الصحافة المصرية

قمة “تيكاد 7” .. ما بين الاستراتيجية اليابانية وتحقيق أجندة مصر الإفريقية

صورة أرشيفية للرئيس السيسي ورئيس وزراء اليابان “شينزو آبي”

عقب الحديث المستفيض الذي شاهدناه على مدار الأيام السابقة عن مشاركة مصر في مجموعة السبع، ومنها توجه الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى اليابان لحضور مؤتمر طوكيو الدولي للتنمية الإفريقية “تيكاد 7″، والتي سبقتها كلمة الرئيس حول أهمية المشاركة في القمة في إطار رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي، وأنها ستأتي لمناقشة التنمية الإفريقية المستدامة في أجندة 2063، وبالتزامن مع إطلاق اتفاقية التجارة الحرة القارية، هذا إلى جانب التأكيد في كلمة الرئيس عند تولي مصر رئاسة الاتحاد الإفريقي أن التنمية هي ذراع الاستقرار، ودرء النزاعات الموجودة في القارة والخطوة نحو تحقيق الاستقرار، والمتتبع لكلمات الرئيس في المحافل الدولية يستطيع أن يحدد الرسائل التي تنم على خطط إستراتيجية مستدامة للقارة، وليس مجرد ردود أفعال على الواقع الذي نعيشه، وعليه تتحدد المشاركات الدولية التي لم ترجع أهميتها فقط للدبلوماسية الخارجية فقط، ولكن لتغير شكل القارة اقتصادياً، وتحقيق أجندة مصر الإفريقية لعام 2019، فتأتي موضوعات قمة “تيكاد 7” للتأكيد على ذلك.

تحركات رئاسية من أجل تحقيق الأجندة الإفريقية لعام 2019:

“التأكيد على التكامل القاري من أجل تحقيق التنمية والوصول للاستقرار وتعزيز أواصر التعاون بين الدول الإفريقية”، هي الرسالة التي تبث كمحور كلمات السيد الرئيس والتي بدأت في الدورة الـ 32 للاتحاد الإفريقي في إثيوبيا وتليها قمة النيجر وقمة مجموعة السبعة، وكذلك الكلمة التي سبقت قمة “تيكاد 7” وقامت بنشرها وزارة الخارجية اليابانية.

فقد جاء خلال كلمة الرئيس السيسي في قمة مجموعة السبعة التأكيد على التكامل وتحقيق التنمية المستدامة، من خلال الإشارة إلى تمكين المرأة والمساواة بين الجنسين، والتي تتخذ القارة بالفعل خطوات نحوهما،  كما شهدت القمة لقاء عن الاقتصاد العالمي وجهود القارة نحو التحول الرقمي، والتطور الاقتصادي والتكنولوجي والتنوع البيولوجي وهو ما يتكامل مع موضوعات قمة “تيكاد 7” التي تهدف إلى تعزيز التعاون الاستثماري والتجاري الياباني مع الدول الأفريقية، كما سيتناول المؤتمر في يوكوهاما مناقشات حول تعزيز الصحة والتعليم والتغير المناخي وتمكين المرأة، ودعم الاستقرار والسلام والتنمية في القارة، وتحسين بيئة الأعمال وتحقيق التكامل من خلال إشراك القطاع الخاص، وترسيخ مبادئ الشفافية والاستدامة والتي ستقوم من خلال رقمنه الاقتصاد الإفريقي. 

أما عن رسالة الرئيس في كلمته التي سبقت القمة ونشرها موقع الخارجية الياباني فأشارت إلى “تبني القارة أجندة 2063، وإطلاق منطقة التجارة الحرة الإفريقية، باعتبارها حجر الزاوية لتحقيق التكامل الإقليمي والاقتصادي المنشود والتركيز على علاقات التعاون القائم على المصلحة المتبادلة كما جاء في كلمته هذه من خلال التأكيد على أن “تيكاد ستواصل تقاليدها الناجحة بالتركيز على احتياجات القارة وأولوياتها واستغلال مناطق النفوذ لدى شركاؤها”، وهو ما أكد عليه أيضاً في كلمته أمام مجموعة السبعة، وكأن الرئيس أراد هنا التأكيد على الرسالة الأساسية وهي “التكامل القاري”، ودعوة الجهود اليابانية إلى استثمار المزيد في مجال البنية التحتية من أجل دعم القارة ولإنجاح اتفاقية التجارة الحرة التي تواجه مزاعم بضعف البنية التحتية، فهي بمثابة دعوة صريحة من الرئيس بأن من يريد أن ينعم بمزايا الاتفاقية وما ستوفره من التعامل مع القارة ككتلة وليس دولاً منفردة مختلفة تشريعياً؛ عليه أن يعمل على دعم البنية التحتية لأنها من أوجه تحديات القارة، وهو ما سيأتي على طاولة أجندة مؤتمر التنمية الإفريقية السابع، من خلال مناقشة موضوعات حول “كيفية بناء مجتمع مستدام للأمن البشري ودعم مشروعات البنية التحتية المستدامة في دول القارة، وتحقيق السلام والاستقرار، وتقديم مساعدات تنموية لإفريقيا”.

وتعد هذه الموضوعات أيضاً من أبرز كلمات الرئيس السيسي عند بداية توليه رئاسة الاتحاد الإفريقي، في الدورة الـ 32 للاتحاد الإفريقي في أديس ابابا وعند إطلاق اتفاقية التجارة الحرة القارية في قمة النيجر، من خلال تأكيده على أولويات أجندة عام 2019 والمتمثلة في “دفع مسيرة الاندماج القاري، والعمل على الإسراع من تفعيل اتفاقية التجارة الحرة القارية، وأهمية استكمال المنظومة الاقتصادية القارية من خلال تطوير البنية الأساسية بالقارة الأفريقية، ومشاريع إعادة الإعمار والتنمية في مرحلة ما بعد النزاعات، ودفع عجلة التنمية لتحصين السلام والاستقرار، من خلال تعزيز أسس التنمية المستدامة، وتعميق أواصر التعاون مع الشركاء الدوليين من مُنظمات دولية وتجمعات إقليمية وتكتلات اقتصادية ومؤسسات التمويل ودول فاعلة على الساحة الدولية، وإرساء قواعد الاقتصاد الرقمي”، وأكد الرئيس السيسي  عقب إطلاق “اتفاقية التجارة الحرة القارية” في النيجر ودخولها حيز التنفيذ بأن “القارة لديها مصالح مشتركة وحماس وتفاؤل لمزيد من التكامل”، وهو ما تحقق بالاتفاقية ويتم تفعيله الآن بالترويج لها في المحافل الدولية والعمل على إنجاحها.

أما عن إستراتيجية اليابان في إفريقيا فسنلقي نظرة عليها من خلال مؤتمرات تيكاد السابقة:

يرى المحللون أن إطلاق اليابان لمؤتمر التنمية الإفريقية منذ عام 1993 يأتي ضمن تعظيم التواجد الدبلوماسي لها في القارة، ويتمثل نجاح اليابان في تنظيم المؤتمر من خلال إشراك الأطراف الفاعلة في عملية التنمية لتنظيم الحدث، حيث تتضمن قمة “تيكاد” خمسة أطراف رئيسية يطلق عليهم المنظمون المشاركون هم: حكومة اليابان، مفوضية الاتحاد الإفريقي، مكتب المستشار الخاص لشؤون إفريقيا التابع للأمم المتحدة، برنامج الأمم المتحدة للتنمية والبنك الدولي.

كما توصلت قمة تيكاد الخامسة عام 2013 إلى اتفاق بأن يكون مكان انعقاد القمة بالتناوب بين اليابان وإفريقيا، وعليه عقد مؤتمر التنمية الإفريقية تيكاد 6 في نيروبي بكينيا عام 2016، كما تم تعديل دورية انعقاد المؤتمر على أن تكون كل ثلاث سنوات بدلاً من خمس سنوات، وتناول المؤتمر موضوعات (التحول الاقتصادي الهيكلي من خلال التنويع والتصنيع، النظم الصحية لنوعية الحياة، الاستقرار الاجتماعي لتحقيق الازدهار المشترك).

وتم اختيار كينيا لاستضافة “تيكاد 6” باعتبار أنها أكثر اقتصاديات شرف إفريقيا تنوعاً، وشهدت معدلات نمو اقتصادي غير مسبوق.

وتضمن «إعلان نيروبي» عددا من التوصيات على رأسها (التحول الاقتصادي الهيكلي، التحول التكنولوجي، وتأثير التغيرات المناخية على عمليات التنمية، وتعزيز الابتكار، وهي الموضوعات التي سيتم مناقشتها على رأس اجتماع تيكاد 7، حيث تتضمن الأجندة (التحولات الاقتصادية وتحسين بيئة الأعمال من خلال الابتكار وتعزيز مشاركة القطاع الخاص، وتعميق أسس المجتمع المستدام والمتماسك، و قضايا العلوم والتكنولوجيا والابتكار، وتنمية رأس المال البشري، تعليم الشباب، والزراعة والتغيرات المناخية، التخفيف من أخطار الكوارث، والاقتصاد الأزرق، وتعزيز السلام والاستقرار).

جدير بالذكر، أن مدينة يوكوهاما المستضيفة للحدثهذا العام أطلقت على شهر استضافة القمة، شهر أفريقيا 2019، ليكون شهر أغسطس الجاري، شهرا أفريقيا في مدينة يابانية يهدف لإثارة المواطنين والزوار وتعريفهم بالقمة إلى جانب التقريب بين شعوب وثقافات أفريقيا.

الإستراتيجية اليابانية في إفريقيا

تقوم العلاقة الإستراتيجية اليابانية مع القارة الإفريقية على عنصرين هامين، وهما الجودة في تطوير وبناء البنية التحتية والتكنولوجية للقارة، والعنصر البشري باعتباره ذراع التنمية والتي تقوم عليه كافة عمليات التطوير، وعليه جاءت تيكاد 7 تحت شعار “دفع التنمية الإفريقية من خلال الشعوب والتكنولوجيا والابتكار”.

وتروج اليابان دائما لنفسها بأنها تقدم مشروعات تكنولوجية تعتمد على “تعظيم الجودة” لخلق بنية تحتية مستدامة، ويرى المحللون أن هذا الأمر يأتي من أجل التفرقة بين التواجد الياباني ومنافسه الصيني في القارة السمراء، فقد ساعدت اليابان في إنشاء بنية تحتية اقتصادية وتعزيز التنمية الصناعية في أفريقيا إلى جانب الدعم لتلبية احتياجات الإنسان الأساسية من خلال التعليم بالإضافة إلى الرعاية الطبية والصحية. وهو ما تراه اليابان بأنه تحقق بشكل متوازن عكس ما قدمته الصين بضخ هائل للمساعدات الاقتصادية غير المتوازنة.

وبتحليل الموضوعات على أجندة المؤتمر والتوصيات السابقة يتوقع أن يخرج مؤتمر “تيكاد 7” بالعديد من التوصيات منها:

  • تناولت هيئة الإذاعة اليابانية سعي الحكومة اليابانية حول إصدار إعلان يوكوهاما”، بحيث يؤكد على “أهمية حرية البحار وتطبيق القانون في المحيط الأطلسي غرب القارة الإفريقية بالإضافة إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وجاء ذلك ليتماشى مع الرؤية اليابانية في ضوء تشديدها على أهمية تلك المناطق إثر تنامي الحضور البحري الصيني.
  • ومن المقرر أن تصيغ اليابان ودول إفريقية مسودة “إعلان يوكوهاما” التي ستصدر في مؤتمر طوكيو حول التنمية الأفريقية، وستتضمن دعم تدريب المهندسين الشباب في أفريقيا وكذلك إيجاد بيئة من شأنها تسهيل استثمار الشركات اليابانية في أفريقيا، كما يرجح أن يضم وعدا بدعم جهود خفض النفايات البلاستيكية التي تعد أحد الأسباب الرئيسية لتلوث البحار، والدعوة لتعزيز مبادئ الشفافية في مساعدات البنية التحتية، التي تقدمها الصين للدول الأخرى التي قد يقع بعضها فريسة للديون، على حد قول هيئة الإذاعة والتليفزيون الياباني.

                وأخيراً، ربما يشير بعض المهتمين بالشأن الإفريقي الياباني إلى أن هذه القمة ربما تأتي لتعزيز التواجد الدبلوماسي الياباني في القارة، من خلال تقديم الدعم القائم على تعظيم الجودة في البنية التحتية والعنصر البشري، إلا أن القراءة في توصيات هذه القمم يجعلنا نقف أمام حقيقة هامة وهي البعد السياسي الاقتصادي القائم على المنافسة الصينية اليابانية في القارة من خلال التوصيات والصورة التي تسعى الحكومة اليابانية الزج بها والترويج لها، وربما يصب هذا التنافس في الصالح الإفريقي، وذلك في إطار العلاقات القائمة على تبادل المصلحة وليس العلاقات التبعية الاستعمارية، والتي لن تأتي إلا بقيادة واعية للتحديات ومقدرات القارة الطبيعية والبشرية وكيفية الترويج لها، وهو ما يدلل عليه ما شهده هذا العام من مشاركات مصرية في قمم عالمية وضعت إفريقيا على رأس أولوياتها، وتسير نحو تحقيق أجندة مصر الإفريقية كرئيس الاتحاد الإفريقي لعام 2019 وربما سنستكمل ذلك أيضاً في قمة روسيا- إفريقيا المقرر عقدها في سوتشي أكتوبر المقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى