السودان

خارطة طريق مصرية سودانية لمواجهة المستجدات على الساحة الدولية والإقليمية

مستجدات سياسية واقتصادية وراء جولة رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان الخارجية وآخرها إلى القاهرة؛ حيث استقبله الرئيس عبد الفتاح السيسي بمراسم رسمية صباح اليوم 30 مارس 2022، في ظل تشابك العلاقات المصرية السودانية حول العديد من القضايا الإقليمية في إطار بعدهما العربي والأفريقي، والشراكة كروافد دول المصب لحوض النيل، في ظل السياسة المصرية الثابتة تجاه محيطها العربي والأفريقي، والدعم الدائم لأشقائها القائم على المساندة وتقديم الدعم للدول الوطنية لتحقيق الاستقرار، مما ينعكس على المصالح المشتركة للبلدين، فما هي هذه المستجدات وما هي خارطة طريق البلدين لمجابهتها؟ 

زيارات متبادلة وقضايا متشابكة:

حرص الرئيس السيسي منذ توليه الحكم عام 2014 على استعادة زخم العلاقات المصرية السودانية، فكانت السودان من أولى زياراته الخارجية، واستمرت اللقاءات المتبادلة بين الجانبين في القاهرة والخرطوم، وكان آخر لقاء جمع بينهما في مايو 2021، على هامش مؤتمر دعم المرحلة الانتقالية في السودان، وقبلها استقبل البرهان الرئيس السيسي في الخرطوم في مارس من نفس العام. 

وتأتي الزيارة الحالية للفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان إلى القاهرة كخامس محطة خلال هذا الشهر، فقد قام بزيارة إلى الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وأوغندا وجنوب السودان، وتتزامن مع عدد من المستجدات الإقليمية ذات الاهتمام المشترك بين البلدين على الصعيد الدولي والإقليمي والمستوى الثنائي أيضًا. 

وتتمثل المستجدات التي تعيشها المنطقة في تأثير الأزمة الروسية الأوكرانية على الصعيد الاقتصادي العالمي، وبالتالي الجانب الاقتصادي المحلي للدولتين، وخاصةً الاحتياجات الغذائية إذ تستوردان النسبة الأكبر من القمح من هاتين الدولتين، مما يتطلب زيادة للتنسيق الاقتصادي والتجاري وتفعيل المشروعات التكاملية، في ظل التوجه نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي للدول وفقًا لما أثبتته التحديات العالمية.

وأدت الأزمة الاقتصادية العالمية نتيجة فرض العقوبات الغربية على روسيا إلى تعميق الأزمات الداخلية للسودان، والذي يعاني بالفعل من اضطرابات داخلية ناتجة عن ارتفاع أسعار السلع الأساسية من أسعار الوقود والغذاء، بالتزامن مع الاحتجاجات التي تنظمها القوى الثورية في ظل الخلاف حول المرحلة الانتقالية عقب حركة إصلاح المسار التي قادها البرهان في 25 أكتوبر 2021، إلى أن وصل الطرفان إلى النقاش حول قبول المبادرة التي أطلقتها الأمم المتحدة للحوار السوداني.

ذلك في ظل الموقف المصري الذي يدعم استقرار الدولة السودانية والوصول لنقاط تفاهم مشتركة لتهدئة الوضع الداخلي، والذي يعاني كذلك من اضطرابات حدودية مع الجارة الإثيوبية حول منطقة الفشقة، خاصةً مع اقتراب موسم الأمطار والحصاد، والذي يتزايد فيه الاضطراب في محاولة سيطرة مزارعين إثيوبيين مدعومين من جماعة الشفتة الأمهرية المسلحة والمدعومة من حزب الازدهار بقيادة آبي أحمد على الأراضي الخصبة السودانية، إلى جانب الاضطرابات في دارفور ومسار الشرق السوداني. هذا إلى جانب تأثير أزمة سد النهضة على دولتي المصب خاصة في ظل تأثر السدود السودانية وخاصةً سد الروصيرص من الإجراءات الأحادية التي تنتهجها الدولة الإثيوبية، مع الحديث على احتمالية البدء في عملية الملء الثالث للسد. 

وهو ما ينقلنا إلى الأزمات الإقليمية في ظل مشاركة القوات السودانية في قوات التحالف في اليمن لمواجهة جماعة الحوثي المدعومة من إيران، والتي قادت عدة هجمات بالطائرات المسيرة والصواريخ ضد المقدرات النفطية للمملكة السعودية مؤخرًا في ظل أزمة النفط العالمية. وتتزامن الزيارة كذلك مع استضافة مصر للفرقاء الليبيين لبحث إنهاء الانقسام الداخلي، ومجابهة قضايا المرتزقة التي تهدد الأمن الداخلي الليبي والعابر للدول المجاورة، خاصة في الجنوب الليبي، في ظل المشاركة السودانية في اللجنة العسكرية 5+5. 

خارطة طريق حول الموضوعات المشتركة

يؤكد البيان المشترك للقاء الذي جمع بين الرئيس السيسي والبرهان والذي جاء برفقة الفريق أول أحمد إبراهيم، مدير جهاز المخابرات العامة السودانية وأعضاء السفارة السودانية بالقاهرة، على الدعم المصري للسودان في تحقيق الاستقرار الداخلي، وتقديم المساعدات، والدعم المصري على المستوى العربي والأفريقي، واتخاذ مواقف مشتركة وداعمة للموقف السوداني في قمة جامعة الدول العربية المقرر لها نوفمبر المقبل، وكذلك لقاءات الاتحاد الأفريقي، ويمكن تقسيمها إلى التالي: 

تحقيق الاستقرار الداخلي: خرج اللقاء بالتأكيد على دور القاهرة في تهدئة الوضع الداخلي والذي يعيشه السودان منذ 25 أكتوبر الماضي، والتأكيد المصري الدائم الدبلوماسي والسياسي على دعم استقرار السودان والحفاظ على مقدرات الدولة الوطنية، وبحث المبادرة الأممية لتقريب وجهات النظر بين الفرقاء، وتنفيذ اتفاق جوبا للسلام أكتوبر 2020 والذي رعته القاهرة، لحل الأزمة الداخلية الحالية، في ظل الموقف الاقتصادي المعقد.

وكذلك رفع مستوى التنسيق التجاري والاقتصادي بين البلدين حتى لا تؤثر التطورات التي تشهدها الساحة الدولية على جهود الدولة السودانية في تحقيق الأمن والاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي للبلاد، من خلال زيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين، ووضع رؤى مشتركة حول الأوضاع الحدودية، وتفعيل سبل التعاون الاقتصادي والمشروعات التكاملية من خلال تعظيم جهود تحقيق التكامل الزراعي ومشروع ربط السكك الحديدية ومشروع الربط الكهربائي بين البلدين، مع استمرار مصر في إرسال حزم المساعدات والدعم اللوجستي والإنساني، وتقديم الدعم الفني للكوادر السودانية، وتفعيل كافة برامج التعاون الثنائي؛ وذلك انطلاقًا من مساندة مصر غير المحدودة للسودان في كل المجالات وعلى مختلف الأصعدة، في ظل الارتباط الوثيق للأمن القومي المصري والسوداني.

الحفاظ على الأمن السوداني: أظهر البيان الدور المصري في الدعم السوداني في مختلف المحافل للحفاظ على أمن واستقرار السودان، وهو ما يدل على الموقف المصري الداعم لاستقرار السودان والحفاظ على الأمن السوداني، من خلال تعميق التعاون المشترك على الصعيدين الأمني والعسكري، واتخاذ القاهرة مواقف ثابتة تجاه الوضع السوداني الداخلي في ظل ما يعانيه من مناوشات على الحدود الشرقية مع الجانب الإثيوبي، وخاصةً في منطقة الفشقة الحدودية، وبالتالي احتياج السودان الدعم المصري على مستوى الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية من خلال دعم السودان في حماية حدودها الشرقية ضد التدخلات الإثيوبية، وكذلك دعم السودان في تنفيذ اتفاق جوبا للسلام 2020، لتحقيق السلام بين الفصائل السودانية الموقعة على الاتفاق وإدماج الفصائل المسلحة في جيش وطني موحد حتى لا تهدد الاستقرار الداخلي في السودان، وتحقيق الاستقرار في منطقة آبيي الحدودية من خلال تقارب وجهات النظر بين السودان وجنوب السودان.  

قضايا المياه: فبجانب المساعدات التي تقدمها الدولة المصرية على صعيد التنمية ومواجهة الدولة السودانية لتأثيرات الفيضانات، وقضايا التنمية والعمل على مواجهة تأثير التغيرات المناخية على قضايا المياه في دولتي المصب، والعمل على الاستثمار في الاستفادة من الموارد المائية النادرة في الدولة المصرية؛ جاء اللقاء ليؤكد على استمرارية التنسيق المتبادل والتشاور المكثف حول الأهمية القصوى لقضية المياه لدولتي المصب، والوصول إلى اتفاق قانوني عادل ومنصف وملزم لعملية ملء وتشغيل السد، بما يحقق المصالح المشتركة لجميع الأطراف. وذلك في ظل الموقف الأحادي الإثيوبي وعدم التنسيق بشأن البيانات والمعلومات الصحيحة حول عمليات الملء، مما سيكون له بالغ الأثر على موسم الفيضانات والأمطار على الجانب السوداني. 

وكذا، ستشهد استضافة مصر لمؤتمر المناخCOP27  زخمًا دوليًا لمناقشة القضية الإقليمية وتأثيراتها الدولية، في ظل تأثير القرارات الأحادية على عمليات التنمية المتكاملة لدول حوض النيل، في ظل التأثيرات المتضاعفة للتغيرات المناخية، وجهود الدولة المصرية لتحقيق التنمية مع دول حوض النيل، ولعل هذا ما أسفرت عنه الزيارة الأخيرة لرئيس دولة رواندا بول كاجامي إلى القاهرة، في ظل التعاون القائم على التنمية المتكاملة لدول الحوض. 

التنسيق بشأن القضايا الإقليمية: ترتبط دولتا مصر والسودان بعلاقات حدودية لصيقة بالدولة الليبية، ومن ثم فإن الخروج باتفاق مشترك حول أهمية الحفاظ على استقرار الدولة الوطنية الليبية ووحدة أراضيها يمثل أهمية للدولتين. وذلك بالتزامن مع استقبال الرئيس السيسي بالأمس محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي الليبي، والعمل تنفيذ كافة المخرجات الأممية، والوصول لحل سياسي “ليبي ليبي”، دون إملاءات وتدخلات خارجية، والرؤية المشتركة حول ضرورة خروج القوات الأجنبية والمرتزقة والمقاتلين الأجانب في مدى زمني محدد، تنفيذًا للقرارات الأممية والدولية والإقليمية ذات الصلة، مع ضرورة استمرار لجنة 5+5 العسكرية المشتركة في عملها، والتزام كافة الأطراف بوقف الأعمال العسكرية حفاظًا على أمن واستقرار ليبيا ومقدرات شعبها، وهو ما جاء في البيان المشترك.

اتسمت الأجندة المصرية خلال هذا الأسبوع بالزخم في قضايا دوائر الأمن القومي المصري الاولى، فاستقبلت القاهرة على مدار الأيام الاخيرة الماضية محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي الليبي، ورئيس مجلس الانتقال السوداني ورئيس دولة رواندا، وهو ما يضع لنا خارطة مصرية خالصة في الحفاظ على الأمن القومي المصري في ظل ارتباطه بالأمن القومي الإقليمي، وربطه بقضايا التنمية في ظل الاضطرابات التي تشهدها الساحة الدولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى