أفريقيا

أزمات مزدوجة تهدد الدولة الإثيوبية

الأزمات المزدوجة تهدد الداخل الإثيوبي، فعقب انتشار وباء فيروس كورونا المستجد في الدولة الإثيوبية، كشفت الأمم المتحدة عن تهديد انتشار موجة من أسراب الجراد هي الأسوأ منذ عام 1989على حالة انعدام الأمن الغذائي في إثيوبيا، هذا إلى جانب الأزمة الحدودية مع الجارة السودانية والتي تهدد العلاقات بين البلدين، ولم يعلن بعد عن قدرة الدولتين على ترسيم الحدود كما هو معلن أم سيتم نشر القوات في ظل الأزمات التي يتعرض لها البلدان في الوقت الحالي على المستويين الاقتصادي والأمني.

انتشار الجراد في إثيوبيا وانعدام الأمن الغذائي

الجراد دخل دولا إفريقية عدة مؤخرا

واجهت دول القرن الأفريقي منذ أواخر ديسمبر من العام الماضي ظاهرة انتشار الجراد الصحراوي، والتي هددت المحاصيل الزراعية في الدول التي تواجه بالفعل أزمات غذائية وفقًا لتقديرات الامم المتحدة، حيث وجد ما يقرب من 12 مليون شخص أنفسهم بالفعل في ظروف قاسية بسبب فترات الجفاف الممتدة، وفشل الحصاد المتعاقب قبل حشد الجراد الصحراوي على محاصيلهم ومراعيهم في إثيوبيا وكينيا والصومال، وتعتمد تلك المجتمعات على الإنتاج الزراعي أو الوظائف الموسمية في الزراعة أو صيد الأسماك أو الرعي، وإذا مرضوا أو أعاقتهم القيود المفروضة على الحركة أو النشاط فسوف تتلف سبل عيشهم. 

وهو الأمر الذي زادته الإجراءات التي اتخذتها الدول لمواجهة أزمة كورونا، من خلال فرض قيود على الحركة. وقد أوضح “زيبديوس سيلاتو” أحد المسؤولين في وزارة الزراعة الإثيوبية أن الجراد الذي وصل إلى العاصمة، والتي وصفها بـ”بقايا الغزو” في الجزأين الشرقي والجنوبي من البلاد، وتمت مواجهته من خلال طائرات رش في مختلف أنحاد البلاد، محذرًا من أن انتشار الجراد هو الأسوأ منذ 25 عاماً، ومن الممكن أن يؤدي إلى مجاعة في منطقة تعاني بالفعل في ظل انعدام الأمن الغذائي، كما قد حذر مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة آنذاك أن الجراد الصحراوي من بين الآفات المهاجرة الخطيرة في العالم.

وصرح دومينيك بيرجون، مدير الطوارئ في منظمة الأغذية الزراعية (الفاو)، أنه جهود السيطرة على غزو الجراد ربما لن تكون الأكثر فاعلية نتيجة عدم توافر الموارد المناسبة، مشيرًا إلى مخاوف تضاعف الأعداد، نتيجة سرعة تكاثر الحشرات ومن المتوقع أن تنمو الأعداد 500 مرة بحلول يونيو المقبل، ومن المتوقع أن تتشكل أسراب جديدة تهدد إثيوبيا عقب هطول الأمطار الغزيرة في مارس باعتبارها أكثر مواسم الأمطار رطوبة في المنطقة منذ أربعة عقود، فيما دعت الأمم المتحدة المجتمع الدولي لتقديم ما يقرب من 76 مليون دولار لتمويل رش المناطق المتضررة، وأضافت أن هناك مشكلة في انعدام الأمن الغذائي بالفعل في الدول الواقعة في شرق أفريقيا، وأن انتشار الجراد إذا لم يتم انحساره سيؤدي لمجاعة فعلية، حيث يعاني ما يقرب من مليون شخص إثيوبي من الأزمة الغذائية ويحتاجون لتقديم المساعدات، وذلك عقب تضرر ما يقرب من 200 ألف هكتار زراعي من الجراد، أدى لفقدان أكثر من 356 ألف طن من الحبوب، وتأثرت 1.3 مليون هكتار من المراعي في المنطقة الصومالية. 

كيف سيؤثر انتشار فيروس كورونا على ازدواجية الأزمة الإثيوبية؟

تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى معاناة نحو 820 مليون شخص من النقص الغذائي، من بينهم 11 مليون يعانون من حالة انعدام الأمن الغذائي الحاد. وأشار دومينيك بورجيون، أن الدول الأفريقية من المتوقع أن تعيش في “أزمة داخل أزمة” مع تزايد عدد الاصابات في البلدان المعرضة للخطر بين السكان الذين يعانون بالفعل من سوء التغذية والضعف وعرضة للأمراض، وبالتالي سيواجه هؤلاء السكان خطر التعرض للفيروس بشكل مضاعف.

ووفقاً لآخر التقديرات فقد سجلت إثيوبيا حتى 16 أبريل 92 حالة إصابة بالفيروس، وظهرت أول حالة لها في 14 مارس الماضي عقب ثلاثة أيام من تصنيف منظمة الصحة العالمية الفيروس كوباء، والذي أعقبه اتخاذ الدولة الإثيوبية لعدة إجراءات احترازية من ضمنها إطلاق سراح المسجونين، وعلى النقيض فرض حالة الطوارئ لمدة خمس شهور وفرض عقوبات مادية أو بالحبس لكل من ينتهك قانون الحظر والتي وصلت إلى السجن 3 سنوات وغرامة تتراوح من 1000 بر إثيوبي إلى 200 ألف بر إثيوبي. 

وأعلنت الأمم المتحدة أن الأطفال ممن يعانون من النقص الغذائي هم الاكثر عرضة للإصابة بالمرض، وهو ما أكده الإعلان عن إصابة طفل عمره 9 أشهر بين الإصابات الجديدة بالدولة الإثيوبية ليدق جرس الإنذار أمام خطرين يحدقان بالدولة الإثيوبية وهما النقص الغذائي الذي سيفاقم من انتشار المرض خاصة من الأطفال الذين يعانون بالفعل من أمراض نقص المناعة الناتج من سوء التغذية، إلى جانب صعوبة إيصال الإمدادات الغذائية حال انتشار المجاعة الغذائية نتيجة القيود المفروضة على الحركة، كما قال المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة دونجيو تشو أن الإمدادات العالمية من المواد الغذائية لا تزال قوية، لكن الأسئلة لا تزال قائمة حول سلسلة التوريد بسبب وضع قواعد الحجر الصحي والإغلاق الجزئي للموانئ، والتي تتسبب في حدوث تباطؤ وعقبات لوجستية في عملية الشحن، مضيفًا أنه وسط قيود الحدود يواجه النقل بالشاحنات أيضًا تهديدات مماثلة، محذراً  من الآثار التراكمية مرجحاً أن تظهر أثارها في وقت مبكر من هذا الشهر.

وحث الحكومات على أن تبذل قصارى لإبقاء طرق التجارة مفتوحة وسلاسل التوريد، وأنه حتى مع إعطاء الأولوية لأهداف الصحة العامة، يقول المسؤولون في المنظمة إن الدروس المستفادة من تفشي فيروس إيبولا تقول إنه مع اتخاذ التدابير الصحية، يجب ألا يهمل سبل العيش وتحقيق الامن الغذائي، والذي بدوره سيؤدي لتفاقم الأزمة.

An information card on SDG Goal 2: Zero Hunger. "Pandemics can disrupt our lives, including our ability to get food. Ensuring food security and building resilience to disasters are vital in achieving zero hunger"

ولكن التساؤل الأبرز هنا هل سيتناسب قانون حظر الطوارئ مع عملية نقص الإمدادات التي من المتوقع أن تعاني منها المجتمعات عقب أزمة انتشار الجراد الصحراوي. وهل من المتوقع أن يلتزم الشعب الإثيوبي بعملية فرض الحظر وسط النزاعات العرقية الحدودية والشعور بالجوع الناتج عن غلق الحدود من ناحية وتلك النزاعات من ناحية أخرى، حيث يعيش حوالي 75 % من الإثيوبيين الذين يحتاجون إلى مساعدات غذائية عاجلة في إقليمي صوماليا وأورميا، وهي المنطقة التي تشهد النزاع الحدودي الأشهر في إثيوبيا بسبب النزاع على الموارد في المياه وأراضي الرعي منذ سبتمبر 2017، هذا إلى جانب النزاع العرقي الذي يتعرض له الأمهرة في إقليم أوروميا. 

حيث يعد المزارعون ورعاة الماشية هما الفئة الأكثر حاجة للمساعدات الزراعية والتحويلات النقدية؛ لإخراجهم من حالة الطوارئ التي فاقمت من تضررهم بسبب جائحة كوفيد-19.

الأزمة الغذائية قد تزيد من النزاعات الحدودية

https://www.independentarabia.com/sites/default/files/styles/1368x911/public/article/mainimage/2020/04/15/187326-716513851.jpg?itok=cR_KW2Zo

أدت النزاعات العرقية إلى نزوح أكثر من 2.5 مليون إثيوبي وتصل إلى 3 ملايين وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة، وذلك بسبب أعمال العنف العرقي، وتصاعدت الاحتجاجات مع تولي آبي أحمد الحكم وعانى النظام الإثيوبي مؤخرًا من عدة نزاعات أخرها محاولة الانقلاب التي أظهرت تطلعات شعوب قومية الأمهرة في السيطرة على الحكم، والتي أسمتها وسائل الإعلام آنذاك محاولة “الانقلاب الفاشل”. لم يكن هذا التطلع هو الوحيد لشعوب الأمهرة الإثيوبية، إلا أن المزارعين من إقليم الأمهرة أظهروا أطماعًا في الأراضي الخصبة بمناطق “الفشقة” المتنازع عليها بين إثيوبيا والسودان، وهي المنطقة التي شهدت توترات مؤخرًا، وهو الأمر المتوقع أن يتزايد مع الحديث عن الأزمة الغذائية وانتشار الجراد في دول القرن الأفريقي والحاجة للغذاء.  

وبرزت تفاصيل المشهد من خلال التوغل العسكري الإثيوبي في منطقة شرق سندس بالفشقة الصغرى في منطقة زراعية تخص مزارعين سودانيين بالقضارف في مساحة تقدر بنحو 55 ألف فدان، وهي من أخصب المناطق الزراعية بالبلاد، وهي الأراضي التي كان يتواجد بها أفراد الجيش السوداني قبل انسحابه منها قبل 25 عامًا تحت ضغط الصراعات المسلحة في مناطق جبال النوبة والنيل الأزرق. 

وعلى جانب آخر، يرى الخبراء أن إقليم بني شنقول – جوميز الواقع على الحدود السودانية الإثيوبية وعاصمته أسوسا، والتي سلمها البريطانيون للدولة الإثيوبية، يناضل من أجل العودة للسودان، والتي شهدت توترات إبان شروع الحكومة الإثيوبية من بناء السد الإثيوبي وكانت تسيطر عليها قومية التيجراي، هذا إلى جانب النزاعات المسلحة التي يعاني منها الإقليم. 

وتشهد الحدود السودانية الإثيوبية مزيدًا من التطورات وسط أطماع في السيطرة على الأراضي الزراعية السودانية، وهو الأمر المتوقع أن يتفاقم مع انتشار أنباء تعرض الدولة الإثيوبية لمجاعة جراء انتشار الجراد والذي يتضاعف تأثيره مع تأخر وصول إمدادات الأمم المتحدة عقب الإجراءات الاحترازية التي تتخذها الحكومات من سياسة الإغلاق التام للحد من انتشار فيروس كورونا، وهو الأمر الذي سينعكس على المشهد الإثيوبي الداخلي الذي سيقف عقبة أمام الحديث عن إجراءات ترسيم الحدود، وسط التصعيد الإثيوبي الناتج من تخوف التقارب المصري السوداني، إلا أن الجانب الإثيوبي يستمر في عملية التصعيد والذي أظهره تسمية سفير إثيوبيا في السودان من قومية الأمهرة التي تسيطر على الأراضي السودانية في الفشقة، بالرغم من عدم استكمال السفير الذي تم سحبه مدته، كما تأتي كإجراء مخالف للعرف الإثيوبي في تسمية السفراء الإثيوبيين من أقاليم العفر والأورومو المسلمة بحسب الخبراء، وبالتالي تم تفسير الأمر كرسالة تصعيد جديدة بين البلدين.

 كما أن الأحوال الاقتصادية الهشة التي يعاني منها البلدان وسط انتشار فيروس كورونا وتأثيره على زيادة معدلات الركود الاقتصادي من ناحية وغلق الحدود الذي قد يتسبب في زيادة النزاعات الحدودية في الداخل الإثيوبي للحصول على الغذاء من ناحية أخرى، إضافة إلى انتشار الجراد والنزاعات الحدودية بين إثيوبيا والسودان الذي يعاني هو الأخر من أزمة اقتصادية نتيجة فرض العقوبات الامريكية قبل حالة الركود الاقتصادي العالمي، وهو ما يستبعد معه تصعيد عسكري إلا بتصاعد الضغوط الداخلية بما يجعل الجانب الإثيوبي في احتياج لعدوان خارجي، لجذب تأييد جبهته الداخلية.

فأصبح الداخل الإثيوبي بين معضلة مفادها الحد من انتشار فيروس كورونا والجراد الذي سيقابله تزايد النزاعات الحدودية الناتج من إعلان فرض حالة الطوارئ الذي سيمنع وصول الإمدادات الغذائية، سيقف أمام الترسيم الحدودي المزعم بين السودان وإثيوبيا سيقابله تصعيد عسكري في حال تزايد النزاعات الداخلية ضد الدولة الإثيوبية والتي سيكون بطلها قومية الأمهرة والأورومية المتنازعة على الحدود الصومالية بسبب نقص الموارد الغذائية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى