آسيامصر

مصر والمحور الآسيوي.. خيار متاح أم ضرورة ملحة؟

تتسم العلاقات المصرية الآسيوية بالتعاون القائم على المنفعة المتبادلة، والتي شهدت تطورات وتقارب في الرؤى على مر السنوات. ومنذ تولي الرئيس السيسي أعطى دول وسط وشرق وجنوب آسيا اهتمامًا خاصًا، وهو ما بدى واضحًا في الجولات التي يجريها الوزير سامح شكري الأخيرة وتضم دول “إندونيسيا وسنغافورة وماليزيا وباكستان”، في ظل ما يشهده العالم من تحولات واضطرابات دولية وإقليمية ناجمة عن الأزمة الروسية الأوكرانية، فضلًا عن استضافة مصر لقمة المناخ Cop 27، فما فائدة تلك الزيارات، وما تمثله من ضرورة ملحة للسياسة المصرية في الفترة الحالية؟

الدبلوماسية المصرية نحو قارة آسيا

جولة مكوكية يقوم بها وزير الخارجية سامح شكري، منذ يوم 13 مارس الماضي ومستمرة حتى الآن، في القارة الآسيوية، التقى خلالها نظراءه في كلٍ من “ماليزيا وسنغافورة وإندونيسيا وباكستان”، وعدد من القادة السياسيين ورجال الأعمال، في إطار التوجه المصري إلى دول آسيا منذ تولي الرئيس السيسي الحكم 2014، والتي ظهرت في الزيارات المتبادلة للرئيس السيسي ورؤساء دول شرق وجنوب ووسط آسيا ومنها “الصين وسنغافورة وإندونيسيا واليابان وكوريا الجنوبية وطاجيكستان”، في ظل الاستراتيجية المصرية نحو التحرك لتطوير علاقاتها وتنوع دبلوماسيتها بعيدًا عن الاستقطابات والتكتلات.

وهو ما يتزامن مع تداعيات الأزمة الروسية الأوكرانية على مختلف أنحاء العالم، والرئاسة المصرية المقبلة للدورة 27 لمؤتمر أطراف اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ COP27، في ظل حرص مصر على التشاور والتنسيق مع مختلف الأطراف في إطار العلاقات المتميزة التي تجمع مصر بتلك البلدان الصديقة، وفي ظل مشاركة مصر في الدورة 48 لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي المقرر عقدها بالعاصمة الباكستانية إسلام آباد، مما يضعنا أمام أجندة الزيارة التي تضم أبعاد الرؤية المصرية للتنمية المستدامة الثلاثة “البيئية والاقتصادية والاجتماعية”. 

قضايا التغيرات المناخية

توفر فرصة استضافة مصر لقمة المناخ المقرر لها نوفمبر المقبل منصة دولية مناسبة لعرض الأجندة المصرية في مواجهة التغيرات المناخية على المستوى الداخلي، وجلب التمويل اللازم لمواجهة تداعيات الأزمات المناخية على الدول النامية في ظل تأثر قارة أفريقيا بالجزء الأكبر من تلك التغيرات، في ظل الإعداد لاستضافة قمة المناخ Cop 27. وتُعد القمة كذلك فرصة لشرح التوجهات المصرية في مواجهة قضايا ندرة المياه والتحول للطاقة النظيفة واستخدام الهيدروجين الأخضر، وجذب الاستثمارات وسبل تمويل قضايا المناخ التي تساعد على تنفيذ اتفاق باريس للمناخ وأجندة قمة المناخ 26، والحد من انبعاثات الكربون. 

وتتزامن هذه الزيارة مع الإعلان الإثيوبي بالبدء بالملء الثالث في سد النهضة، مما يحتاج إلى طرح أزمة السد على الأجندة الدولية، وشرح مخاطرها على الأمن المائي لدولتي المصب “مصر والسودان” وعرض وجهة النظر المصرية وشرحها أمام العالم. وقد سبقت الزيارة زيارة رئيس طاجيكستان إلى القاهرة بوصف طاجيكستان دولة غنية بالموارد الطبيعية والمائية، وهي من أكثر الدول المتأثرة بالتغيرات المناخية، ومن ثم تم توقيع برتوكول تعاون في عدة مجالات وعلى رأسها توليد الطاقة الكهرومائية في ظل استضافة مصر لمؤتمر المناخ.

واستهل شكري، بوصفه الرئيس المُعين للدورة ٢٧ لمؤتمر أطراف اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ، أُولى محطات الجولة الآسيوية بلقاء رئيس الوزراء الماليزي إسماعيل صبري يعقوب، حيث سلّمه رسالة من الرئيس عبد الفتاح السيسي حول العلاقات الثنائية والتعاون المشترك بين البلدين وسبل الدفع قدمًا بها على الأصعدة المختلفة، فضلًا عن تناول الجهود الجارية للإعداد لمؤتمر المناخ COP27. واجتمع ووزير البيئة والمياه الماليزي “توان إبراهيم توان مَن”، وكان أهم الموضوعات المطروحة على جدول الأعمال التكيُف مع تغير المناخ وتداعياته السلبية، وتوفير تمويل المناخ للدول النامية، فضلًا عن جهود خفض الانبعاثات، بجانب تعزيز الدول لإسهاماتها المحددة وطنيًا وفق اتفاق باريس. 

واستقبل رئيس الوزراء السنغافوري “لي هسين لونج” وزير الخارجية سامح شكري، في ثاني جولاته الآسيوية، سلمه خلالها رسالة من الرئيس السيسي حول العلاقات الثنائية والتعاون المشترك وتناول الجهود الجارية للإعداد لمؤتمر المناخ Cop 27. وقابل وزيرة الاستدامة والبيئة السنغافورية “جريس فو” لتبادل الرؤى حول موضوعات المناخ بوصفها أولوية للبلدين، والتقى كذلك وكبير الوزراء السنغافوري لتنسيق السياسات الأمنية، ورئيس اللجنة الوطنية الوزارية لتغيُر المناخ “تيو تشي هين”، لبحث سبل تعزيز التعاون والتنسيق بين الجانبين في مجال المناخ.

وفي العاصمة الإندونيسية جاكرتا التقى شكري ووزيرة المالية الإندونيسية “سري مولياني إندراوتي”، لتعزيز العلاقات الاقتصادية وفرص التعاون التنموي، في ظل استضافة إندونيسيا القادمة وترؤسها لمجموعة العشرين G20، مع التأكيد على أهمية خروج تلك القمة بنتائج قوية حول تمويل المناخ ودعم جهود الدول النامية في هذا الصدد، بما يُسهم في التوصل إلى نتائج طموحة خلال مؤتمر أطراف اتفاقية المناخ في ظل الرئاسة المصرية. 

ووقع وزير الخارجية على مذكرة تفاهم للتعاون في مجال حماية البيئة والتنمية المستدامة مع وزيرة البيئة والغابات الإندونيسية “سيتي نوربايا باكار”. وتوسعت اللقاءات لتضم أكبر القيادات السياسية حيث استقبله الرئيس الإندونيسي “جوكو ويدودو” سلّمه فيها رسالة من الرئيس السيسي تناولت مجمل موضوعات التعاون الثنائي وأُطر التعاون المشترك بين البلدين وسبل تعزيزهما بما يتناسب مع تطلعات البلدين والجهود الجارية للإعداد لمؤتمر المناخ COP27. 

وفي باكستان، تسلم رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان رسالة الرئيس السيسي حول جهود الإعداد لمؤتمر المناخ، وزيادة التعاون واتخاذ وتعزيز الرؤى المشتركة للدولتين في المحافل الدولية حول القضايا ذات الاهتمام المتبادل، والتقى ووزيرة الدولة الباكستانية لتغير المناخ “زرتاج جول وزير”، وناقشا سبل التكيف مع التغيرات المناخية ومواجهة تداعياتها السلبية، وتوفير التمويل للدول النامية وجهود خفض الانبعاثات، وتعزيز الدول لإسهاماتها المحددة وطنيًا. 

الجانب الاقتصادي

تطورت العلاقات المصرية الآسيوية منذ تولي الرئيس السيسي مقاليد الأمور عام 2014 بشكل عام، وعلى وجه الخصوص شهد حجم التبادل التجاري بين مصر وماليزيا زيادة في عام 2021 ليصل إلى ما يقرب من مليار دولار أمريكي، بزيادة بلغت أكثر من ٨٠% مقارنة بعام 2020، وهو ما جاء في لقاء شكري والوزير الأول وزير التجارة الدولية والصناعة الماليزي “محمد عزمين علي” لبحث سبل تطوير التعاون في مجالات التجارة والاستثمار، وشارك شكري كذلك في عشاء عمل يجمع كلًا من وزيري المالية والاقتصاد، وكبار قادة وممثلي مجتمع الأعمال الماليزي.‬‬‬‬‬‬ وفي سنغافورة، اجتمع شكري ووزير الخارجية السنغافوري الدكتور “فيفيان بالاكريشنان” استمرارًا للقاءات رفيعة المستوى؛ للدفع بسبل التعاون الثنائي في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية.‬‬‬

وفي إندونيسيا التقى ووزيرة المالية الإندونيسية “سري مولياني إندراوتي”، لتعزيز العلاقات الاقتصادية وفرص التعاون التنموي، في ظل استضافة إندونيسيا القادمة وترؤسها لمجموعة العشرين G20، والتقى وأمين عام رابطة دول جنوب شرق آسيا آسيان “داتو ليم جوك هوي”؛ لبحث كافة أُطر التعاون بين مصر والرابطة.‬ وتشترك مصر وماليزيا في مجموعة الـ 15 وهي منظمة دولية انبثقت عن القمة التاسعة لحركة عدم الانحياز في بلجراد 1989، وتوسعت لتصبح 18 عضوًا تحت نفس المسمى، بهدف دعم المنظمات الدولية لزيادة التعاون مع الدول النامية في مجالات التجارة والاستثمار والتقنية الفنية والتكنولوجية. 

الجانب الاجتماعي والثقافي والأمني

تناول جدول الزيارة عدة لقاءات دبلوماسية اشتملت على لقاء كبير الوزراء السنغافوري لتنسيق السياسات الأمنية “تيو تشي هين”، لتبادل الرؤى بشأن أهم المسائل والقضايا الإقليمية والدولية، وتقييم تأثيراتها؛ فضلًا عن التباحث حول سبل التعاون في مجال مكافحة الإرهاب، وكذلك إقامة غداء عمل على شرفه مع وزير التنمية الاجتماعية والأسرة “مساجوس ذولكيفلي”‬‬‬‬ لاستعراض جهود الدولة المصرية في مجال التنمية الاجتماعية، وبحث سبل التعاون في المجالات الثقافية والدينية. 

واشتملت الزيارة على عقد المؤتمر الصحفي المشترك بين وزير الخارجية سامح شكري ووزير الخارجية الماليزي سيف الدين بن عبد الله، والتقى شكري كذلك الوزير الأول وزير الدفاع الماليزي هشام الدين حسين لبحث عدد من موضوعات التعاون الثنائي بين مصر وماليزيا، وسبل دفع العلاقات الثنائية قدمًا نحو آفاق أرحب.

هذا إلى جانب لقاء رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان لتعزيز قدرات البلدين المشتركة في مواجهة التحديات المشتركة، وعلى رأسها جهود مكافحة الإرهاب، إلى جانب لقاء رئيس أركان الجيش الباكستاني الجنرال “قمر جاويد باجوا”، ولقاء نظيره الباكستاني مخدوم شاه محمود قريشي، في ظل اللقاءات المتبادلة رفيعة المستوى بين البلدين، حيث زار الأخير القاهرة في فبراير 2021، وعقد فعاليات الجولة التاسعة من المشاورات السياسية بين البلدين بالقاهرة في مارس 2021، وما تبع ذلك من زيارات متبادلة بين الجانبين. 

وتقدم وزارة الخارجية المصرية من خلال الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية عددًا من المنح الطلابية في مجالات التعليم العالي والأزهري إلى دول آسيا الوسطى، مما يعمق من نشر الفكر الوسطي ومكافحة الإرهاب والتطرف بوصفه أحد طرق مواجهة جذور الفكر الإرهابي بما ينعكس على دحض الفكر المتطرف.

التقارب الآسيوي ضرورة ملحة للسياسة المصرية

تنبع أهمية الزيارة الحالية في ظل ما تتمتع به الدولة المصرية من علاقات قوية مع هذه الدول تسعى إلى تعميقها في ظل المتغيرات الدولية، وخاصة في مجالات تنمية الفكر المتسامح، ومواجهة الفكر المتطرف، وتعزيز الحوار والتعايش السلمي والذي يلعب فيه الأزهر دورًا محوريًا. وقد تم توقيع عدة مذكرات تفاهم بين القاهرة وجاكرتا في مناسبات مختلفة، وظهر كذلك في لقاء الرئيس السيسي خلال زيارته لسنغافورة 2015 وفضيلة مفتي سنغافورة، ورئيس مركز الوئام الديني، وممثلي كافة الطوائف الدينية في سنغافورة؛ بهدف التعريف بالمبادئ السمحة للدين الإسلامي، وتعزيز الحوار بين مختلف الأديان والمعتقدات، والعمل على زيادة الاندماج والتعايش السلمي.

هذا إلى جانب الاستفادة من التعاون الأمني والعسكري بين مصر والدول الآسيوية في المجالات العسكرية والتدريبات المشتركة والإنتاج العسكري؛ لتبادل الخبرات وتقوية العلاقات على كافة المستويات، وهو ما شهدته الزيارات المتبادلة على مستوى كبار القيادات بين تلك البلدان بشكل عام، وعقد مصر وباكستان بشكل دوري اجتماعات لجنة الدفاع المشترك بين البلدين، والتعاون في مجال الدفاع والصناعات العسكرية، فضلًا عن برامج التدريب المشتركة والتي كان آخرها تدريب “حماة السماء – 1”.

وتأتي الزيارة كذلك في ظل رئاسة مصر للدورة 27 لمؤتمر أطراف اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ COP27، ورئاسة باكستان الحالية لمجموعة الـ٧٧ والصين، وتهدف هذه المجموعة إلى ترقية المصالح الاقتصادية لأعضائها والتي توسعت لتصل إلى 130 دولة بجانب الصين، مما يجعلها ذات قوة وقدرة تفاوضية مشتركة ضمن نطاق الأمم المتحدة. هذا إلى جانب استضافة ورئاسة إندونيسيا لمجموعة العشرين G20 القادمة، مما يعكس ضرورة اتخاذ إجراءات ووضع رؤية مشتركة لخروج تلك القمة بنتائج قوية حول دعم وتمويل جهود الدول النامية في مجابهة التغيرات المناخية. 

وكذا، تعد الزيارة فرصة لزيادة التعاون الاقتصادي، وبناء سلة للعملات، وجذب مزيد من الاستثمارات، وإعطاء رسالة طمأنة للمستثمرين من تلك البلدان في ظل الأزمات المالية العالمية المتأثرة بالأزمة الروسية الأوكرانية، فقد زادت صادرات مصر مع دول شرق آسيا بحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عام 2020 بنسبة 25.7%. بقيمة 4.1 مليار دولار مقابل 3.2 مليار دولار عـام 2019، وجاءت أهم تلك الدول “ماليزيا – الصين – الهند – اليابان – إندونيسيا – باكستان – تايــلانـد- كوريا الجنوبية – سنغافورة – بنجلاديش”.

وفي المقابل بلغ إجمالي قيمة الواردات من دول شرق آسيا 20.8 مليار دولار عام 2020 مقابل 22.0 مليار دولار عام 2019 بنسبة انخفاض قـدرها 5.5%. وتعد دولة سنغافورة ذات تجربة اقتصادية رائدة تسعى الدولة المصرية إلى الاستفادة منها، وجذب استثمارات جديدة لمحور تنمية قناة السويس، وإدارة الموانئ وتحلية المياه وبناء القدرات وتدريب الكوادر. 

مما سبق يمكن القول إن الزيارة الحالية تعكس الجهود المصرية لمواجهة التغيرات الدولية من خلال سياسة خارجية قائمة على تطور العلاقات الثنائية بين مصر ودول شرق وجنوب آسيا؛ فبالإضافة إلى التعاون الاقتصادي والعسكري وقضايا مكافحة الإرهاب، جاءت الزيارة لبناء رؤى موحدة حول القضايا الإقليمية والدولية في ظل ما يشهده العالم من تغيرات في التكتلات والقوى الدولية، مما يحتاج إلى تضافر وتكاتف الجهود الدولية لمواجهة هذه التحديات في ظل ما يجمع مصر وهذه الدول من تحديات دولية وداخلية متشابهة، ومن ثم بناء سياسة خارجية قائمة على العلاقات المتوازنة، ومد جسور التواصل والروابط المشتركة. ولتجنب معوقات زيادة التبادل التجاري، تم توقيع مذكرة تفاهم مع الجانب الإندونيسي لإنشاء اللجنة المشتركة، مما سيسهم في الترويج للفرص الاستثمارية بين البلدين وزيادة التعاون الاقتصادي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى