أفريقيا

حصار آبي أحمد.. عدم اعتراف بشرعية الانتخابات وحرب عرقية شاملة

أغلبية ساحقة متوهمة لحزب آبي أحمد وسط تشكيك في نزاهة الحملات الانتخابية والناتج من حملته لتحييد مشاركة بعض القوميات، وانسحاب أحزاب المعارضة، واعتقال آخرين، قابلته مخاوف دولية من عمليات العنف في البلاد، وهو ما يضعنا أمام مسرحية جديدة من إخراج آبي أحمد ليعلن نفسه البطل الذي سيخرج إثيوبيا من التمزق لأن تقود القرن الأفريقي، وهو ما يختلف عن أرض الواقع المليء بالنزاعات بداية من التيجراي والزج بالمعارضة في السجون ودخول أقاليم مجاورة في النزاع كالأمهرا والأورمو والعفر، وأزمة الحدود مع السودان، وأخيرًا أزمة سد النهضة، فهل يستطيع آبي أن يحتوى الداخل المهترئ وسط الضغوط الدولية وتفاقم النزاعات؟ 

انتخابات المرحلة الأولى تحسم تشكيل الحكومة

يعد إعلان فوز حزب الازدهار بحصوله على 410 مقعدًا من أصل 436 متنافسًا في البرلمان الفيدرالي، والأرقام التي أظهرت فوز أحزاب المعارضة والمرشحين المستقلين بعدد قليل من المقاعد، ووفقًا للنتائج الصادرة عن المجلس الوطني للانتخابات في إثيوبيا فإنه سيكون هناك إعادة في 10 دوائر انتخابية، فيما لم يصوت خُمس الدوائر الانتخابية ( في مناطق تيجراي، الصومالية، هراري، عفر، بني شنقول-جوموز) التي تمثل حوالي 18% من المقاعد البرلمانية البالغ عددها 547 دائرة بسبب الاضطرابات أو لأسباب لوجستية، ضمانًا لوصول آبي أحمد إلى ولاية ثانية مدتها خمس سنوات كرئيس لوزراء حكومة إثيوبيا الجديدة المقرر تشكيلها في أكتوبر، لكونه ضمن حزب الأغلبية التي تمثل 50+1 وفقًا للدستور الإثيوبي.

ومن المقرر إجراء جولة أخرى من الانتخابات في 6 سبتمبر للمناطق المتضررة، مع الاستمرار في استثناء إقليم التيجراي، وسط شكاوى لأحزاب المعارضة من حملة القمع الصارمة التي فرضتها حكومة آبي ضد المعارضة، فيقول برهانو نغا الملقب بـ”جوكر المعارضة” إن حزب “المواطنون الإثيوبيون من أجل العدالة الاجتماعية” (إيزيما) المتكون من 7 أحزاب قد تقدم بأكثر من 200 شكوى للمراقبين في عدد من المناطق كالأمهرا ومنطقة الأمم والجنسيات والشعوب الجنوبية التي حجبها المسؤولون المحليون ورجال الميليشيات. وصرح حزب بالديراس من أجل ديمقراطية حقيقية “لم تكن الانتخابات حرة ونزيهة وديمقراطية”. 

فيما تقول لجنة حقوق الإنسان الإثيوبية التابعة للدولة إنه “لا توجد انتهاكات جسيمة أو واسعة النطاق لحقوق الإنسان”، ومع ذلك ففي تقرير أولي قالت اللجنة إن بعض الدوائر الانتخابية تعاني من “اعتقالات غير لائقة” وعمليات ترهيب الناخبين و”مضايقات” للمراقبين والصحفيين، وقالت إنها رصدت عدة عمليات قتل في الأيام التي سبقت التصويت في أوروميا. وكان الاتحاد الأوروبي قد اتهم الحكومة الإثيوبية بالفشل في ضمان استقلالية الانتخابات في مايو الماضي، وانسحب من مراقبة الانتخابات، واعتمد تقارير منظمات أخرى كالمفوضية الإفريقية ومقرها أديس أبابا التي قالت إنه لا يوجد انتهاكات واضحة يمكن تحديدها. 

وشدد بيان أوروبي مشترك على ضرورة تنفيذ الانتقال إلى حكم أكثر ديمقراطية مع مشاركة كافة السكان وإجراء حوار وطني والالتزام بالحلول السلمية، وذلك وسط انتخابات أجريت في ظروف تقييد المعارضة والنزاع في التيجراي، وعدم تمكن السلطات من إجراء الانتخابات في 4 أقاليم من الأقاليم العشرة، وإجراء الانتخابات متأخرة يومًا في إقليم سيداما. 

وجاءت العملية الانتخابية التي وصفها آبي بالتاريخية لتؤكد الصورة التي يحاول آبي أن يرسمها وهي التأكيد على الإحياء الديمقراطي الموعود، عقب تعهده بإجراء انتخابات نزيهة عكس الانتخابات السابقة، والتي وصفها المراقبون بأنها لم تفِ بالمعايير الدولية، إلا أن الانتخابات السادسة لم تختلف عن مثيلتيها في الفترات السابقة، فقد انسحب حزبا مؤتمر أورومو الفيدرالي وجبهة تحرير أورومو تمامًا من العملية الانتخابية قائلين إن مرشحيهما اعتقلوا وخربت مكاتبهم. وتقدمت الحركة الوطنية من أجل الأمهرا المعارضة بشكوى إلى الهيئة الانتخابية بشأن “مشاكل خطيرة” أثناء التصويت، وصرح عضو الحزب البارز ديسالين تشاني لوكالة فرانس برس أن “الكثير من مراقبينا تعرضوا للضرب والمطاردة من قبل مليشيات الحزب الحاكم”.

ومن هنا فإن استبعاد المعارضة من العملية السياسية قد يقود البلاد إلى مزيد من الاحتجاجات، وسط رفض شعبوي لفكرة المركزية التي يتبناها آبي أحمد، بعيدًا عن قادة بعض الأقاليم التي انضمت لحزب الازدهار أملًا في الحصول على مكاسب سياسية، والتمثيل المنخفض للمعارضة الذي قد يزيد حالة عدم الاستقرار، خاصة في ظل ما تعانيه البلاد من أزمات اقتصادية قائمة بالفعل وزادت من تكلفتها الحروب الداخلية في البلاد، والتي استمرت كذلك خلال العملية الانتخابية في الدوائر الانتخابية في أوروميا وأمهرا وهراري والصومال وعفر، إذ كان العنف مستمرًا منذ شهور.

وهو ما يجعل موقف آبي سيئًا في إقناع المجتمع الدولي بوصوله للحكم في انتخابات نزيهة، وهو ما أكدته الخارجية الأمريكية حول صعوبة إجراء انتخابات نزيهة وسط العنف الدائر في البلاد ومضايقة الإعلام والمعارضة والنزاعات العرقية. 

آبي أحمد أمام الأزمات الاقتصادية الاجتماعية

هناك تحديات من المتوقع أن تواجه آبي أحمد عقب فوزه بالانتخابات الحالية، فكان قد وعد عند توليه منصبه عام 2018 بتحقيق تطورات اقتصادية وخفض معدلات الفقر، إلا أن هذه الأجندة لم تتحقق مثلها مثل أجندة الإصلاح السياسي التي بدأها بالإفراج غير المشروط عن الجماعات المسلحة، وأنهاها باعتقال خصومه السياسيين من المعارضة. وكلفته الحرب في التيجراي خسائر وأعباء اقتصادية جديدة قد فاقمت من الأزمة الاقتصادية في البلاد، فقد خفضت وكالة التصنيف موديز التصنيف الائتماني لإثيوبيا في مايو، بعد خفض مماثل من قبل وكالة فيتش للتصنيف الائتماني في فبراير.

وأوضح تقرير الأمم المتحدة مايو 2020 أن الوضع الاقتصادي الاجتماعي في إثيوبيا، وخاصةً بعد أزمة كورونا يواجه بعض نقاط الضعف الرئيسة؛ تتمثل في ضعف حالة الاقتصاد الكلي وصعوبة التنمية نتيجة تباطؤ النمو بالرغم من ارتفاع معدلاته، وخطر ضائقة الديون فارتفعت نسبة الدين العام الخارجي من 16,5% من إجمالي الناتج المحلي عام 2020 إلى 17,5% عام 2021 ووصلت نسبة الدين الحكومي بشكل عام إلى 56,6%، وارتفعت نسبة خدمة الدين إلى 0,7% وذلك وفقًا لتقديرات البنك الدولي.

وأضاف تقرير الأمم المتحدة أن المستويات المنخفضة لتعبئة الموارد المحلية، وارتفاع التضخم، وارتفاع معدلات البطالة، ليس أقلها بين الشباب الذين يحاولون إيجاد فرص في اقتصاد ذي مستويات مرتفعة من السمة غير الرسمية، وانخفاض احتياطيات النقد الأجنبي والضغط الكبير على سعر صرف “البر الإثيوبي” والاضطرابات الاجتماعية، الناجمة عن قضايا طويلة الأمد إلى نشوب النزاعات وزيادة خسائر في الأرواح والممتلكات، وفي آخر إحصاء أدى إلى نزوح 1.7 مليون نازح داخلي؛ قد تمثل خطورة على الاقتصاد الإثيوبي.

هذا إلى جانب أزمات أخرى قد تبدو أصغر نسبيًا مثل غزو الجراد الصحراوي الذي أثر على ما يقرب من مليون شخص، وعدم انتظام هطول الأمطار الذي يعطل القطاع الزراعي المهيمن في البلاد، وتفشي الكوليرا والحصبة والحمى الصفراء. علاوة على ذلك، فإن النظام الصحي في إثيوبيا، لم يكن جاهزًا لأزمة واسعة النطاق: فقد تم تصنيف استعداده لتقديم خدمات صحية روتينية بنسبة 55٪ من المتطلبات في عام 2018.

وتنبأ التقرير أن الآثار الاجتماعية والاقتصادية التي يتم الشعور بها في جميع أنحاء إثيوبيا بالفعل واسعة النطاق وخطيرة، مع احتمال أن تصبح شديد، خاصة أن التركيب القطاعي للناتج المحلي الإجمالي لإثيوبيا يتمثل في الزراعة بنحو 33.3٪، والتي من المتوقع أن ينخفض الإنتاج فيها بنسبة 30٪ إذا عاد المنتجون إلى نظام الإنتاج الموسع للمحاصيل النقدية، وحدوث خسائر كبيرة في الدخل في قطاعات محددة، على سبيل المثال الماشية والبستنة، وحدوث اضطرابات في سلسلة التوريد، كما سيتأخر بدء تشغيل مجمعات الصناعات الزراعية، وإحداث تأثيرات سلبية أوسع نطاقا على توافر الغذاء والوصول إليه والاستفادة منه، وتمثل الصناعة 28.1٪ من إجمالي الناتج المحلي لإثيوبيا، والتي قد تتعرض إلى الإغلاق الكامل أو الانخفاض الحاد في الطاقة الإنتاجية وانخفاض العمالة في المناطق الصناعية، وتأثر القطاعات الفرعية مثل المنسوجات والملابس الجاهزة والجلود والمنتجات الجلدية، وأخيرًا تمثل الخدمات الفرع الأخير في قطاعات الناتج المحلي بنحو 39.8٪، وهي قطاعات تتأثر بشكل مباشر بالأمن وتوفير المناخ الأمن للتنمية.

وأكد التقرير على حدوث انخفاض حاد ومستمر في الاستثمار الأجنبي المباشر، وتتمثل الخدمات في قطاعات (السياحة والضيافة والطيران والتجارة والبيع بالتجزئة)، وهي أحد أكثر القطاعات تأثرًا فمن غير المحتمل أن يتعافى قبل الربع الرابع على أقرب تقدير وربما في وقت لاحق في عام 2021، وهناك احتمال كبير لإغلاق الأعمال التجارية وفقدان الوظائف على نطاق واسع، في كل من القطاعين الرسمي وغير الرسمي، وخاصة في المناطق الحضرية.

وعلى الجانب الصحي والتعليمي، فإن 77% من الأطفال قد لا يستطيعون الذهاب لمدارسهم، وعلى الرغم من كثرة الأنهار في الداخل الإثيوبي فإنه يستخدم 11٪ فقط من سكان إثيوبيا مياه الشرب المدارة بأمان، ويتوقع أن ترتفع نسبة سوء التغذية الحاد بنسبة 10-15٪. 

وأضاف البنك الدولي في تقريره مايو 2021 أن القدرة التنافسية المحدودة ستقيد تطوير التصنيع وخلق فرص العمل وزيادة الصادرات، في ظل تخلف القطاع الخاص على مواكبة عمليات التنمية، مما سيحد من القدرة التنافسية التجارية للبلاد والقدرة على الصمود أمام الصدمات، كما تعتمد إثيوبيا على مساعدات المانحين لخفض معدلات الفقر في البلاد، وهو الأمر المرتبط بالعلاقات الخارجية ووضع إثيوبيا على أجندة المجتمع الدولي في ظل أزمة التيجراي التي قد فاقمت من حاجة الأفراد للغذاء والمساعدات الطبية والصحية، فقد أنفقت الحكومة أكثر من 100 مليار بر (حوالي 2.3 مليار دولار أمريكي) لإعادة التأهيل والمساعدات الغذائية للناس، هذا إلى جانب تكلفة الحرب ذاتها.

ويرجع الخبراء الاقتصاديون زيادة أعباء الدين الخارجي الناتج عن تحرير سعر الصرف، وعدم توافر العملات الأجنبية. وكذا، قد تؤدي تكلفة الحرب إلى زيادة المتطلبات الغذائية للأفراد والتي يعتمد آبي على المانحين لزيادتها، ويعتمد النمو في البلاد على قطاع البناء الذي تأثر بشكل كبير في ظل النزاعات وبعد أزمة كورونا.

وربط البنك الدولي تقديم التمويل لإثيوبيا بتوحيد سعر الصرف العملة المزدوج في السوق المحلية، وكذلك ضرورة الحفاظ على “الحوار البناء” مع الدول المجاورة بشأن تقاسم مياه النيل، وهو ما جاء في تغريدة رئيس مجموعة البنك الدولي ديفيد مالباس على تويتر في يونيو 2021. 

ويعد اقتصاد إثيوبيا جاذبًا للاقتصاد الاستهلاكي نتيجة زيادة سكان الدولة الأكبر بعد نيجيريا في عدد السكان، وبالتالي ما زال اقتصادها جاذبًا للاستثمار في الصناعات الاستهلاكية والتي قد تضر نتيجة انخفاض مستوى معيشة الأفراد، وزيادة معدلات الفقر.

المركزية مقابل الفيدرالية الإثنية والدستور

ويتمثل التحدي الآخر في خطة رئيس الوزراء آبي أحمد في تحويل الدولة الفيدرالية القائمة على الطبيعة الإثنية وحق تقرير المصير التي يكفلها لها دستور 1994 عقب الإطاحة بحكم مانجستو، إلى دولة مركزية يتمثل حكمها في يد الحزب الحاكم “الموحد”، وهو ما أثار الأزمات الداخلية، وبالرغم من كون الدولة تتمتع بالنظام الفيدرالي؛ إلا أن إدارة البلاد تقع في يد الائتلاف الحاكم، مع إعطاء الحق للأقاليم الإثيوبية في إدارة مواردها، وهو ما سيتغير مع حكم آبي أحمد الذي يحاول تأمين السلطة واحتكارها خاصة في ظل سيطرة الحزب الحاكم على أغلبية نتائج الانتخابات وبالتالي فالتمثيل للأقاليم الإثيوبية والمعارضة أصبح ضئيلًا، وذلك من خلال اللعب بالنصوص الدستورية أو أعمال القمع والإبادة الجماعية كما حدث في التيجراي، مما هدد الديمقراطية المزعومة وشوه نزاهة الانتخابات التي وصفها آبي بالتاريخية. 

أعطت أحزاب المعارضة التي شاركت التصويت شرعية ورقية وانطباعًا بأن حكومة مركزية وهوية إثيوبية واحدة هو ما تريده جميع الطوائف العرقية الإثيوبية، مما ساعد على احتكار حزب آبي أحمد على السلطة بشكل غير دستوري تحت غطاء دستوري. 

يتشابه النظام الفيدرالي العرقي مع الأسس الماركسية في تكوين الاتحاد السوفيتي، حيث يمنح الدستور الأحزاب الوطنية القومية حقًا غير مشروط في الانفصال عن الاتحاد أو المنطقة التي يتواجدون فيها حاليًا وتشكيل دولتهم الإقليمية داخل الاتحاد، وعلى الرغم من كفالة الدستور لحق الانفصال إلا أن الشعوب الإثيوبية تنازع للحصول على حقها، كما حدث في إقليم سيداما الذي انفصل عن شعوب الجنوب عقب احتجاجات موسعة، وأصبح الإقليم العاشر، وهو ما تطالب به أيضًا ولاية وولايتا الآن، وهو ما يتوافق مع سياسة القوميات البلشفية التي تمنح كل دولة الحق الكامل في الانفصال السياسي، الذي تم تضمينه في دستور اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية لعام 1924، فيما تخلى الاتحاد الروسي الحالي عن هذا الترتيب، ومنح مناطقه الحكم الذاتي ولكن ليس الحق في الانفصال، وهو ما تسبب في تفكيك الاتحاد السوفيتي. 

وتتمتع الولايات بحق النقض في تعديل أجزاء من الدستور، بما في ذلك المواد المتعلقة بسياسة الأراضي – التي تمنع حاليًا الملكية الخاصة للأرض – والمادة الخاصة بالتعديل الدستوري. ولم يكن الدستور الإثيوبي ليوضح طبيعة القوميات والأمم وتقسيمها مما أدى للنزاعات حيث تتجمع أكثر من 80 مجموعة عرقية ذات سيادة، مما أدى لعدم التجانس لشعوب الجنوب، وهو ما يزيد من مطالب الانفصال عن الإقليم الذي يسمى باسم أكبر القبائل الموجودة في الإقليم، وعلى الرغم من وجود 10 أقاليم الآن، إلا أن عدد السكان يتركز في ولايتي الأورومو العرقية الأكبر وتليها الأمهرا، والتي تحاول فرض ثقافتها على البلاد، وهو ما يزيد من شكل الصراع على الأراضي عكس الفيدرالية التي شكلت الولايات المتحدة أو الكانتونات التي أنشأت سويسرا، وهو ما يتمثل في النزاع بين منطقتي أمهرا وتيجراي بشأن منطقتي وولكيت ورايا، المرتبط بالحرب الحالية في تيجراي.

وينص الدستور الداخلي على بعض الأمور التي تحرم القوميات من التمثيل فيشمل دستور هراري على أن لغات العمل في المنطقة هي عفان أورومو وهراري، وأنه لا يمكن لأي شخص شغل منصب سياسي أو العمل في الخدمة المدنية ما لم يتحدث هاتين اللغتين، وفي وقت تكوين المنطقة كان المتحدثون الأمهرية الأصليون يشكلون 37% من السكان وهو عدد يفوق بكثير عدد الناطقين الأصليين بلغة هراري البالغ 8%. وتشير دساتير بعض الولايات صراحةً إلى أن دولتها تنتمي إلى الجماعات الإثنية “الأصلية”. على سبيل المثال، تنص المادة 2 من دستور بني شنقول-جوموز على ما يلي: “بينما يتم الاعتراف بالمجموعات العرقية الأخرى التي تعيش في الدولة، فإن الدولة تنتمي إلى أمم وقوميات بيرتا، وقوموز، وشناشا، وماو، وكومو”. في وقت تشكيلها في عام 1994 كانت الأمهرية تشكل 22 % من السكان، أي ما يقرب من حجم جوموز، بينما كانت عرقية الأورومو 13% من السكان في الولاية، وفي آخر تعداد سكاني، فاق عدد الأمهرا عدد جوموز.

ويخلق الاتحاد العرقي أيضًا تنافسًا عرقيًا شديدًا على الموارد، والذي يتم حله عادةً لصالح من يسيطر على الحكومة الفيدرالية، حيث تستخدم القوميات الموجودة في السلطة لصالح مجموعتها العرقية.

وعلى الرغم من مساوئ الدستور الفيدرالي الإثني، إلا أن حزب آبي الموحد لم يغير كثيرًا من شكل الحكم الذي سيضع السلطات في يد الحزب الحاكم بشكل شرعي مع إعطاء المعارضة تمثيل ضعيف لن يمكنهم من فرض سياسات القوميات المختلفة، خاصة في ظل انسحاب معارضة أكبر قومية في الدولة، وتحول القوميات لأذرع تنفذ سياسة آبي أحمد كما حدث في حشد القوات النظامية من الأقاليم الست من مناطق الأمهرا وجامبيلا وعفر والأورومو في حربها ضد التيجراي، مما يضعنا أمام سوء الوضع في الدولة الإثيوبية الرافضة للحكم المركزي واحتمال جر البلاد إلى احتمال حدوث حرب أهلية عندما يكون هناك مثل هذا الاستقطاب العرقي حيث تقابل أغلبية عرقية بأقلية مسيطرة، وقيام الحكومة المركزية بمحاربة كل المعارضة كما حدث في مواجهة حكومة آبي أول حزب معارض وهو جبهة تحرير التيجراي بعد رفضه الانضمام لخطته، وأدى إلى التوتر الحالي بين الحكومة الفيدرالية والحكومة الإقليمية إلى صراع عسكري. كما ستعمل على التدخل في الدول الإقليمية باستمرار -لحماية الأقليات العرقية والحفاظ على تماسك البلاد، كما حدث في إقليم الأورومو وصوماليا من ناحية، وبني شنقول من ناحية أخرى، بما يتجاوز السلطات الشرعية الممنوحة لها بموجب الدستور، وهو ما يضعنا أمام مشهد انهيار يوغسلافيا نتيجة ضعف سلطة الحكومة المركزية في مواجهة مطالبات إقليمية ضد بعضها البعض وليس لها حدود معترف بها دوليًا. 

وفي حين أن جوانب النظام الفيدرالي العرقي في إثيوبيا قد تكون ضارة، فإن إزالتها تمامًا قد تؤدي إلى المزيد من المشاكل، وهو ما يضع حكومة آبي بين كفي رحى تتمثل في تنفيذ خطة الحكومة المركزية القائمة على رفع شعار الفيدرالية الإثنية مع تعديل الدستور في فكرة حق الانفصال، ومواجهة القوميات الإثيوبية التي تسعى للسيطرة على الموارد الإقليمية الناتج من عدم التوزيع العادل للموارد الاقتصادية، وسيطرة فكر واحد يتماثل وفكرة حزب الأغلبية؛ مما يهدد الاستقرار الداخلي للبلاد، خاصة في ظل حشد الحكومة الفيدرالية للقوميات ضد كل من يقف أمام تنفيذ خطتها، وبالتالي فهناك أمران من أجل تحقيق الاستقرار العرقي الفيدرالي، يتعلق الأول بكيفية إنشاء الاتحادات العرقية وتوزيع الموارد والأراضي وتوضيح الشكل العرقي، والثاني يتعلق بمدى احترام الحكومة المركزية للحكم الذاتي الإقليمي.

التوترات الحدودية مع السودان والدعوة لتدخل الاتحاد الأوروبي

تحاول إثيوبيا الرافضة لوجود وسطاء دوليين في أزمة سد النهضة بوصفها أزمة إقليمية أن تثير التعاطف الأوروبي في قضية الحدود مع السودان، مع عودة التوترات الحدودية لمحاولة السيطرة على الأراضي في منطقة الفشقة التي استعادتها السودان من أيدي ميلشيات الأمهرا وجماعة الشفتة الإثيوبية التي ظلت مسيطرة عليها لما يزيد عن عقدين من الزمان، واستطاعت القوات السودانية استعادة الأرض عقب هجمات الميلشيات الإثيوبية على القوات السودانية والمزارعين من الأطفال والنساء. 

ولا تزال تلك الميلشيات تقوم بالمناوشات على الحدود لاستعادة سيطرتها وقامت باختطاف النقيب بهاء الدين يوسف، قائد منطقة القلابات العسكرية، أثناء محاولته استعادة 3 أطفال مختطفين بعد أن طالبت الميلشيات الحكومة السودانية بدفع الفدية، فاستعادت الميلشيات أسلوبها في الهجوم على الحدود،  مما دفع السودان لغلق حدودها مع إثيوبيا، هذا إلى جانب تصدي الجيش السوداني في 16 يوليو الجاري لهجوم شنته قوات إثيوبية على منطقة جبل طيارة شمال شرقي معسكر الأنفال بمحلية القلابات الشرقية بولاية القضارف شرق السودان لمساندة المزارعين الإثيوبيين بالفشقة الصغرى لزراعة الأراضي السودانية، وأخر المناوشات 24 يوليو حيث أسفر عن مقتل جندي سوداني في ولاية القضارف في هجوم المليشيات الإثيوبية وتكثيف القوات على حدود إقليم الأمهرا.

ويتزامن ذلك مع اتهام الحكومة الإثيوبية للسودان باستخدام القوة المفرطة على الحدود، وطالبت الخارجية الإثيوبية الاتحاد الأوروبي للمرة الثانية للتدخل لحل الأزمة خلال لقاء وزير الخارجية الإثيوبي، ديميك ميكونين، مع الممثلة الخاصة للاتحاد الأوروبي للقرن الإفريقي، زاعمًا إن “السودان فرض ادعاءاته بالقوة، مما يُعد انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي ومبادئ وأهداف ميثاق الأمم المتحدة، مطالبًا الاتحاد الأوروبي بإدانة السودان، تمهيدًا لتسوية الخلاف الحدودي سلميًا”. 

وعادت التوترات للسطح عقب إعلان إثيوبيا الملء الثاني للسد باعتباره ورقة جديدة للضغط وفرض سياسة الأمر الواقع على الأراضي الحدودية مع السودان والتي تستقبل أكثر من 60 ألف لاجئ إثيوبي من النزاع في التيجراي، وسط إعلان الحكومة السودانية العمل على التنمية الحدودية لمنع الهجمات الإثيوبية، في محاولة لعدم الدخول في حرب رسمية جديدة عقب التدخل العسكري في إقليم التيجراي والمستمر حتى الآن، والرفض الدولي للأمر. 

وجاءت المناداة الإثيوبية بالتدخل الأوروبي كبديل لاعتبار القضايا الإقليمية قضايا إفريقية تخص الاتحاد الأفريقي، وهو عكس ما ظهر في معالجة أزمة سد النهضة أيضًا، ويرجع الأمر لعدم رغبة إثيوبيا في فتح العديد من الجبهات خاصة نتيجة قيام الأمهرا بالنزاع في التيجراي لمساندة الحكومة الفيدرالية واستعادة الأراضي التي سيطر عليها التيجراي، ومحاولة لفت الأنظار عما يجري هناك بخلق نزاع جديد تحاول فيه أن تظهر الدولة الداعية للسلام مع فرض شروطها قبل التفاوض في ظل الضغط الدولي مع دعم الميلشيات على الأرض، ولا يمكن استبعاد وجود إسرائيل كدولة مراقب في الاتحاد الأفريقي بعد رفض الدول الأفريقية انضمامها منذ 2002، عقب استعادة العلاقات مع العديد من الدول الأفريقية فإن وجود القضية في يد الاتحاد الأفريقي سيعمل على حل القضية لصالح السودان في ظل التطبيع بين البلدين، ويمكن القول أن التدخل الأوروبي كذلك لن يفيد الموقف الإثيوبي بل على العكس فالدول الأوروبية هي راعي اتفاقية ترسيم الحدود بين البلدين، وفي حالة الرفض الإثيوبي سيكون هناك استعادة لأراضي بني شنقول – جوموز المبني عليه سد النهضة، مما يضع النظام الإثيوبي في مأزق جديد قد يمزق الفيدرالية. 

الأمهرا وتمدد التيجراي وهزائم متتالية للحكومة الفيدرالية

 لم تكن الحدود مع السودان هو النزاع الأوحد للأمهراا بل تدخلها في العملية العسكرية في التيجراي منذ نوفمبر الماضي بجانب القوات الإريترية، قد أضر من موقفها عقب سيطرتها على الأراضي المتنازع عليها بين الإقليمين، وفي خطوة جديدة منذ بداية النزاع انضمت القوات من ست مناطق “الأمهرا وجامبيلا وعفر والأورومو وسيداما والصومال ومنطقة الأمم والقوميات والشعوب الجنوبية” في حربها ضد التيجراي إلى القوات النظامية في مواجهة جبهة تحرير شعب التيجراي، في ظل الخطاب التحريضي الذي يقوم به النظام الفيدرالي منذ حملته العسكرية على الإقليم في فبراير 2020، ووصف الولايات المتحدة للأمر بالإبادة الجماعية، وعقب الهزائم المتكررة أعلنت الحكومة الفيدرالية وقف إطلاق النار من جانب واحد بحجة إيصال المساعدات الإنسانية، فيما استطاعت جبهة تحرير التيجراي التقدم إلى الأماكن المحتلة في إقليم التيجراي، وإحراز تقدمًا في الجنوب وفي الشرق. 

وهو ما أدى إلى غضب واستياء حاكم إقليم الأمهرا “اجينجو تشاغر”  وفي  تسجيل – صوتي له مسرب – أقر بالهزيمة الكبرى التي لحقت بقواته وتفوق مقاتلو التيجراي على المليشيات والجيش الإثيوبي.

وقامت جبهة التيجراي بشن عمليات على إقليم عفر استهدفت القوات الموالية للحكومة والمحتشدة على طول الحدود المشتركة بين المنطقتين، ودعا رئيس إقليم عفر آوول أربا، مواطني الإقليم المدنيين إلى حمل السلاح ضد مقاتلي إقليم تيجراي المجاور، بينما نشرت بعض المواقع ترحيب قومية العفر بدخول التيجراي إلى الإقليم، وربما يرجع ذلك لتخييب حكومة آبي ظن شعب عفر واستمرار النزاعات والتهميش للقومية، كما نرى فيما بعد. 

وأسفرت الحملة عن مقتل 20 مدنيًا ونزوح عشرات الآلاف فرارًا من القتال بحسب مسؤولون حكوميون، وسيطرت الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي بشكل كامل على رايا وعفر الشمالية والمنطقة الواقعة غرب أدي أركاي في جبهة وولكيت وأبيرجيل ووريدا في منطقة واغ حمرا، وسط حديث إعلامي أن الجيش الإثيوبي تحت قيادة آبي أحمد فقد أصبح خارج الحرب عمليًّا، كما أصبحت قوات الأمهرا محاصرة في ظل رفض حكومة آبي  إمداد قوات الأمهرا بالمساعدات اللوجستية على كل من جبهتي رايا وولكيت. 

وعلى الرغم من انضمام القوات من القوميات الست إلى النزاع، إلا أن هذا لا يعني دعم شعوب القوميات لتلك الحملة، نظرًا لوجود نزاع بين أورومو والتيجراي “الوياني” عندما كانت في الحكم، وهو الأمر الذي لا يختلف كثيرًا عن علاقة الأمهرا النفتينا بالأورومو؛ إلا أن التاريخ أوضح تحالف التيجراي والأورومو في عهد الإمبراطور مينليك لاستعادة السيطرة، خاصة في ظل شجب واعترض المعارضة الاورومية مشاركة حكومة إقليم أوروميا بإرسال عشرة آلاف من قواتها الخاصة للمشاركة في القتال بجانب الأمهرا ضد التيجراي،   إذ رأوا أنها حرب لا طائل منها ، ودعوا إلى انضمام هذه القوات إلى جبهة تحرير الأورومو وتنشط عسكريًا في مناطق غرب أوروميا، و”بورنا” و”غوجي” ومنطقة “شوا” بأواسط أوروميا، و أكد حساب تيجراي بالعربي في بداية الشهر الحالي على  قيام قوات الأورومو بالبدء في عملية تحرير واسعة من الجيش الإثيوبي، وأن هناك تحالفًا بين جبهة تحرير تيجراي والأورومو لطرد الأمهرا من الإقليم.

كما يعاني إقليم عفر من حالة التهميش من الحكومة الفيدرالية بالرغم من تحالف الساسة مع الحزب الموحد للحصول على مكاسب سياسية. وهو الأمر الذي يدفع البلاد إلى حرب أهلية بين القوات النظامية وتوسيع رقعة المعارضة، خاصة في ظل اعتبار أن هذه القوات مجرد حطب للحرب نتيجة هزيمة القوات الإثيوبية الفيدرالية. 

واستطاعت قوات التيجراي أن تحرز تقدمًا أخر ظهر في هزيمة الفرقة 23 من الجيش الإثيوبي، بالقرب من حدود إقليم العفر، كما تم الاستيلاء على عشرات المعدات العسكرية الثقيلة والخفيفة، كما أن هنالك تقدمًا ملحوظا وسريعًا لقوات دفاع التيجراي نحو الطريق الرئيسي الذي يربط أديس أبابا بجيبوتي استعدادًا لدخول العاصمة أديس أبابا، وترجع أهمية هذا الطريق إلى تقوية موقفها الإقليمي باعتباره الطريق الوحيد الذي يربط إثيوبيا بموانئ التصدير والاستيراد في جيبوتي، وكذلك طريق السكك الحديد ، وبالتالي فإن الحكومة المركزية لن يكون بمقدورها الوصول إلى الميناء وهما بمثابة شريان الحياة في إثيوبيا.

كما تمكنت التيجراي من الاستيلاء على صواريخ كان يستخدمها الجيش الإثيوبي، وذلك بعد انسحاب القوات النظامية من الإقليم الواقع شمال إثيوبيا، كما وقع العقيد أول ياسين، رئيس عمليات القيادة الشرقية للجيش الإثيوبي في قبضة جيش تيجراي وفقًا للبيان العسكري، وهو ما نشره نشطاء ومدونون أيضًا. 

وقال زعيم الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي دبرصيون جبرميكائيل إن قواته أطلقت سراح نحو ألف من جنود القوات الحكومية الذين أسرتهم خلال معارك في الآونة الأخيرة، وأن هناك ما يزيد على 5000 جندي لا يزالون في الأسر وسيبقي على كبار الضباط لاخضاعهم للمحاكمة.

ويبدو أن هدف كلٍ من جبهة تحرير التيجراي وجبهة تحرير الأورومو هو السيطرة على العاصمة أديس أبابا، حيث ترددت أنباء شبه مؤكدة حول تقدم قوات جبهة تحرير “أورومو” نحو العاصمة أديس أبابا، مستغلة الفراغ العسكري في اقليم أوروميا، كما فر الجنود الإثيوبيين والإريتريين من مواجهة التيجراي في العفر. كما أن المعارك لا تزال متواصلة في غرب المنطقة الواقعة في المثلث الحدودي بين إثيوبيا وإريتريا والسودان. 

وعلى الصعيد الإقليمي، فإن هناك تهديدًا قد تتعرض له إريتريا، نتيجة دعم أسياس أفورقي – المتأثر بالفعل في الداخل الإريتري –  للحكومة الفيدرالية الإثيوبية، والذي ظهر في إعلان قادة جبهة تحرير التيجراي بالدخول إلى إريتريا، والتي سبق وأن تم إطلاق صاروخ على أسمرة. 

وهو الوضع الذي يهدد الوضع الحالي للفيدرالية الإثيوبية، والذي قد ينذر بإنقلاب جديد، يتوافق وطبيعة الدولة الانقلابية الإثيوبية، يغير من المشهد الداخلي عقب وضوح الهدف للكثير من المعارضة عقب إقصائهم من النظام السياسي، وهو ما ظهر في سيطرة جبهة تحرير التيجراي وتوسيع الرقعة التي تسيطر عليها، ومشاركة معارضة الأورومو هدف السيطرة على أديس أبابا في ظل غياب القوات النظامية من الإقليم. وسط ما يعانيه الإقليم من أزمات إنسانية وصعوبة وصول المساعدات، وصعوبة تأمينها، فقد أعلنت الأمم المتحدة أن قافلة تحمل مساعدات غذائية إلى منطقة تيجراي الإثيوبية التي تعاني من الحرب والمجاعة تعرضت لهجوم.  

فقد ثقة العفر في الحكومة الفيدرالية واستمرار النزاع وطمع جيبوتي في نهر أواش:

على الرغم من تعاون قادة الإقليم والساسة مع الحكومة الفيدرالية فلم يتمكن الحزب الحاكم لآبي أحمد من تحقيق المطالب لسكان إقليم عفر الذي يعاني من عدة أزمات منها اقتلاع أراضيهم لحساب رجال الأعمال الأثرياء في المنطقة، كما تعاني المنطقة من الجفاف بالرغم من وجود نهر أواش بالإقليم نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وندرة الأمطار، وبالتالي عانى الإقليم دائمًا من التهميش والفقر حيث يعتمد ما يقرب من ثلث السكان على المساعدات الغذائية منذ عام 1984، فقد سيطر أصحاب مصنع السكر على الأراضي التي بلغت 40 ألف هكتار بدعوى التنمية ولكنه لسيطرة الحكومة على الأراضي الخصبة للإقليم، وسط تعاون رؤساء العشائر مع الحكومة الفيدرالية لإنهاء الاعتراضات، والتي بدأت منذ عام 2006، وآمل الكثيرون في حزب الازدهار أن يعيد ملكية الأراضي وهو ما لم يحدث، وذلك وفقًا لتقرير “إثيوبيا انسايت” كما استحوذت أشجار “بروسبرتي prosopis juliflora”  على ثلث الجزء الجنوبي، دون وجود تعويضات مناسبة لأصحاب الأرض الأصليين. 

وانضم حزب عفر الوطني الديمقراطي لحزب الازدهار، بديلًا عن الائتلاف الحاكم، وعلى الرغم من تعاونهم السابق مع الائتلاف الذي يخدم مصالح كبار العشائر، إلا أنه لم يقدم الكثير للإقليم المهمش الذي يختار المسئولين لأسباب عشائرية، فيما يرى حزب شعب عفر وهو ضمن تشكيلة ثلاثية تضم جبهة تحرير عفر وعفر للوحدة الديمقراطية الثورية أن الانتخابات قد تم تزويرها من قبل الحكومة المركزية، وأن الانتخابات لم تتم بطريقة عادلة، وهو ما يتوافق مع بيان مجلس الأحزاب السياسية المعارضة لعفر، كما يرى الحزب أن مركزية حزب الازدهار قد يفقد مسئولي الاقليم استقلاليتهم في صنع القرار على الأقل في شئونهم الإقليمية، لأن القرارات ستصنع في المركز، مع وجود تمثيل ضئيل لهم لا يمكنهم من فرض سياستهم، وهو ما يضعنا أمام تهميش جديد يتوافق ونفس النهج الذي اتبعه ائتلاف الحاكم السابق الذي كان يضع بعض الاختصاصات في يد الحكومة الإقليمية نوعًا ما. 

وأدى الرفض الداخلي على المستوى الشعبي بعيدًا عن السلطات إلى تكوين حركات اجتماعية جديدة كجماعة “Dukko Hina” والتي تعني “تحدي القهر” والتي تطالب بالفكرة الفيدرالية القائمة على استخدام موارد الإقليم وتحقيق الوحدة بين أبناء الشعب، فقد انخرطت جماعة عفر مع جماعة العيسوية الصومالية في مواجهات مسلحة نتيجة النزاع الحدودي على الرغم من الاشتراك في الدين والثقافة، للحد الذي وصفه المراقبون بالحرب الحدودية بين القبائل. وفشلت الحكومة الفيدرالية عامي 2019 و 2020 في تنفيذ “إتفاقية السلام” بين الجانبين نتيجة تخاذل الحكومة الفيدرالية بقيادة آبي أحمد بإنهاء حالة الحرب. هذا إلى جانب الصراع بين عفر والأورومو من ناحية والأمهرا من ناحية أخرى، ونزاع الإقليم الصومالي الإثيوبي والأورومو الحدودي وسط مطالبات بتعيين الدستور لتلك المنطقة.

أدت هذه الصراعات إلى فقد الشعب العفري للثقة في الحكومة الفيدرالية في حل خلافاته التنموية والنزاعات المسلحة، في ظل تحييد الإقليم من اتخاذ قرارات داخل الحزب الموحد نتيجة التمثيل الضئيل من ناحية، وعدم ثقة الإقليم في مسؤوليه من ناحية أخرى، وبالتالي سيواجه آبي رفض على المستوي الشعبي الإقليمي في ظل أزماته المتعددة. 

ومن العرض السابق يتضح لنا الوضع الداخلي المتأزم الذي يهدد استقرار الدولة الأكبر في القرن الأفريقي، وحلم حكومة آبي في السيطرة، والذي أبدًا لم يكن بمعزل عن سياسة أثيوبيا الخارجية في قضاياها الإقليمية، بل تساهم استراتيجيات الحكومة الإثيوبية عقب فوز آبي أحمد في الانتخابات التي يشوبها التزوير، في الداخل في تحديد طبيعة الدولة الممزقة من الداخل والتي تعاني من أزمات اختلقها آبي أحمد وبالتالي سيواجه مصيره عند توليه منصبه بشكل رسمي عقب فوزه بالانتخابات وسط المخاوف الدولية من العنف في البلاد، من نزاعات طائفية وأزمات اقتصادية وأزمات مياه داخلية لم تعي الحكومة الاساليب التنموية لمعالجتها، ولكن استعاضت عن ذلك بأزمة إقليمية لتحقيق التفاف شعبي وهمي، ومن المتوقع أن ينهار النظام الحالي مع رفض النظام المركزي دون حل المشكلات الداخلية، والمشكلات الحدودية مع السودان في ظل خسارة إثيوبية لدبلوماسيتها الخارجية في ظل القانون الدولي، مع احتمال الانقلاب على السلطة الوضع في إثيوبيا، واستعادة إثيوبيا تاريخها المليء بالانقلابات وعودة التيجراي بمعاونة المعارضة لسيطرتها على الأراضي الإثيوبية، وتهديد الأنظمة في القرن الإفريقي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى