أفريقيا

أستاذ علوم سياسية يشرح “الداخل الإثيوبي والأزمة الدستورية التي تواجهها حكومة أبي أحمد”

أكد الدكتور حمدي عبد الرحمن  الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة  أن أزمة دستورية طفت على السطح الإثيوبي نتيجة قرار تأجيل الانتخابات العامة والتي كان مقررا  لها أغسطس القادم، مما يضع البلاد أمام حالة فراغ دستوري نتيجة انتهاء مدة ولاية البرلمان في أكتوبر المقبل.

وأشار  عبد الرحمن، في منشور كتبه على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك”  بعنوان “إثيوبيا من الداخل: أبي أحمد والمعضلة الدستورية”، إلى أن ذلك يأتي وسط محاولات أبي أحمد لامتصاص حالة الغليان الداخلي وتحت غطاء سد النهضة باعتباره محاولة للنظام الحاكم لتعبئة الأمة خلف أوهام الدفاع عن المصالح الوطنية واستحضار الماضي البعيد لمقاومة عدو خارجي متوهم ؛ مضيفا  أن هذا الأمر جعل الحزب الحاكم يختار السيناريو الأسهل وهو اللجوء إلى اختيار “التفسير الدستوري”، وهو ما لاقى  اعتراضاً من قوى المعارضة. 

ونقل استاذ العلوم السياسية عن موقع “إثيوبيا انسيت” الجدل الداخلي حول الأزمة الدستورية ومعضلة الانتخابات”، وكيف يتلاعب نظام أبي أحمد بالنظام الدستوري للبقاء في السلطة وسط استمرار الفشل في الوفاء بوعوده الإصلاحية في الحفاظ على الهيكل الفيدرالي، فبعد مرور أكثر من عامين على تولي أبي أحمد منصبه كرئيس وزراء إثيوبيا، عقب احتجاجات قومية الأورومو الأكبر في إثيوبيا والمنحدر منها أبي أحمد والتي استمرت سنوات، وبالتالي تم الترحيب بتوليه منصبه والأمل في قيامه بمعالجة المطالب الشعبية لقومية الأورومو بما في ذلك المطالبة بالحق في تقرير المصير والمساواة على النحو الذي يضمنه الدستور، ومنها سيطرة شعوب التيجراي الأقلية على الحكم، فكان تولي أبي أحمد بمثابة المنقذ، لكن أوضحت الأولويات الإصلاحية لرئيس الوزراء في العامين الماضيين أن رؤيته تتماشى أكثر مع تفكيك الهيكل الفيدرالي متعدد الاثنيات لصالح حكومة أكثر مركزية على المستوى الفيدرالي. 

أبي أحمد وأزمات دستورية متلاحقة

وقارن الدكتور حمدي عبد الرحمن بين ممارسات إدارة أبي أحمد برؤية الحكومات الوحدوية المركزية لإثيوبيا قبل عام 1991، والتي حاولت دون جدوى إنشاء دولة قومية ذات هوية ثقافية أمهرية من خلال فرض سياسة الاستيعاب المنهجي، وهو ما انتهجته إدارة أبي أحمد من سياسات ترمي إلى إضعاف القومية الأورومية؛ فقد تم التخلص من المدافعين عن حقوق الأورومو في حزب أورومو الديموقراطي بما في ذلك “ليما مجرسا” – الحليف الأول لأبي أحمد في السابق – وجماعته “المعروفة باسم “فريق ليما”، من خلال استبعادهم من المناصب المؤثرة كما تم إسكات أصوات السياسيين البارزين الذين قادوا النضال من أجل الإصلاح من داخل التحالف الحاكم، والذي أدان خطوة إعلان حكومة أبي أحمد لتدشين حزب الازدهار الموحد، والتي اعتبرها خطوة لحل الحزب الحاكم بدلاً من دمقرطته من الداخل، وأنه بمثابة مقدمة للفيدرالية القائمة على أساس جغرافي بدلاً من الفيدرالية متعددة الاثنيات.

و أوضح أنه وفقاً للكثيرين فإن حل الجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي وتشكيل حزب جديد، ما هو إلا محاولة واضحة لخروج أبي أحمد من عباءة سلفه ميليس زيناوي من خلال التقليل من أهمية الحقوق الجماعية المحفوظة في الدستور، حيث أنه سيعطي الأولوية للتفويض الفردي بدلاً من التفويض الجماعي للأقاليم والاثنيات المتعددة؛ وهي الأيديولوجية التي تشكلت عليها الجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي. 

وأشار إلى الانتهاكات الحقوقية في إقليم أوروميا، الذي تجاوز استقلال أوروميا والحق في الحكم الذاتي لشعب الأورومو من قبل الحكومة الفيدرالية، حيث لا تزال مساحات من غرب وجنوب أوروميا تحت الحكم المباشر من السلطات الاتحادية دون أي رقابة من البرلمان على النحو المطلوب بموجب المادتين 51 (14) و 55 (16) من الدستور وإعلان التدخل الفيدرالي رقم 359/2003، مما ساهم في حرمان  الملايين من المواطنين في أوروميا من خدمات الإنترنت ووسائل الاتصال الأخرى حتى وقت قريب، والانتهاكات لحقوق الإنسان على أيدي قوات الأمن، فقد أفادت منظمة العفو الدولية أن قوات الأمن أعدمت خارج نطاق القضاء ما لا يقل عن 39 شخصًا في مناطق شرق وغرب غوجي في أوروميا منذ يناير 2019.

وعلى هذا النحو، فتعاني إثيوبيا بشكل عام وأوروميا بشكل خاص من أزمة دستورية منذ فترة، وبالتالي فإن الدراما المعقدة للحكومة الحالية في التفسير الدستوري هي محاولة زائفة لتمرير الاستيلاء على السلطة، ولكن قد يكون تأجيل الانتخابات بدون أي حوار سياسي ذي مغزى هو القشة التي سوف تقسم ظهر البعير في النهاية.

التفسير الدستوري والمعارضة الداخلية

ووصلت المعارضة لاختيار الحكومة الإثيوبية نحو “التفسير الدستوري” إلى ما شهده المجلس الفيدرالي من حالات استقالات اعتراضاً على هذا الخيار، فقد تقدمت بالأمس خيرية إبراهيم – عضو المجلس التنفيذي للجبهة الشعبية لتحرير تيجراي – استقالتها من المجلس الفيدرالي وذلك قبل يومين من تقديم المجلس تقريره حول تأجيل الانتخابات، والتي بدورها أعلنت عن سبب رفضها الكامن في رفضها أن تصبح جزءًا من نظام يتحول بسرعة إلى ما وصفته بـ “الديكتاتورية”، ووصفت التحركات الحكومية بأنها “غير دستورية” تهدف لتمديد ولايتها في السلطة. وأشار حمدي إلى تأكيد عضو المجلس الفيدرالي حول أن المداولات الجارية بشأن الأزمة الدستورية ما هي إلا “مجرد تمثيلية معدة من قبل حزب الازدهار”.

كما يحتاج الوضع  التفكير في أمور أخرى والتوصل لنص جديد للخروج من هذه الأزمة الدستورية وفقاً للخبراء في ظل صمت الدستوري الإثيوبي تجاه الوضع الدستوري الحالي وبالتالي فلامجال “للتفسير الدستوري”، ولكن في ظل البرلمان الذي جاء نتيجة انتخابات وصفها بأنها بعيدة عن النزاهة والاستقلالية ويزيد من الأمر النظر في تمديد تفويضه، هذا إلى جانب مجلس التحقيق الدستوري المشكوك في استقلاليته، قد يصعب من اختيارهم أن يكونوا هم الجهة التشريعية لتعديل النصوص، وفي ظل حالة الانقسام الاثني وتشظي المشهد السياسي ، خاصة بين قوى المعارضة يصبح النظر في اللجوء إلى خيار الجمعية الدستورية التي تتألف من القوى السياسية والمدنية الرئيسية ، وذلك على غرار الجمعية التأسيسية عامي1994- 1995 أمراً مستحيلاً، وبالتالي يصبح التحدي الحقيقي والاختيار الصعب اليوم في أثيوبيا هو بين تبرير حكم الاستبداد وبين تبني محاولة مشروعة ولكنها محفوفة بالمخاطر لتلبية طموحات الشعب الأثيوبي في تحقيق الانتقال الديموقراطي والتخلص من ثقافة عباءة الرجل الكبير. 

وأضاف أن هناك حقيقة أخرى ذات صلة تم تجاهلها في جلسة استماع مجلس التحقيق الدستوري وهي قرار اقليم التيجراي بإجراء الانتخابات على المستوى الإقليمي كما هو مقرر متجاهلاً قرار اللجنة الانتخابية بالتأجيل لثلاثة أسباب رئيسية على الأقل.

تمثل السبب الأول في انتخاب شاغلي الوظائف العامة في التيجراي، أي الجبهة الشعبية لتحرير التيجراي ، باعتبارهم أعضاء منذ عام 2015 في التحالف الحاكم السابق الذي تم حله الآن.

والثاني أن الحكومة الإقليمية التي تنتمي للجبهة الشعبية لتحرير التيجراي تعترف على عكس حزب الازدهار بأن المادتين 54 و 58 من الدستور واضحتان ولا يمكن تمديدهما من خلال التفسير الدستوري.

وجاء السبب الثالث والأخير ليشير أنه كان من الواجب تقديم هذا النوع من النزاع الدستوري، بالمعنى الدقيق للكلمة، أمام مجلس التحقيق الدستوري. 

فيرى تسيجاي أرارسا، الناشط والباحث في القانون الدستوري الإثيوبي من أورومو، بأن النظر في مراجعة دستورية مجردة يتعارض مع موقف سابق عندما رفض مجلس التحقيق الدستوري إجراء ذلك عندما طلبت حكومة أوروميا فيما يتعلق بالمصالح الخاصة لأوروميا في الفقرة الخاصة بوضع العاصمة الاتحادية، وأعلنت تيجراي أيضًا حالة الطوارئ الوبائية على مستوى المنطقة لأنها مخولة بذلك بموجب المادة 93 (1)، وهو ما يعد مثال آخر على نزاع دستوري واضح يتطلب تفسيرًا دستوريًا، فمع خطة تيجراي لإجراء انتخابات إقليمية كما هو مقرر، فنحن في مسار تصادم مع الحكومة الفيدرالية.

وعلى الرغم من أن الدستور يفتقر إلى بند سيادة القانون الفيدرالي، فإن مرسوم حالة الطوارئ يمكّن الحكومة الفيدرالية من تعليق الحقوق السياسية والديمقراطية، ومع ذلك، لا يجوز لها  تعليق المادة 1 المتعلقة بالهيكل الاتحادي وحقوق تقرير المصير المصونة بموجب المادة 39، والتي تستدعيها قومية التيجراي. 

ومما سبق يتضح أن القرار الأحادي بتمديد الحكومة من خلال تفسير دستوري زائف قد يمثل تحديًا خطيرًا للانتقال الذي طال انتظاره إلى الديمقراطية عن طريق تحطيم الآمال في انتخابات حرة ونزيهة، كما قال تسيجاي، حيث تريد معظم أحزاب المعارضة ذات الدوائر الانتخابية الهامة الحوار حول أفضل السبل للتعامل مع الانتخابات العامة أثناء محاربة الوباء، وذلك باعتبار حكومة آبي أحمد التي وصلت للسلطة على خلفية الاحتجاجات الشعبية ضد دكتاتورية الجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي هي الجهة المؤقتة التي يجب أن تنتهي ولايتها بمدة مجلس نواب الشعب الاثيوبي في أكتوبر المقبل 2020.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى