أفريقيا

دارفور .. هل سيشهد الإقليم استقرارًا؟

يعيش دارفور حالة من عدم الاستقرار والنزاعات المسلحة والقبلية، بدأت منذ عام 2003 ضد حكومة البشير في جبل مرة على يد حاكمها الحالي مني أركو مناوي الأمين العام لحركة تحرير السودان جبهة عبد الواحد محمد نور، قبل أن ينفصل عنه ليصبح حاكمًا للإقليم في مايو 2021 تنفيذًا لاتفاقية جوبا للسلام 2020، وقادت العمليات بجانبها حركة العدل والمساواة الإخوانية المنسوبة للترابي بدافع ما اعتبروه اضطهادًا من الحكومة المركزية لسكان دارفور من غير العرب.

ولم تنجح التغيرات الانتقالية في حل الأزمة من جذورها، فتزايدت حدتها مع حالة عدم اليقين التي يعيشها السودان في ظل عدم الاتفاق على الحكومة الانتقالية الحالية وبالتالي تعطيل تنفيذ اتفاقيات السلام، مما أدى لتعميق الصراع وكان آخره أحداث بلدة “كرينك” الواقعة على بعد 80 كيلو مترًا شرق مدينة الجنينة نتيجة النزاع القبلي، والتي أودت بحياة ما يزيد عن مئتي شخص. فهل سيؤدي هذا الصراع الدائر إلى تدخل المجتمع الدولي في ظل ما ينادي به أركو مناوي، وقرار التحقيق الدولي في هذا الصراع، وما هي عناصر المشكلة الحالية، وأبعادها الإقليمية وهل ستصل دارفور إلى الاستقرار يومًا مع استمرار الخلاف على السلطة في الخرطوم؟ 

أزمات دارفور

النزاعات القبلية: لم يستطع التدخل عسكريًا في حسم النزاعات القبلية بين قبيلتي “الفلاتة والرزيقات”، والذي أودى بحياة 45 شخصًا في بداية الشهر الماضي إثر استهداف أحد أفراد قوات الدعم السريع، وتوجيهات محمد حمدان دقلو (حميدتي) بالحسم عسكريًا ضد أي تجمعات من خلال التعاون مع أمن جنوب دارفور، وترتبط النزاعات القبلية في الإقليم باتهامات لقوات عسكرية بالتدخل لحماية عرقيتهم، وتشهد ولاية غرب دارفور نزاعًا ببلدة كرينك، وهي منطقة يقطنها نحو 500 ألف نسمة معظمهم يتبعون قبيلة المساليت غير العربية، وتبعد نحو 80 كم عن مدينة الجنينة عاصمة الولاية التي ينظر إليها على أنها مصدر قوة القبائل الأفريقية.

وتشهد مناطق عدة في دارفور اشتباكات دموية بين القبائل العربية والإفريقية، وهو النزاع الذي بدأ منذ عقود بين القبائل العربية وقبيلة المساليت التي تشردت على مدار العقديين الماضيين، في ظل اتهامات بدعم قوات الجنجويد والمنبثق منها قوات الدعم السريع للقبائل العربية وانتماء أعضاء الشرطة للمساليت، في ظل وجودها تحت قيادة “حميدتي” صاحب الأصول العربية التشادية المنتمي لإقليم دارفور، والتي اتُهمت بتجنيد مقاتلين عرب وتشاد ودول الساحل الأخرى، في محاولة لتعزيز نفوذه وطموحاته السياسية في المنطقة من خلال استغلال العنف الطائفي لتغيير شكل الدائرة السياسية في دارفور؛ فيما لم يعلق حميدتي على الأمر. 

أزمة اللاجئين: أثرت أزمة دارفور على نزوح ما يصل إلى 5,2 ملايين نازح داخليًا وعلى الحدود، واستهدفت الضربات إخلاء بعض المدن من سكانها وتفكيك مخيمات اللاجئين مثل معسكر “كلمة” أكبر مخيمات اللاجئين في الإقليم، في محاولة وصفها البعض بأنها إخفاء لدلائل الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها النظام السابق والذي يواجه الآن اتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية والتطهير العرقي، كما أدى التخوف وفقدان الثقة في المنظومة الأمنية السودانية عقب انسحاب القوات الأممية والإفريقية المشتركة من العودة “الطوعية” لسكان الإقليم والتي تعهدت الشرطة بحمايتها.

وهو ما دفع لمطالب أممية بالتحقيق في تلك الهجمات التي اعتبرتها مُنظمة ومرتبة، كما أدان الممثل الخاص للأمم المتحدة فولكر بيرتيس عمليات القتل في غرب دارفور، وتذكير الجماعات المسلحة بدورها في اتفاق السلام ودعوة القوات المسلحة السودانية بالإسراع في نشر قوات حفظ السلام المشتركة في الإقليم وتقديم مرتكبي تلك الجرائم للعدالة الناجزة، في ظل ما وصفه المراقبون الأمميون أن الأحداث الحالية هي أحد أسباب غياب العدالة والإفلات من العقاب، في ظل الأوضاع الإنسانية المتردية التي تتفاقم نتيجة الاضطرابات الأمنية في البلاد. 

الصراع على الموارد: أدت طبيعة الحياة القائمة على الرعي والزراعة في الصراع على الأرض والموارد والانتقال في الإقليم، وهو ما استغلته القوى الدولية والإقليمية في ظل الموقع الجيوسياسي المميز للإقليم، فتشير التقديرات إلى وجود احتياطات كبيرة من النفط واليورانيوم التي يشترك فيها الإقليم مع دولتي تشاد وجنوب ليبيا وإفريقيا الوسطى، في ظل النزاع على الموارد الذي تقوده القوى الدولية في المنطقة بقيادة فرنسا والغرب ممثلة في الولايات المتحدة، والتي تحاول أن تجد بديلًا عن النفط الروسي، وروسيا التي تتواجد في المنطقة من خلال القوات شبه العسكرية غير الرسمية “فاجنر”، التي تسيطر كذلك على عمليات التنقيب عن الذهب في ظل الاتهامات التي تشير إلى تعاون قوات الدعم السريع وحكومة روسيا للسيطرة على الموارد الطبيعية في الإقليم، وهو ما ظهر في زيارة حميدتي إلى موسكو في فبراير الماضي بالتزامن مع العمليات الروسية في أوكرانيا، وتوصيلها عبر أفريقيا الوسطى وتشاد إلى السودان، ولعل هذا السبب وراء تفاقم الأزمة الأخيرة عبر مقتل أحد جنود القوات العائد من أفريقيا الوسطى وامتداد النزاع إلى الجنينة. 

النظام الأمني في الإقليم: ينص اتفاق جوبا للسلام على إدماج الحركات المسلحة داخل الجيش النظامي الوطني للسودان، فيما يرفض حميدتي نشر قوات “الجنجويد” داخل المنظومة الأمنية والتي تشكلت بدايةً من أبناء دارفور قبل أن ينضم إليها أفراد من الولايات الأخرى وهي نفسها التي قادها البشير لمحاربة الحركات المسلحة المشكلة لمواجهة الحكومة المركزية،  فيما تشهد المنطقة وجود الحركتين المسلحتين حركة تحرير السودان جناح عبد الواحد نور والذي لم يدخل اتفاق السلام بعد وحركة العدالة والمساواة، مما يعقد المشهد الأمني في دارفور في ظل حالة عدم الاستقرار والخلاف بين المكون العسكري بقيادة البرهان وحميدتي قائد قوات الدعم السريع، وبالتالي ضعف الدولة في السيطرة على النزاعات في الإقليم، خاصةً مع تمدد أمد النزاعات في أماكن أخرى من البلاد. 

فيما يطالب المراقبون بضرورة تطبيق بند الترتيبات الأمنية الذي يكفل لدارفور 12 ألف جندي مناصفة بين القوات الحكومية وقوات الفصائل الموقعة على اتفاق السلام، ينتشرون في الإقليم لاستتباب الأمن كنواة لقوات حفظ السلام في إقليم دارفور، والتي تحول الإجراءات الإدارية واللوجستية ومشكلات التمويل دون تطبيقها بشكل فوري وأدت لتأخر تخريج الدفعة الأولى وقوامها 2000 مقاتل من الجماعات المسلحة، ومطالبة حاكم دارفور مني أركو مناوي تسليم حكومة الإقليم لمسؤولية القوات النظامية المختلفة في ظل اتهامه لهم في مشاركة أو التواطؤ لبعض القوات الأمنية مع الأحداث الدامية التي تشهدها ولاية غرب دارفور في ظل حالة الفراغ الأمني التي تسبب فيها انسحاب قوات اليوناميد، مما يؤخر حل الأزمة الحالية والتي تحتاج لقوات حكومية موحدة على علم بحالة الصراع في المنطقة بعيدًا عن قوات الحكم الذاتي والتي قد تشكل قوات هجومية حال الخلاف مع الحكومات المركزية كما يحدث في إثيوبيا. 

واستطاع اجتماع المجلس الأعلى للترتيبات الأمنية الوصول لاستكمال تدريب عناصر من الحركات المسلحة قوامها 350 فردًا لحماية وحراسة الشخصيات الهامة، وهو ما يُعد خطوة إيجابية نحو تنفيذ الاتفاق وإخلاء الاقليم من السلاح، حتى مع بدء التنفيذ.

قانون نظام الحكم الإقليمي لدارفور: وهو القانون الذي يسمح بالحكم الإقليمي الذاتي لمنطقة دارفور مستندًا على الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية 2019 المعدلة 2020 في ظل تنفيذ بنود اتفاق جوبا للسلام أكتوبر 2020، وكان قد أقره المجلس السيادي الانتقالي في يوليو 2021، ولكن تم تعطيله بموجب حركة تعديل المسار كما يطلق عليها رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان في 25 أكتوبر الماضي. 

واشتمل نص الاتفاق على “المهام الإدارية والاقتصادية منها والعمل على إيقاف جوانب الحرب، وعودة النازحين واللاجئين، إضافة إلى الدور التنموي للإقليم من خلال تحديد العلاقات الرأسية ما بين مجلس الوزراء ومستويات الحكم الأخرى وحكومة الإقليم في دارفور، والتعامل ما بين حاكم الإقليم والولاة والمحليات”. 

تكمن مشكلة هذا القانون، في عدم الاتفاق بعد على النظام الفيدرالي الحاكم للسودان، وتنوع نظام الحكم في البلاد بين الذاتي والإقليمي والولايات، مع استمرار المعارضة لسيطرة المكون العسكري على البلاد، وبالتالي فإن إقرار هذا القانون سيكون بمثابة نقطة نحو انفصال القوميات، مع تزايد النزاع نتيجة اعتبار الأمر بمجرد محاصصة سياسية بين الحكومة الانتقالية غير المتفق عليها والمعارضة، مما سيعمق من حالة عدم الاستقرار، وهو ما يحتاج إلى حوار سياسي ووطني مع مختلف المكونات، والوصول بحكومة وفترة انتقالية متفق عليها في السودان في ظل غياب التجانس بين كافة الأطراف وتأخير عملية إكمال هياكل سلطة حكومة الإقليم مما عمق من الفراغ الدستوري والسياسي في الإقليم.

بعثة الأمم المتحدة في دارفور: أدى الاقتتال المندلع منذ عام 2003، وتدخل قوات البشير بقيادة قوات الجنجويد المُشكلة وفقًا لرؤية القذافي إلى نشر الهوية العربية الإسلامية في أفريقيا واستدعاها البشير، إلى إحداث اتهامات بارتكاب النظام الإخواني لجرائم ضد الإنسانية في الإقليم حيث وجّهت المحكمة الجنائية الدولية اتهامات إلى الرئيس السابق عمر البشير بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وإبادة في دارفور، مما عمق من الأزمة داخل المنطقة التي شهدت ما يقرب من 300 ألف قتيل وتشريد نحو 2,5 مليون آخرين، وفقًا للبيان الأممي، كونت على إثرها الأمم المتحدة أكبر بعثة لحفظ السلام في الإقليم نتيجة التدخل العسكري السافر وإحلال السلام في إقليم دارفور بغرب السودان يوليو2007 بقرار مجلس الأمن رقم (1769)، وهي البعثة المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي لحفظ السلام في دارفور (يوناميد)، والتي لم تنجح جهودها في وقف الاقتتال المتجدد ورعاية الاتفاقيات ولكنها ساعدت على حماية المدنيين النازحين بسبب الصراع لمدة 13 عامًا، كما عملت على مراقبة الوضع على طول الحدود بين تشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى، فتبنى مجلس الأمن الدولي في 22 ديسمبر 2020، عقب تشكيل الحكومة الانتقالية السودانية وتوقيع اتفاقية السلام مع الحركات المسلحة وفقًا لاتفاق جوبا 2020، وبطلب منها وتوصية من الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة قرارًا رقم (2559) بإنهاء تفويضها اعتبارًا من 31 ديسمبر 2020 بميزانية قدرها 80 مليون دولار أمريكي لدعم خطة الانسحاب وإغلاق مواقع البعثة الـ 14 نهائيًا في موعد لا يتعدى 30 يونيو 2022، والتي عانت من درجات متفاوتة من التدمير والسرقة. 

وهو ما خلق حالة من الفراغ الأمني في ظل تأخير هيكلة القوات في الإقليم؛ بينما تتواجد بعثة الأمم المتحدة لدعم الحكومة الانتقالية السودانية “يونيتامس” المشكلة في 2020 والتي يقتصر دورها على دعم الانتقال السياسي، ودعم اتفاقية السلام وبناء السلام، وحماية المدنيين، وحشد الموارد لدعم العملية الانتقالية دون وجود جنود أو مكونات على الأرض، والعمل على معالجة جذور المشكلة لتحقيق التنمية والسلام الدائم. 

ومع انسحاب بعثة اليوناميد يبرز دور بعثة اليونيتاميس في عملية بناء السلام وحماية المدنيين من خلال التنسيق مع الحركات المسلحة والحكومة الانتقالية، والوصول بالحوار الوطني بين القوى المدنية والحكومة الانتقالية لتحقيق الاستقرار والبدء في عمليات التنمية في ظل فشل الحل العسكري في توفير الأمن في الإقليم، في ظل تزايد أعمال العنف في الإقليم بعد أقل من ثلاثة أسابيع منذ تسلم الخرطوم لمهام الأمن من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، والناتج من عدم التنسيق الأمني والتنافس بين أكثر من جهة طمعًا في موارد الإقليم وسيطرة النفوذ.

تضعنا الحالة في إقليم دارفور أمام نزاع إقليمي دولي على المنطقة في ظل المطامع الداخلية للمكونات التي تستخدم الشكل الطائفي لتعميق الأزمة في دارفور، في محاولة لنسف اتفاق السلام في جوبا 2020، والذي يقضي بدمج الحركات المسلحة وعودة اللاجئين، إلا أن اقتصر التنسيق على تقاسم السلطة وعدم استكمال العملية الأمنية في ظل انسحاب القوات الدولية والأفريقية المشتركة وتوقف الدعم المادي للمجتمع المدني بحجة الانقلاب العسكري على عملية التحول المدني، مما يجعل من دارفور مكانًا للحرب بالوكالة نحو مزيد من التهديد في ظل انقسام الحكومة الانتقالية بين المكون المدني والعسكري المنقسم على نفسه في ظل رفض حميدتي  تنفيذ اتفاق الترتيبات الأمنية.

مما زاد المخاوف من انقسام المكون العسكري في ظل سيطرة الأخير على موارد الذهب في الإقليم، كما أدت عودة الحركات المسلحة التي تشارك في الحروب في البلدان المجاورة بشكل يتفق مع أهدافهم من تزايد الأزمات في الإقليم، وهو ما يحتاج إلى حوار وطني متكامل لإنجاح اتفاق سلام جوبا مع توسيع مشاركة الأطراف الموقعة عليه، يقوم على مبدأ المصالحة الوطنية والتوزيع العادل لموارد الإقليم لمواجهة المطامع والأجندة الإقليمية والدولية والمصالح الجيوسياسية وسيناريوهات التقسيم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى