أفريقيامصر

العلاقات المصرية الأوغندية.. “قارة واحدة.. مستقبل مشترك”

من منطلق السياسة المصرية الخارجية تجاه دول القارة الأفريقية بشكلٍ عام ودول حوض النيل بشكلٍ خاص، عمدت القيادة المصرية إلى إذابة معوقات التنمية لتلك الدول، والقائم على أساس المستقبل المشترك في إطار استراتيجية لتكامل مجهودات القارة من خلال تحسين جودة الحياة بها. وتلك الاستراتيجية قائمة على مفهومي “الأمن والتنمية”، وهو ما ظهر في مجالات التعاون التنموي الذي أطلقته مصر بالشراكة مع دول حوض النيل. ولعل زيارة وزير الري المصري الأخيرة إلى أوغندا قد فتحت أمامنا النافذة لنتعرف على طبيعة التعاون بين البلدين، وكيف انخرطت الدولة المصرية في قضايا التنمية بالدول الأفريقية “أوغندا نموذجًا”.

كيف استعادت مصر علاقتها بدول حوض النيل؟

أولت مصر أهمية أولى لدول حوض النيل؛ نظرًا للرابط التنموي القوي الذي يقوده رافد التنمية “نهر النيل”. وعملت على زيادة التعاون، فدعت مصر منذ عام 1999 إلى تدشين اجتماعات مبادرة حوض النيل، والتي تعني تنظيم العلاقة بين دول الحوض والتعاون من أجل تنمية موارده، إلا أن توقيع الاتفاقية الإطارية عنتيبي بالأحرف الأولى في مايو 2010 بالمدينة الأوغندية عنتيبي قد أثار بعض التوترات.

وقد وُقعت الاتفاقية بين 4 دول من حوض نهر النيل “إثيوبيا وأوغندا ورواندا وتنزانيا”، وكانت كينيا أصدرت بيان تأييد للاتفاقية دون التوقيع، ولم يحضر مندوبو الكونغو الديمقراطية وبوروندي إلى مدينة عنتيبي الأوغندية. وهي اتفاقية مثيرة للجدل في ظل غياب دولتي المصب مصر والسودان، وعملت أوغندا على تقديم حلول وسط بإعادة صياغة المادة “14 ب” والمتعلقة باحترام الاستخدامات الحالية والاستخدامات المستقبلية للمياه والمعنية بالأمن المائي لدول المصب، في الجولة السابعة للاتفاقية، إلا أن بعض الدول عادت لنقض موافقتها على الصياغة الأوغندية؛ مما دفع مصر والسودان إلى تجميد عضويتهما في مبادرة حوض النيل في أكتوبر 2010، ردًا على الاتفاقية، وبالتالي لم يتم توقيع اتفاق تدشين الإطار المؤسسي لها، فيما استأنف السودان مشاركته في مبادرة حوض النيل في أوائل عام 2012.

وفي ديسمبر 2016، وعقب تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم، قام بزيارة إلى أوغندا بدعوة من الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني، لاستعادة الدور المصري الأفريقي القائم على التعاون في إطار المصالح المشتركة بين البلدين، واستكمال مشروعات الربط التي تخدم القارة الأفريقية بأكملها. 

وبعد انقطاع ست سنوات، استأنفت مصر حضور قمة رؤساء دول حوض النيل، من خلال حضور وزير الري المصري الدكتور محمد عبد العاطي الاجتماع السنوي رقم 24 لمجلس وزراء النيل التابع للمبادرة، وبوجود دول الحوض (السودان، أوغندا، إثيوبيا، الكونغو الديمقراطية، بوروندي، تنزانيا، رواندا، كنيا، إريتريا)، بدعوة من الرئيس الأوغندي، يوري موسيفيني، وذلك فى إطار رئاسة بلاده لأعمال الدورة.

وهو ما يعد بادرة للانفتاح المصري مرة أخرى نحو مزيد من التنسيق والتعاون من أجل تحقيق المشروعات لتعظيم الموارد التنموية وتنظيم استخدامها في إطار تنسيقي لمواجهة التحديات التي تعيق التنمية للدول مجتمعة، قائمة على تبادل وجهات النظر المختلفة ومبدأ حسن الجوار. 

وهناك اتفاق بين رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان عبد الفتاح البرهان والرئيس الأوغندي يويري موسيفيني، على إطلاق دعوة لكل الدول المطلة على نهر النيل لعقد قمة لمناقشة كيفية الاستفادة من نهر النيل.

ودفع هذا التقارب المصري مع دول حوض النيل واستعادة دورها التاريخي الذي بدأ منذ قرون إلى محاولات الدولة الإثيوبية إلى مناداة دول الحوض لتفعيل اتفاقية عنتيبي المثيرة للجدل، ودعوة الدول التي لم تقم بالتوقيع لاستكمالها في أغسطس الماضي مع تفاقم النزاع الداخلي بها؛ في محاولة لإلهاء الداخل وجذب دول حوض النيل مرة أخرى لاستعادة مكانتها الإقليمية، برفع شعار المظلومية، لكن أثبت الدور المصري التنموي عكس الإدعاءات الإثيوبية.

الدور المصري في تحقيق التنمية الأوغندية “مستقبل مشترك”

قدمت مصر منذ عام 1999 منحة إلى أوغندا بقيمة 30 مليون دولار على مراحل مختلفة، منذ إطلاق “المشروع المصرى الأوغندى لمقاومة الحشائش المائية بالبحيرات العظمى” في بحيرات فيكتوريا وكيوجا وألبرت ونهر كاجيرا، في مجال مقاومة الحشائش المائية.

واستطاعت وزارة الموارد الماية والري -كما جاء خلال كلمة الوزير محمد عبد العاطي، خلال زيارته إلى أوغندا- إنهاء المرحلة الخامسة للمشروع بتطهير بحيرة فيكتوريا، وإنشاء مرسي نهري بمقاطعة كامونجا الأوغندية، بالإضافة إلى مشروع درء مخاطر الفيضان بمقاطعة كسيسي بمقاطعة روينزورى بغرب أوغندا والجارى تنفيذ المرحلة الثانية منه حاليًا والذي بدء الدخول في حيز التنفيذ في 13 مارس2017، وهي المنطقة التي عانت على مدار السنوات العشرين السابقة للمشروع لموجات عارمة من الفيضانات العارمة، نتيجة للانهيارات الأرضية الشديدة بالمناطق الجبلية وتحرك الصخور غير الثابتة في اتجاه التجمعات السكنية والمزارع وأماكن تربية المواشى والطيور. 

وفي ظل الاهتمام المصري بنقل خبراتها في مجال مواجهة التغيرات المناخية بتعظيم الاستفادة من الموارد وتحويل التحديات إلى فرص، قامت مصر بنقل خبراتها التكنولوجية والعنصر البشري المتميز بجانب التعاون في مجال البنية التحتية إلى دول حوض النيل، فتم نقل التقنيات الجديدة للتعامل مع الحشائش واستخدامها كبديل لقطع الأشجار في توليد طاقة نظيفة من خلال توزيع (17) وحدة غاز حيوي (بيوجاز) للاستخدامات المنزلية، مما سيسهم في الحد من انتشار الأوبئة وتحسين الصحة العامة للمواطنين وحماية البيئة، هذا إلى جانب الانتهاء من المرحلة الثانية التى بدأت في أكتوبر 2020 من مشروع “إدارة الحشائش المائية بالمواقع الضحلة ببحيرتي كيوجا وألبرت”.

وفي مجال مواجهة الفجوة الغذائية في البلاد، سيتم استغلال تلك الحشائش في إنتاج السماد العضوى لزيادة إنتاجية التربة الزراعية، هذا إلى جانب إنشاء ثلاث مزارع سمكية فى مقاطعات (واكسيو – جولو – سيرونوكو)، ومرسيين نهريين فى مقاطعات (كاليرو – أمولاتار)، وهو ما سينعكس بالضرورة على سد جزء من الفجوة الغذائية وتشغيل الأيدي العاملة.

واستكمالًا للدور المصري في التعرف على التحديات التي تواجه دول الحوض والعمل على مواجهتها، قامت مصر بإنشاء (7) سدود لحصاد مياه الأمطار بدولة أوغندا فى مقاطعات (كيبوجا – واكسيو – سيرونوكو – أدجومانى) وافتتاح أحد السدود في مدينة لياتوندي، وحفر 75 بئرًا جوفيًا في إطار مبادرة “إنشاء بئر مياه نظيفة للمناطق المحرومة بدولة أوغندا الشقيقة”، لتوفير المياه النظيفة الآمنة والمستدامة وخاصةً في فترات الجفاف.

مصر ومشروعات الربط الأفريقي “قارة واحدة”

فيما يتعلق بمشروعات الربط التي تهدف مصر من خلالها ربط القارة ببعضها البعض ومواجهة التحديات التي تقف عائقًا أمام التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلدان الأفريقية، ومن أجل تحويل القارة إلى “قارة واحدة.. ومستقبل مشترك” عبر نهر النيل، تقوم مصر بإعداد دراسات الجدوى الخاصة بمشروع “الممر الملاحي بين بحيرة فيكتوريا والبحر المتوسط“، والذي سيضم وحدتين ضمن المشروع، هما:

  • الوحدة الأولى تضم دول “مصر والسودان وجنوب السودان وإثيوبيا وأوغندا” ومقرها مصر.
  • الوحدة الثانية دول الروافد، منها: كينيا ورواندا وبوروندي والكونغو الديمقراطية وتنزانيا، ومقرها أوغندا.

هذا إلى جانب تفعيل اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية والتي دخلت حيز التنفيذ، والشروع في تنفيذ مشروع القاهرة-كيب تاون؛ بهدف ربط مصر بالدول الإفريقية من خلال شبكة من السكك الحديدية لتيسير عملية نقل البضائع، وتقليص مدة الشحن إلى 4 أيام بدلًا من 28 يومًا.

وبناءً على الرؤية التنموية المصرية لدول حوض النيل، ساهمت مصر في إنشاء سد أوين القديم (نالوبالي) عام 1949، وبدأ بناء السد عام 1950 والانتهاء منه عام 1954، للمساعدة في توليد الطاقة الكهرومائية وتخزين المياه، والذي يبلغ طوله 753 مترًا وارتفاعه 30مترًا، ويقوم بتوليد الطاقة الكهرومائية بنحو 180 ميجاوات، وفي مايو 1991 تم الاتفاق على إنشاء امتداد لسد أوين (سد كيرا) بزيادة قدرته على توليد طاقة كهرومائية إضافية بنحو 200 ميجاوات، وزادت إلى 250 ميجاوت.

وتعد أوغندا واحدة من أهم دول هضبة البحيرات الاستوائية، لوجود العديد من الأنهار والروافد المغذية لحوض نهر النيل، إذ يقع بها جزء كبير من بحيرة فكتوريا بالتقاسم مع تنزانيا وكينيا، وهي ثاني أكبر بحيرات العالم العذبة والتي لها مخرج واحد عند خزان أوين، إلى جانب بحيرة كيوجا وما يقرب من نصف بحيرة ألبرت. 

ولم يكن سد أوين الأوحد الذي قامت به مصر لتحقيق التنمية في دول حوض النيل، بل مثَل التعاون بين مصر وتنزانيا لإنشاء سد روفينجي، ومشروع إنشاء سد واو المتعدد الأغراض بجنوب السودان، وخزان جبل الأولياء فى السودان، ومشروع نهر الكونغو دليلًا دامغًا على الدور المصري في العمل على الاستفادة القصوى من مصادر المياه لدول حوض النيل ومساعدتهم في تحقيق التنمية. 

ومن هذا المنطلق، تلعب القيادة المصرية دورًا في تحقيق التنمية من خلال الاتفاق على الرؤية الاستراتيجية لإدارة مياه النيل، وتعظيم المصادر المائية لدول حوض النيل، لاشتراكهم في نفس المصير، والعمل على تعظيم الموارد المائية لتلك البلدان والتحول في مجالات الطاقة النظيفة وحماية البيئة لمساعدة شعوب تلك الدول.

هذا إلى جانب مشروعات الربط القاري، والتجمعات الاقتصادية القارية والثنائية لتسهيل سبل الربط بين دول القارة لمواجهة التحديات وربط شعوب المنطقة، وهو ما يتطلب أيضًا تعاونًا عسكريًا وأمنيًا ومعلوماتيًا لتحقيق الأمن في المنطقة، خاصة في ظل ما تعانيه تلك الدول من انتشار الجماعات المتطرفة وتأثيرها على خط الربط الإقليمي، وتفعيل الاتفاقيات المشتركة التي تعمل على تحقيق مبدأ التكامل من أجل تحقيق المصالح المشتركة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى