السد الإثيوبي

“الدبلوماسية الهادئة”.. تحركات مصرية لإعادة الزخم لمفاوضات السد الإثيوبي

عقب مرور شهر على البيان الرئاسي الأخير لمجلس الأمن باستئناف المفاوضات بشأن سد النهضة الصادر في 15 سبتمبر، اعتمدت مصر خلال تلك الفترة على مبدأ الدبلوماسية الهادئة، فاستطاع الرئيس عبد الفتاح السيسي أن يضع ملف السد الإثيوبي على رأس قائمة أجندة الاجتماعات على المستوى الإقليمي والدولي، مدعومة بتحركات من وزارتي الخارجية والري، فقد عمدت الأخيرة على تصحيح المغالطات الإثيوبية وتوضيح المخاطر الفنية للسد، فكان لزامًا علينا إزاحة الستار عن تلك الجهود الدبلوماسية ودورها في حث المجتمع الدولي على الحلحلة السياسية لاستئناف المفاوضات حول السد الإثيوبي والتوصل لاتفاق يؤكد على الموقف المصري الثابت بالوصول لاتفاق قانوني ملزم يحفظ حقوق الدول الثلاث في التنمية. 

التحرك الرئاسي الدبلوماسي في القضية

يتخذ الرئيس السيسي خطوات دبلوماسية وسياسية واضحة تؤيد الموقف المصري للحفاظ على الحقوق المائية للدولة المصرية، من خلال التأكيد على حق الدول الثلاثة “مصر والسودان وإثيوبيا” في التنمية، وعدم المساس بالحقوق المائية المنصوص عليها بالاتفاقيات الدولية، مع التزام مصر الداخلي بتعظيم الاستفادة من مواردها المائية بشكل يتزامن مع الانفتاح المصري للعودة للمفاوضات القائمة على تغير المشهد التفاوضي في ظل قرار مجلس الأمن الأخير لتجنب حالة عدم اليقين الإقليمي والتي ستؤدي لمزيد من التوتر في الإقليم. 

ويعد هذا القرار نجاحًا مصريًا في استصدار قرار لأول مرة من المجلس، ومنذ ذلك التاريخ استكملت الدولة المصرية دورها في إثارة الملف واتخاذ مواقف فعالة في الأجندة الدولية واعتبارها أولوية مصرية جنبًا إلى جنب مع مشروعات التنمية والتعاون الاقتصادي والسياسي الدولي، فأوضح الرئيس السيسي خلال اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون أهمية التوصل إلى اتفاق قانوني عادل ومتوازن حول ملء وتشغيل السد بشكل يحفظ الأمن المائي المصري ويحقق مصالح جميع الأطراف بما يحفظ الاستقرار الإقليمي، أخذًا في الاعتبار ضرورة استمرار المجتمع الدولي في الاضطلاع بدور جاد في هذا الملف، من خلال العودة للمفاوضات مع إبراز مبدأ حسن النية ويغلفه إرادة سياسية من جميع الأطراف. 

كما أكد الرئيس السيسي على ذلك خلال استقباله السيناتور روبرت مينينديز، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي، في القاهرة، بالتأكيد على فكرة وضع فترة زمنية وجيزة للتوصل لاتفاق قانوني ملزم من خلال الالتزام بتطبيق ما ورد في البيان الرئاسي الأخير لمجلس الأمن ليضمن وضع قواعد واضحة لعملية التفاوض وهو ما استعرضه الرئيس السيسي خلال لقاؤه بوفد الأمن القومي الأمريكي برئاسة جيك سوليفان، مستشار الأمن القومي الأمريكي، وبدوره جدد مستشار الأمن القومي الأمريكي التزام واشنطن ببذل الجهود لضمان الأمن المائي المصري والحقوق التنموية لجميع الأطراف في قضية سد النهضة.

وهو ما يضعنا أمام مواقف دولية تؤكد الموقف المصري في عودة المفاوضات والحفاظ على حقوقها المائية، وهو ما ظهر كذلك في تصريحات الأمين العام للأم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، لوزير الخارجية الإثيوبي ديميكي ميكونين، نحو ضرورة استئناف الحوار بشأن سد النهضة بروح من التوافق، هذا إلى جانب إعلان نائبة وزير الخارجية الإيطالية، مارينا سيريني، دعم بلادها للتوصل إلى حل تفاوضي بشأن النزاع حول سد النهضة بين دول حوض النيل الثلاث (مصر والسودان وإثيوبيا) في تغريدة على صفحتها على “تويتر” بعد لقائها وزير المياه والري والطاقة الإثيوبي السابق، وكبير مفاوضي السد الحالي سيليشي بيكيلي.

كما استطاعت مصر أن تفرض مساحة لمناقشة القضية وايضاح الموقف المصري على أجندة اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الـ 76، ولقاء الرئيس السيسي مع مجموعة فيشجراد “المجر والتشيك وبولندا وسلوفاكيا” في العاصمة المجرية بودابست، كما تطرق وزير الخارجية المصري سامح شكري مع نظيره الروسي سيرجي لافروف إلى أزمة سد النهضة الإثيوبي وما تمثله من أهمية وجودية بالنسبة لمصر، والتشديد على التطلع لاستمرار التعاون مع روسيا في هذه الأزمة، وبحث الرئيس عبد الفتاح السيسي مع نائب الرئيس البرازيلي هاملتون موراو، خلال زيارته للقاهرة قضية سد النهضة، وصفته صحيفة Digital News الكندية بأنه تمهيد لكسب مصر دعم البرازيل في أزمة السد الإثيوبي بعد تولي البرازيل العضوية غير دائمة في مجلس الأمن في يونيو الماضي. 

أما على المستوى الاقليمي والأفريقي، فركزت الدولة المصرية على مفهوم التنمية المتكاملة والشاملة بين دول حوض النيل، والتي ظهرت في استقبال الرئيس السيسي الرئيس الجنوب سوداني سيلفاكير ميرديت، والتي أكدا فيها الطرفان على ضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم استنادًا إلى القانون الدولي، وأوضح سلفاكير أنه تلقى وعدًا من الحكومة الإثيوبية قبل شهرين من قبل السلطات الإثيوبية بوجوب حدوث مفاوضات حول سد النهضة عقب تشكيل الحكومة الإثيوبية الجديدة، وهو ما لا يحدث من الجانب الإثيوبي، فيما أبدت مصر تقبلاً للمقترح الكونغولي الذي تقدم به وزير خارجية الكونغو الديمقراطية لنظيره الوزير سامح شكري، غير أن رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية فليكس تشيسكيدي، قد صرح مسبقًا أن المفاوضات ستستأنف في “المستقبل القريب”، باعتبار أن الكونغو هي رئيس الاتحاد الأفريقي المنوط به رعاية المفاوضات وفقًا لمخرجات مجلس الأمن. 

وتأكيدًا على كلام الرئيس السيسي على أن المياه يجب أن تكون سبب للتنمية وليس الصراع والاستقرار وتجنب تصعيد التوتر في الإقليم، فقد  دشنت مصر المرحلة الثانية من مشروع إنشاء محطات مياه شرب جوفية بجنوب السودان، مزودة بالطاقة الشمسية، إلى جانب مشروع سد نهر الكونغو ومشروعات الربط الأفريقي، وسبق وقامت مصر بتمويل إنشاء خزان أوين في أوغندا، وقامت بتقديم الدعم والمساندة لتحقيق الاستقرار وتعزيز السلام في جنوب السودان ودعم الكونغو  للاضطلاع بالمسؤولية الهامة لقيادة العمل الأفريقي المشترك خلال العام الحالي، وهو ما يوضح مبدأ حسن النية للجانب المصري في التوصل لاتفاق ملزم بشأن سد النهضة يعزز الاستقرار بالمنطقة ككل ويفتح سبل التعاون بين دول حوض النيل.

فقد اتخذت مصر خلال شهر من قرار مجلس الأمن تحركات حثيثة نحو تدويل الأزمة والتأكيد على ضرورة الضغط الدولي لتنفيذ البيان الرئاسي الأخير لمجلس الأمن، وهو ما يتزامن مع ضعف الموقف الإثيوبي الذي أصبح يعاني من شبه عزلة دولية في حال تنفيذ العقوبات الاضافية من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بشأن الوضع الإنساني الداخلي بها، وأزعجت الخطوات المصرية الدبلوماسية السلطات الإثيوبية التي انتقدت موقف الجامعة العربية للحد الذي وصفه السفير أحمد أبو الغيط بإنه “سد الخراب”، وحث المجتمع الدولي على اتخاذ موقف إيجابي لوقف النزاع، إلى جانب الموقف التونسي باعتبارها عضو دوري في مجلس الأمن يشغل مقعدًا أفريقيًا، وقدمت إثيوبيا معلومات مغلوطة حاولت تسييس القرار وتشويهه لعدم الخروج بقرار من مجلس الأمن باعتباره وثيقة رسمية من وثائق المجلس.

وبالتزامن مع التكثيف الدبلوماسي على المستوى الأمريكي والأوروبي والعربي والأفريقي، والتي حركت المياه الراكدة في الموقف الدولي والذي رأى أحقية مصر في الحفاظ على حصتها من مياه النيل،  وحث المجتمع الدولي على اتخاذ موقف مؤثر لحل القضية، اتخذت الدولة المصرية إجراءات للحفاظ على المياه من خلال اجراءات تنموية، وتوضيح الوضع الفني للسد ومدى خطورته على دولتي المصب لتوضيح الموقف المصري. 

مصر تتخذ خطوات تنموية داخلية وتوضح خطورة السد

“لن تسمح مصر بحدوث أزمات مائية”، بناءً على هذا التصريح لوزير الري والموارد المائية محمد عبد العاطي تتخذ مصر كافة الإجراءات لتعزيز سُبل مواجهة الفقر المائي الذي تعاني منه مصر بالفعل دون سد النهضة، فتقوم بتنفيذ برامج لتعزيز تدفق المياه والحفاظ عليها في ظل التغيرات المناخية، فلا تألو الحكومة المصرية جهدًا في حماية نصيبها في نهر النيل والمحافظة عليه، ولمواجهة أي ظواهر تؤثر عليه سلبًا.  فقد أشار الرئيس المصري خلال مؤتمر صحفي في بودابست خلال اجتماعات فيشجراد V4 إلى أن مصر تنفذ برامج لمعالجة المياه وتحلية مياه البحر بتكلفة تبلغ أكثر من 80 مليار دولار، واستضافت القاهرة جلسة مُشاورات دبلوماسية، بحضور مسؤولين أوروبيين، للتباحث حول عدد من قضايا الشرق الأوسط وأفريقيا، وعلى رأسها قضية السد الإثيوبي، واستقبل وزير الموارد المائية والري وفدًا من منظمات دولية تعمل بمجال إدارة الموارد المائية، برئاسة المنسقة المقيمة للأمم المتحدة إلينا بانوفا، والقائم بأعمال الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي سيلفان ميرلن وممثلون عن الاتحاد الأوروبي وسفارات الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وهولندا وفنلندا، أوضح فيه الموقف المصري برغبتها في استكمال المفاوضات المتعلقة بـ”سد النهضة” الإثيوبي، شريطة “حفظ حقوقها المائية” بهدف التوصل إلى اتفاق “عادل وملزم” لجميع أطراف الأزمة. 

وأخذت وزارة الري على عاتقها مهمة توضيح الأكاذيب الإثيوبية بشأن عدم وجود مصادر مياه غير النيل، وتعليقًا على تصريح رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بخصوص حصة مصر في مياه نهر النيل؛ فقد أوضح عبد العاطي خلال الاجتماع السابق ذكره أن حجم المياه الخضراء “مياه الأمطار” في إثيوبيا يصل إلى أكثر من 935 مليار متر مكعب سنويًا، وأن 94% من أراضي إثيوبيا خضراء، بينما الأراضي الخضراء في مصر تصل إلى ٤٪ فقط. 

وتستهلك  أكثر من 100 مليون رأس من الماشية تمتلكهم إثيوبيا نحو 84 مليار متر مكعب سنويًا من المياه، أي ما يساوي حصة مصر والسودان مجتمعين، وزراعة 3 ملايين فدان زراعة مروية،و90 مليون فدان زراعة مطرية، بالإضافة لإمكانيات المياه الجوفية بإجمالي 40 مليار متر مكعب سنويًا، وتقع على أعماق تتراوح بين (20-50) متر فقط من سطح الأرض، وهي مياه متجددة، فى حين تعتبر المياه الجوفية فى صحاري مصر مياهها غير متجددة. و تستهلك أيضًا المياه الزرقاء والمخزن منها 55 مليار متر مكعب في بحيرة تانا، و 10 مليارات أمتار مكعبة في سد تكيزي، و3 مليارات في سد تانا بالس، و5 مليارات في سدود فنشا وشارشارا ومجموعة من السدود الصغيرة، وأن هذه الكميات من المياه، بخلاف 74 مليار متر مكعب من المخطط أن يختزنها سد النهضة.  

وعن الحالة الفنية للسد، فقد أوضحت صور الأقمار الصناعية وجود خلل في السد وعيوب فنية وتقنية في عملية إنشاء السد، وفقًا لنظريات علمية وجيولوجية، وهو ما حال دون استكمال عملية الملء الثاني للسد نتيجة لأخطاء تقنية وفنية تتعلق بجسم السد أكثر من كونها أخطاء إدارية، وأرجعه الخبراء  إلى أن سد النهضة تمت إقامته على منطقة فوالق أرضية نشطة تمنع نهائيًا بناء السدود عليها، باعتبارها أرض غير ثابتة، وهو ما حدث مع سد في ولاية كاليفورنيا إنهار منذ 3 سنوات لنفس الأسباب، فالسد الإثيوبي يقوم على دراسات غير كافية وقد تكون تقارير خاطئة، ويتزامن ذلك مع أحاديث حول عملية الملء الثالث فهناك تقارير إعلامية حول تصريحات سودانية بالبدء الإثيوبي في تعلية الممر الأوسط لسد النهضة، ووضع جدران خرسانية دون تأكيد أو إعلان رسمي إثيوبي حتى الآن، إلا أن أن فتح بوابات السد عقب انتهاء عمليات الملء سبب فيضانًا ضرب السودان، وأعقب ذلك تلوث المياه بسبب الترسيبات الناتجة عن السد وفقًا لتصريحات وزير الري المصري. 

ويجدر بنا الإشارة إلى دور الأزهر الشريف والكنيسة المصرية، في إيضاح الدور المصري في المحافل الدولية، هذا إلى جانب الدور التنموي للمؤسستين في كافة المجالات التنموية ومحاربة الفكر المتطرف، مما يعطي دفعة قوية لدى الشعوب الأفريقية في التقارب المصري لما لهما من دور مؤثر في نفوس الشعوب الإفريقية، ويوضح أهداف مصر التنموية بالقارة الأفريقية، ويشير إلى المفاهيم الصحيحة التي تتبناها الدولة المصرية بعيدًا عن مصالح آحادية وتعنت غير مبرر من الجانب الإثيوبي. 

تضعنا الإجراءات المصرية والدبلوماسية المؤثرة أمام مفهوم تقارب دولي مع المفهوم المصري، من خلال التأكيد المصري على ثلاث رسائل رئيسية “الوصول لاتفاق قانوني ملزم، والحق في التنمية، والحفاظ على حصة مصر المائية”، وفي ضوء ذلك اتخذت خطوات دبلوماسية مؤثرة ودعمت الدول في التنمية بشكل يخدم جميع الأطراف وفقًا لمفهوم التكامل، وأخيرًا بجانب التصريحات الرسمية بعدم التنازل عن حصة مصر من النيل عمدت مصر الحفاظ على الموارد المائية المصرية من خلال المشروعات الوطنية من التغيرات المناخية واهدار المياه، أما عن الموقف الإثيوبي المعقد عقب التعديلات الحكومية والتي كانت قد وعدت جنوب السودان باستئناف المفاوضات عقب الانتهاء من التشكيل، إلا أنها أعطت رسائل مزدوجة بين محاولة تحسين العلاقات عقب الاستقرار النسبي للتشكيل الحكومي وتولي آبي أحمد كرئيسًا لوزراء إثيوبيا لولاية ثانية لمدة خمس سنوات، والتصميم على إستكمال وبناء السد باعتباره سيلعب دورًا حاسمًا في التكامل الإقليمي وتعزيز العلاقات مع دول الجوار في محاولة لجذب الداخل المتفكك في ظل أزمات متصاعدة، فجاء التعديل بتغيير وزير الري وتعيين حبتامو إيتيفا، الرئيس السابق لمكتب المياه في منطقة أوروميا كبديل للوزير سيلشي بيكيلي، الذي عينه ككبير مفاوضي ومستشاري سد النهضة، ليضع رسالة إمكانية الاستمرار في إطالة النهج التفاوضي، مع العمل على تعديل الإجراءات الفنية والمعلوماتية حول إدارة المياه في إثيوبيا، مما يؤكد التقارير الفنية حول عيوب السد الفنية، أو التغيير في أسلوب إدارة الأزمة الإثيوبية عقب الإشارات الدولية التي تحث على ضرورة تسوية الأزمة عبر المفاوضات لتنفيذ قرار مجلس الأمن، والتحركات المصرية في هذا الاتجاه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى