السد الإثيوبي

ماذا وراء تغير مواقف آبي أحمد؟

قرار جديد لحكومة آبي أحمد علي رئيس وزراء الدولة الإثيوبية حول تأجيل عملية البدء في ملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبي وذلك خلال أعمال الاجتماع الذي دعا إليه رئيس جنوب إفريقيا “سيريل رامافوزا” باعتباره رئيس الاتحاد الإفريقي وبحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي ورئيس وزراء السودان عبدالله حمدوك، عقب شهور من المراوغة والمماطلة منذ رفض الوساطة الأمريكية في فبراير الماضي، والإصرار على عملية الملء لكسب الداخل الإثيوبي الممزق والذي يمكن حصر مشاكله في اتجاهين وهما النزاع العرقي حول السلطة أو النزاعات المسلحة لتحقيق الانفصال، والذي ظهر مع انشقاق الصف المؤيد لآبي أحمد بانفصال جوهر محمد المعارض الأبرز والحليف السابق، واحتجاجات الأورومو، وانفصال قومية السيداما والحصول على الاستقلال الفعلي في يونيو الحالي والذي جعل من قومية ” وولايتا ” أحد شعوب إقليم الجنوب” تدشن حركة شباب التحرير لقومية الولايتا التي تطالب هي الأخرى بالانفصال المدعوم بالدستور الانفصالي 1994، هذا إلى جانب انقسام المعارضة وتأجيج المطالب السياسية باعتبارها السبب الأساسي للنزاعات الداخلية، ورفض الجبهة الشعبية لتحرير شعب التيجراي الانضمام لحزب آبي الموحد وخروجها من الإئتلاف الحاكم ومطالبتها الآن بإجراء الانتخابات عقب قرار تأجيل الانتخابات واختيار مبدأ التفسير الدستوري الذي مد فترة ولاية الحكومة الحالية من 9 إلى 12 شهر في الحكم، 

والعديد من هذه المشاهد التي بدأت منذ تولي آبي أحمد الحكم في أبريل 2018، والذي أعقبه محاولة الاغتيال في يونيو من نفس العام والانقلاب الفاشل في يونيو من عام 2019، والتي لم يوليها آبي أحمد مزيداً من الاهتمام بل كان دائماً ماضياً في خطته الموصوفة بالإصلاحية التي تسعى لتحقيق “الازدهار والتآزر” كما يصفها في كتابه “ميدمير”، دون محاولة واحدة باستثناء مشروع السد لامتصاص الداخل بل استمر في خطته التي تحولت من إصلاحية لحملات قمع للمعارضين والتي تخدم هدفه الأساسي وهو “البقاء في السلطة”. 

كما حاول اللعب بورقة سد النهضة لخلق التفاف إثيوبي حوله ولكنه خلق بتصريحاته حالة من الخنق الداخلي جعلت من الشعب الإثيوبي يرفض مبدأ الوساطة حتى من الاتحاد الإفريقي الذي طالبت الحكومة الإثيوبية أن يكون الوسيط الفعلي، ووصفت آبي نفسه بأنه خضع للغرب عند الموافقة على الجلوس على طاولة المفاوضات بوجود البنك الدولي والولايات المتحدة، للحد الذي وصفت فيه المعارضة الأخبار المصرية بأنها مفبركة حتى جاء قرار تأجيل الملء. 

وهنا وضع الشعب الإثيوبي علامة جديدة مفاداها هل يقوم آبي بالفعل بمخاطبة احتياج الشعب الإثيوبي للتنمية كما يزعم، أم يسعى جاهداً لإرضاء الخارج لضمان بقاؤه في السلطة. 

محاولات آبي أحمد إرضاء الخارج منذ تولي الحكم

منذ تولي آبي أحمد الحكم في أبريل 2018، وأعلن سياسته الاصلاحية وهو انتهج رسائل مفادها الحصول على الدعم من المعسكر الغربي والتأييد الدولي في خطوات متناقضة عقب تحقيق صالحه الأول وهو “الاستمرار في سدة الحكم” الذي مكنه من الحصول على جائزة نوبل، ويمكن شرحها في عدة مشاهد: 

  • سياسة الاصلاح السياسي: أعلن آبي عن سياسة إصلاحية تقوم بالإفراج عن المعتقلين السياسين وإجراء الاتفاقيات مع المسلحين من المعارضة وعودتهم للأراضي الإثيوبية، وذلك في محاولة لتحقيق السلام مع دول الجوار كما حدث مع إريتريا، بغض الطرف عما سيؤثر هذا الأمر على الداخل الإثيوبي، وبالتالي أتاحت سياسته التي أسماها بالإصلاحية بخلق الفرصة للتوجهات الانفصالية المتشددة للظهور بحرية لدى مختلف الجماعات الإثيوبية، والمتمثلة في مبادرات المصالحة مع الجماعات المسلحة؛ فقد وقعت حكومته اتفاق سلام مع جبهة تحرير أوجادين، والتي كانت قد حظرتها في وقت سابق بوصفها جماعة إرهابية، وتوقيع اتفاقية للسلام مع جبهة تحرير الأورومو تقتضي بعودة مقاتليها من منفاهم في إريتريا مقابل نزع السلاح، والتي عجزت الدولة عن نزعه وأعقبه تزايد أعمال العنف في إقليم الأوروميا والمدن المجاورة وعلى رأسهم الأمهرة، الأمر الذي استدعى تدخل القوات المسلحة في بعض المواقع، ودخلت الأمهرة في صراع حدودي مع “التيجراي” في جواره الشمالي، ومع إقليم “بني شنقول- جوميز” في جواره الجنوبي هذا إلى جانب النزاعات الحدودية بين قبيلتي العفر والعيساوي والتي تم اتهام جيبوتي في التدخل في تفجيرها.  

وسرعان ما حصد آبي على جائزة “نوبل” للسلام في أكتوبر 2019 إثر الصلح مع إريتريا، وأعقب ذلك التصريحات النارية التي قالها أمام البرلمان في رسالة استعلائية حول بناء سد النهضة في بروباجندا انتهجها دائماً لتغطية النزاعات الداخلية ببناء السد، ولكن سرعان ما انقلب السحر على الساحر وقامت الاحتجاجات في إقليم الأورومو المنحدر منه، وظهر المعارض الأول – حليف الأمس – جوهر محمد، عقب تصريحاته حول حرية الإعلام إلى جانب ما تبع ذلك من حملات الاعتقالات التي نالت من معارضيه، وتحولت السياسات الاصلاحية لقمعية. 

  • حملة الإرث الأخضر: أطلق آبي حملة تستهدف زرع 2 مليار شجرة بحلول 2024 لمواجهة التغيرات المناخية والتي أثرت على الأمطار الإثيوبية من ناحية، متجاهلاً قطع الاشجار العشوائي في غابات بحيرة تانا الواقعة بمنطقة بحر دار وهي رابع أكبر بحيرة في إفريقيا،  ويندفع منها “النيل الأزرق”، وهو ما اعتبره الداخل الإثيوبي كما جاء في تقرير “دويتش فيليه” أنه محاولة منه للترويج لنفسه في الخارج من خلال ما يسميه بالتنمية المستدامة متناسياً المشاكل الحقيقية التى تعانى منها الدولة الاثيوبية من ضعف النظام الصحي وتأثره بانتشار فيروس كورونا، وتصوير الدولة بأنها تعيش في ازدهار ورخاء، بينما يعاني الداخل من النزاعات القائمة على الموارد كما يحدث في اقليم الفشقة السوداني، والنزاع بين إقليمي أوروميا وصومالية. 
  • التنمية والسلام والتعاون الإقليمي: هذه الرسائل الثلاثة تستخدمهم الحكومة الإثيوبية في وصف مشروع سد النهضة الإثيوبي الكبير كما يسمونه، وهو ما ظهر في خطاب الخارجية، محاولاً بث رسائل تخاطب الغرب للوقوف بجانب المشروع، متناسياً الموقف المتعنت وتأثيره على الجوار إلى جانب التصريحات بالمواجهات العسكرية على لسان نائب رئيس الأركان بالجيش الإثيوبي، إلى جانب التعنت في كافة المفاوضات التي دعت لها كافة الأطراف، حتى الموافقة على تأجيل عملية الملء كما جاء في الاجتماع الأخير، وهو ما لم يعلن عنه صراحةً آبي أحمد على صفحته، فيما رأت المعارضة ان الأخبار المصرية ما هي إلا أخبار مزيفة عن الدخول في مفاوضات، بالإضافة إلى اتهام آبي بأنه يحاول إرضاء الولايات المتحدة منذ جلوسه على طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة والبنك الدولي، والتي رفضها الجانب الإثيوبي ولم يلتزم بنتائجها، وهذه المرة مع دخول الاتحاد الإفريقي الذي طالبت به الحكومة الإثيوبية جاءت بعض الاتهامات من المعارضة على صفحة جوهر محمد على الفيسبوك بضرورة انحياز الاتحاد الافريقي للجانب المصري. 

سلسلة القرارات الأحادية.. والتخوف من تصاعد احتجاجي جديد

أدى إعلان المجلس الفيدرالي الإثيوبي بالتصديق على تأجيل الانتخابات من 9 إلى 12 شهراً وهو ما سيؤدي إلى مد فترة حكم المؤسسات الإثيوبية وبما فيها رئاسة وزراء آبي أحمد، إلى تزايد الغضب الداخلي والذي أظهر معه تعنت إثيوبي تجاه قضية السد والتأكيد على عملية الملء بقرار أحادي حتى تغير في اللحظة الأخيرة، فما السبب وراء ذلك؟

كان هناك أحدايث كثيرة عقب عملية التأجيل حول استمرار الجبهة الشعبية لتحرير التيجراي في إجراء العملية الانتخابية، وكان هناك استقالات واحتجاجات في إقليم الولايتا الجنوبي للمطالبة بالانفصال، وتزامن ذلك مع إعلان المعارضة المطالبة بحكومة انتقالية جديدة تقوم بتسيير الأعمال تخوفاً من عمليات تقويض المعارضة التي اتخذتها حكومة آبي أحمد لتكميمها بالداخل وهو ما تنافى مع ما أعلنه في بداية توليه حكمه، وكأن الهدف من الحرية قد انتهى وهناك هدف أخر له. 

وكان هدف آبي أحمد الطموح هو دعم بقاؤه في سدة الحكم، وهو مايتسم به كافة النزاعات الداخلية الإثيوبية حتى النزاعات الطائفية التي تهدف لسيطرة دينية في المؤسسات الحاكمة. 

ولكن جاء القرار الاخير حول تأجيل الانتخابات بعلو صوت المعارضة والإعلان عن تصاعد الاحتجاحات في أكتوبر المقبل، وهي فترة انتهاء مدة حكم الحكومة الحالية، وكأن شهر اكتوبر هو شهر الاحتجاجات الإثيوبية كما شهد إقليم الأورومية العام الماضي، فوفقاً لتصريحات بيكيلي جيربا، نائب زعيم حزب المؤتمر الاتحادي أورومو المعارض (OFC)    أنه “لا يمكن لهذه الحكومة أن تحكم بعد 10 أكتوبر”، وأنه “وفقًا للدستور الإثيوبي يجب أن تجتمع الأحزاب لمناقشة كيفية حكم البلاد.”، وهو ما وصفها آبي أحمد بانه تطلع للسلطة بشكل غير قانوني كما جاء في خطابه المسجّل بالفيديو الشهر الماضي.

فيما يتبنى ممثلو المعارضة طلباتهم بناء على تفسير المادة 60 من الدستور الإثيوبي، والذي يوضح أنه عند حل الحكومة  “سيستمر ائتلاف الأحزاب كحكومة تصريف أعمال”، والمطالبة بوجود حكومة انتقالية في ظل استمرار حكومة آبي في مواجهة المعارضة بعملية الاعتقالات، وكذلك عسكرة النزاع الداخلى وخاصة في منطقة اوروميا؛ وهو ما دفع حزب بالديراس المعارض من أديس أبابا، والذي يتكون من نشطاء سياسيين سابقين والمتحالف مع حزب الوحدة الإثيوبية AEUP”” إلى النظر في حل الحكومة الحالية اعتبارًا من 10 أكتوبر، ودعا إلى الاحتجاجات في ذلك اليوم، وذلك كما نشر موقع “كوارتز افريكا“. 

وفي ظل الواقع المتأزم في الداخل الإثيوبي ودعوات الاحتجاجات المتكررة وتزايد أحزاب المعارضة، وفي ظل سياسة التجاهل التي يتبعها آبي أحمد للمطالب الحقيقية للشعب الإثيوبي والتركيز على خلق قاعدة من المؤيدين على أسباب واهية تتغير بتغير المصلحة في محاولات لمغازلة الغرب فقط، تغير القرار الأخير للحكومة الإثيوبية إثر الدعوات الاحتجاجية والتي سيضمن من خلالها الدعم الغربي في الاستمرار في سدة الحكم عند انقلاب المعارضة عليه، وخاصة أن إثيوبيا ذات تاريخاً إنقلابياً جاء به نفسه للحكم. 

كما أن رسالة “الكاتب: اليمايهو ماريام” أستاذ القانون-  إلى وزير الخزانة الأمريكي، حول تهديد الولايات المتحدة لإثيوبيا بقطع المساعدات حال عدم الموافقة على اتفاقية فبراير 2020 الخاصة بالسد، وهو ما نفاه وزير الخارجية الإثيوبي جيدو  أندرجاتشاو في لقاؤه المتلفز حول العلاقات الجيدة مع الولايات المتحدة، وطالب بدعم حل الخلاف من خلال الاتحاد الإفريقي. 

وفي ظل جائحة كورونا فتقدمت الدولة الإثيوبية بالحصول على قرض من البنك الدولي الذي رفضت وساطته، كل هذه العوامل الضاغطة قد أثرت بالفعل على القرار الإثيوبي وأشارت لنجاح الدبلوماسية المصرية التي وعت أن الضغوط الدولية هي سبيل آبي لإرضاء الغرب فتوجهت للوساطة ومجلس الأمن والتي بدورها ضغطت عليه من خلال  ما كشف عنه رسالة اليمايهو  إلى وزير الخزانة الأمريكي. 

وهو ما كان اتفاق “مربح – مربح” لآبي أحمد الطامح في الاستمرار في السلطة والذي يوضح أن مشروع السد “مشروع سياسي” وليس تنموي كما تدعي الحكومة الإثيوبية، ولكن تغير مواقفه المستمرة والمماطلة في التفاوض وكسب الوقت على الأرض جعل من الخارجية المصرية لم تخضع لهذا التلاعب واستمرت في عملية التفاوض السلمي القائم على مبدأ حسن النيه واستمرار النظر في الأمر أمام مجلس الأمن للخروج باتفاق قانوني ملزم للأطراف الثلاثة، حيث أثبتت التجربة تغير الموقف الإثيوبي بتغير الحكام والمصالح على الأرض، وجاء موقف الطرف السوداني الساعي لرفع اسمه من قائمة الإرهاب للتخفيف عن الضغوط الاقتصادية مؤيداً للموقف المصري من خلال التركيز على أنه في صالح السودان كما جاء في خطابه أمام مجلس الأمن المطالبة بالتوقف عن عملية الملء قبل التأكد من سلامة السد فنياً. 

وهنا سيبقى أمام آبي الطامح في السلطة عدة محاولات لارضاء المعارضة الراغبة فقط في السلطة واشغال الحركات الانفصالية بمزيد من دعوات الانتخابات حول الانفصال، ولكن باتباع أسلوب المماطلة للوصول للاستحقاق الآخر، ووجود مشروع جديد يشغل به الداخل في حال الاستمرار في الاتفاق وعدم الرجوع عنه، أو التأكد من الحصول على التأييد الغربي لبقاؤه في سدة الحكم. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى