعاون التجاري، واتفاق للتعاون الاقتصادي والفني بين البلدين، ومذكرة تفاهم في مجال الصحة والدواء، ومذكرة بين هيئة قناة السويس وهيئة موانئ جيبوتي في ديسمبر 2016 إضافة إلى اتفاقيات سابقة بلغ عددها 33 اتفاقية ومذكرة تفاهم. ويتمثل تواجد المستثمرين المصريين فى جيبوتي فى شركتي: المهندسون المتحدون، ومجموعة شورى التى تمكنت من تأسيس بنك مصري فى جيبوتي. وعن العلاقات العسكرية، تُقدم مصر الدعم الفني والدورات العسكرية، كما أن هناك تعاونُا في مجال مكافحة الإرهاب والتطرف، وكذلك حماية البحر الأحمر من التهديد الإرهابي وعمليات القرصنة الدولية.

وشهدت العلاقات الاقتصادية بين مصر والصومال نموا ملحوظاً في السنوات الأخيرة؛ فقد بلغ حجم الميزان التجاري بين مصر والصومال نحو 88 مليون دولار خلال عام 2017 مقارنة بـ 54 مليون دولار عام 2016. وتتمثل الصادرات المصرية للصومال في السلع الغذائية ومواد البناء، وقطاع الأدوية، فيما تستورد مصر من الصومال الماشية إلى جانب مشروعات الطاقة والمیاه.

ووقعت مصر والصومال خلال عامى 2015 و 2016 على مذكرات تفاهم فى مجالات الصحة، والتعليم، والجمارك، والزراعة، والثروة الحيوانية، والثروة السمكية، والتجارة، وفي 19 أبريل 2016 وقعت الصومال ومصر، مذكرة تفاهم في مجال التعاون الاقتصادي تضمنت إنشاء لجنة تجارية مشتركة برئاسة وزيرى التجارة في البلدين لمناقشة تسهيل حركة التجارة وإزالة كل المعوقات وبحث الاحتياجات الحكومية في مجالات البنية التحتية والنقل البحري والصحة والزراعة والثروة الحيوانية والسمكية، إلى جانب تقديم المساعدات العسكرية المصرية إلى مقديشو والتي تشمل تجهيزات عسكرية ولوجيستية، وذلك في اطار خطة مصرية طويلة الأمد لدعم المؤسسات الأمنية الصومالية.

وفي إريتريا اتجهت مصر لتعميق العلاقات الثنائية من خلال عقد اللقاءات رفيعة المستوى بين أصحاب القرار من الجانبين، الأمر الذي انعكس في زيادة ملحوظة في اللقاءات الرئاسية بين الرئيس السيسي ونظيره الإريتري أسياس أفورقي، للتنسيق إزاء كافة الموضوعات المتعلقة بالوضع الإقليمي الراهن والشراكة المستدامة القائمة على تقديم مصر الدعم الفني وبرامج بناء القدرات، فقد زار الرئيس الإريتري القاهرة 4 مرات منذ الإطاحة بحكم الإخوان في مصر في ٢٠١٤، ودعا الرئيس السيسي إلى المضي قدماً في تنفيذ مشروعات التعاون في مجالات الزراعة والكهرباء والصحة والتجارة، والثروة الحيوانية والسمكية، وقدمت مصر الكثير من المساعدات لدولة إريتريا من خلال الصندوق المصري للتعاون الفني مع أفريقيا، إلى جانب الزيارات المتبادلة حيث قام وفدٌ مصريٌ فنيٌ من وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي فى مايو 2016 بزيارة لإريتريا لبحث سبل تعزيز التعاون الزراعي المشترك وإمكانية إقامة مزرعة نموذجية مشتركة فى إريتريا والتباحث بشأن توقيع مذكرة تفاهم للتعاون المشترك فى كافة مجالات البحوث والتدريب وتطوير المحاصيل الزراعية والدواجن، حيث تقدر نسبة السلع المصرية الموجودة بالسوق الإريترى “بصفة ثابتة” بنحو 10% من إجمالى السلع (تبلغ أحياناً نسبة السلع المصرية 60%).

تنافس إقليمي ودولي حول القرن الإفريقي

تكتسب منطقة القرن الإفريقي أهمية بالغة للقوى الدولية والإقليمية، لأنها تمثل أهم الممرات البحرية على الصعيد الإقليمي والدولي، وتعد أهم عوامل التوازن والاستقرار الإقليمي، وتعرضت منطقة القرن الإفريقي لموجات من التنافس الأوروبي بين ثلاث قوى رئيسية متمثلة في إيطاليا، وبريطانيا، وفرنسا، وتمثلت صورته في إنشاء عدد من القواعد العسكرية بها غير التواجد من قبل القوات الإثيوبية والكينية والرواندية تحت مظلة قوات حفظ السلام الإفريقية.

وتعتبر إثيوبيا محاور القرن الإفريقي طوق نجاه لها نتيجة افتقادها لأي منافذ بحرية على الممرات المائية وامتدادها البحري وبالتالي تعتمد على التواجد العسكري في الصومال وهو ماينطبق على كينيا بدعوى حماية حدودها من الإرهاب، كما حولت الأهمية الإستراتيجية لمنطقة القرن الإفريقي إلى منطقة نفوذ غربي جعلها محل التنافس الدولي وحلقة جديدة من دوائر الصراع.

ويبدو التنافس الصيني-الأمريكي في القرن الإفريقي الأصعب والأكثر شراسة نظراً لأنها تحتل موقعاً هاماً في الإستراتيجية العسكرية الأمريكية، في إطار “الحرب على الإرهاب”، وإعادة طرح مشروع القرن الإفريقي الجديد الذي يهدف إلى: تأمين الممرات المائية العالمية في البحر الأحمر والمحيط الهندي بما يخدم المصالح الأمريكية، فضلاً عن تأمين الوصول إلى منابع النفط والمواد الخام.

استطاعت الصين أن تمد جذوراً قوية من التواصل في إثيوبيا والصومال وجيبوتي، وتحاول تركيا استعادة قوتها من خلال التواجد في الصومال وخلق علاقات مع جيبوتي وإثيوبيا، وأدى الغياب المتنامي للدول العربية خلال العقدين الماضيين إلى زيادة التغلغل والنفوذ من جانب إيران وإسرائيل التي عملت على استمرار النزاع عبر دعم قوى التوتر بشكل غير مباشر في الصومال ودعم علاقاتها بكل من إريتريا وإثيوبيا وكينيا. وسعت إيران لزيادة نفوذها في المنطقة لخدمة حربها في اليمن وبسط هيمنتها من خلال دعم ميلشيات الحوثي.

قواعد عسكرية 

أصبحت المنطقة جاذبة للقوى الدولية لعمل قواعد عسكرية بها، فقامت فرنسا بعمل قواعد عسكرية في جيبوتي مقابل عقد إيجار سنوي، وتمتلك الولايات المتحدة أكبر القواعد في المنطقة في جيبوتي، كما تملك عدة قواعد عسكرية سريّة في دول القرن الإفريقي وجوارها، ففي كينيا هناك قاعدتا مومباسا ونابلوك البحريتان، وفي إثيوبيا توجد قاعدة أربا مينش الجوية للطائرات بدون طيار منذ عام 2011،

وأقامت الصين أول قاعدة عسكرية لها في الخارج في جيبوتي سنة 2016 قبالة سواحل اليمن والصومال، والاتفاق يضمن وجودها العسكري حتى سنة 2026 وقامت تركيا بتعزيز وجودها عبر الصومال فافتتحت عام ٢٠١٧ أكبر قاعدة عسكرية لها خارج حدودها جنوب العاصمة مقديشو. وقامت إسرائيل باستئجار ميناء في إريتريا لبناء أكبر قاعدة عسكرية له فيها، كما أنشأ قاعدة بحرية في ميناء مصوع وقاعدة تنصت استخباراتية بإريتريا. وهناك تكهنات حول نجاح إيران في إنشاء قاعدة عسكرية في ميناء عصب في إريتريا إلا إن السلطات الإريترية نفت ذلك.

وتتواجد اليابان في جيبوتي  من خلال إنشاء قاعدة عسكرية بحرية للمشاركة في التصدي لقرصنة السفن من قبل الصوماليين عام 2009. و تتمركز القوى الأوروبية في جيبوتي من خلال قوة المهام المشتركة، التي شكلها الاتحاد الأوربي، والمعروفة بالعملية الأوربية لمكافحة القرصنة (أتلانتا)، بمشاركة ثماني دول.

وعن التواجد الإماراتي والسعودي، فإلى جانب الدبلوماسية الخارجية للدولتين من خلال التوسط بين دول القرن الإفريقي، وذلك لمواجهة التمدد الإيراني، سعت الإمارات إلى إنشاء قاعدة جوية لها على مدخل المضيق وأخرى في ذباب، كما وقعت عقداً لبناء قاعدة جوية شمال ميناء عصب بإريتريا وأبرمت اتفاقية مع جمهورية أرض الصومال غير المعترف بها دولياً لإقامة قاعدة أخرى في ميناء بربرة، وهو ما نفته الحكومة الإماراتية؛ فيما أعلنت السعودية اعتزامها إنشاء قاعدة عسكرية في جيبوتي.

أما عن قطر، فعقب قرار دول الرباعي العربي مقاطعتها، تضامنت جيبوتى مع الدول المقاطعة، وقامت بتخفيض التمثيل الدبلوماسى لها فى قطر، فردت قطر بسحب قواتها من على الحدود الجيبوتية/ الإريترية، وانسحبت أيضاً كوسيط فى الأزمة، وركزت بعدها على دعم الميليشيات الإرهابية في الصومال لتقويض الاستقرار هناك، فوفقا لتقرير نشرته نيويورك تايمز منذ شهرين، كشفت عن مكالمة مسربة للسفير القطري حسن بن حمزة هاشم، يؤكد تورط الدوحة في تفجيرات نفذتها عناصر إرهابية صومالية لدعم وتعزيز مصالح قطر.

خطة قصيرة وطويلة الأمد 

الدور المصري في دول القرن الإفريقي يقوم على نقل وتبادل الخبرات وبناء القدرات وتعزيز التكنولوجيا والابتكار والتعليم والصحة، وزيادة برامج التدريب الأمني والعسكري لهذه الدول، وتعزيز وتعميق التعاون الاستراتيجي معها وفق خطة قصيرة  وطويلة الأمد، وهو ما لم تتمتع به كافة الدول المتنافسة على التواجد في دول القرن الإفريقي، مما يفتح الباب أمام القاهرة للعمل كوسيط موثوق به في الصراعات الدائرة هناك، لتعظيم دورها بها من ناحية، وتعميق المصلحة المشتركة من خلال البناء وتنمية مقدرات هذه الدول، وإعادة تأهيلها لمواجهة التحديات والتدخلات الخارجية.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى