أفريقيا

الداخل الإثيوبي المشتعل.. وانتخابات تقود للعنف كبديل للديمقراطية

حالة من عدم الاستقرار يعيشها الداخل الإثيوبي، فيوجد أكثر من جبهة صراع تهدد الواقع الإثيوبي الداخلي، بداية من الصراع في إقليم التيجراي وحملات التطهير العرقي والحشد الداخلي ضد القومية باعتبارها السبب وراء الأزمات التي تتعرض لها إثيوبيا وليس سياسة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد؛ والذي أدى إلى فرض عقوبات خارجية وتحول العقوبات الأمريكية من قضية سد النهضة إبان إدارة ترامب إلى عقوبات حقوقية في ظل إدارة بايدن، والانتخابات الإثيوبية التي تأجلت عدة مرات نتيجة صعوبة تسجيل بيانات الناخبين من جهة، واستثناء بعض المناطق من التصويت وعلى رأسهم التيجراي، وسط حملات اعتقال للمعارضة سبقت الإعلان عن الانتخابات، وانسحابات من الدخول في العملية الانتخابية، واعتراض رئيس مجلس النواب، 

يقابل ذلك النزاع في أقاليم الأورومو والأمهرة وبني شنقول، والنزاع الحدودي للسيطرة على الأراضي السودانية التي استعادتها الدولة السودانية من أيدي ميلشيا الأمهرة، والصراع في إقليم عفار الذي شهد أول عملية عنف تزامنت مع الإعلان عن الانتخابات، وأخيراً شعوب الجنوب التي تسعى للانفصال وتعاني من التهميش الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. 

تهديد الديمقراطية في الانتخابات الإثيوبية بين الأوضاع الإنسانية المتردية والعنف في البلاد وإقصاء المعارضة

أعلن مجلس الانتخابات الإثيوبي يوم 21 يونيو بأنه الموعد المقرر للانتخابات المقبلة، وهي المرة الثالثة التي يتم فيها تأجيل الانتخابات التي كان مقرر لها أغسطس 2020، وتم التأجيل لأجل غير مسمى والتمديد لحكومة آبي أحمد لمدة عام آخر، وهو ما نتج عنه قيام جبهة تحرير التيجراي برفض هذا القرار وعقدت الانتخابات في الإقليم تسببت في العملية العسكرية التي قادها آبي أحمد ضد الإقليم، والذي تم استثناؤه من المشاركة في العملية الانتخابية الحالية والتي تم تأجيلها من 5 يونيو إلى 21 يونيو عقب ما سببته الهيئة الوطنية للانتخابات لوجود أسباب لوجيستية وأمنية تسببت في عدم قدرة الناخبين على التسجيل، إلا أن هذه الأسباب لم يتم تلافيها، وتم إعلان الموعد النهائي، وسط تحذيرات الأمم المتحدة من احتمالية أن تشهد البلاد حالة من العنف وهو ما جاء في بيان ستيفان دوجاريك، المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، يوم السبت الموافق 19 يونيو، أي قبل موعد الانتخابات بيومين، حيث دعا فيه “جميع أصحاب المصلحة إلى الامتناع عن أي أعمال عنف أو تحريض” و “يشجع القادة والمشاركين في الانتخابات على تعزيز التماسك الاجتماعي ورفض خطاب الكراهية”.

جدير بالذكر، أن إقليم التيجراي لم يكن الإقليم الأوحد المستثنى من المشاركة في العملية التي وصفها آبي أحمد رئيس الوزراء الحالي، بأنها ستظهر إثيوبيا بشكل مختلف، فقد أفادت وكالة رويترز أن أكثر من خُمس الدوائر الانتخابية البرلمانية البالغ عددها 547 في البلاد قالوا إنهم لن يصوتوا لأسباب مختلفة، بما في ذلك القضايا اللوجستية، والعنف على مستوى منخفض، والحرب في تيجراي، فقد يستثنى من عملية إجراء الانتخابات بجانب إقليم تجراي، إقليم الصومال الإثيوبي الذي تجرى فيها عملية الاقتراع في 6 سبتمبر المقبل، و40 دائرة انتخابية موزعة على 6 أقاليم إثيوبية لتحديات ومشاكل أمنية وخلل في عملية إجراء تسجيل الناخبين وشكاوى تقدم بها إقليما عفار والصومال الإثيوبي، متمثلة في “6 دوائر انتخابية في إقليم عفار، و11 في أمهرة، و2 في بني شنقول و2 في أوروميا، و 3في إقليم جامبيلا، و15 في إقليم “شعوب جنوب إثيوبيا”، وإدارة مدينة ديري داوا دائرة واحدة.

كما شهدت الانتخابات الحالية حملة انسحابات من أحزاب المعارضة نتيجة للصراع القائم وعدم وجود آلية لإجراء الانتخابات في إقليم التجراي ومنها إعلان مؤتمر الأورومو الفيدرالي برئاسة مرارا غودينا عدم مشاركته؛ فيما حالت الانشقاقات بجبهة تحرير أورومو المعارضة، دون تمكنها من التسجيل للانتخابات، وذلك بعد تعرض قادة الحزب لحملة الاعتقالات على خلفية مقتل المطرب الإثيوبي المناضل هاشالو هونديسا، وتم اعتقال المعارض الأبرز لآبي أحمد “جوهر محمد.” 

وأفقد حزب الازدهار الحاكم القائم على أنقاض الائتلاف السابق “الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية” المعارضة الحضور في الدوائر الانتخابية المختلفة، نتيجة حملات التقويض التي انتهكتها القيادة الأمنية في البلاد ضد الحملات الدعائية، وإعاقة تسجيل الناخبين  والعمل على تأجيل صرف الأموال المخصصة للحملات الانتخابية للأحزاب الصغيرة، وتعاني الدولة الإثيوبية من النظم السياسية القائمة على نظم اثنية ستعمل على تأجيج العنف الانتخابي الذي قد يمثل اختبار آخر للدولة الإثيوبية في وحدتها وتماسكها كدولة؛ بينما ترى بعض الأحزاب الأخرى مثل أحزاب “بالدراس من أجل ديمقراطية حقيقية” و”الحركة الوطنية في أمهرة”، أن هذه الانتخابات تُمثِّل فرصة لها لإسقاط حزب الازدهار الحاكم، وتداول السلطة بشكل سلمي، وفي الواقع فإن قومية الأمهرة هي الحليف الأول لحكومة آبي أحمد في حربه ضد التيجراي لتأمين أوضاع سياسية لها في الانتخابات المقبلة فكانت مشاركتها مضمونة النتائج، في إطار نظام المحاصصة السياسية التي انتهجها آبي في محاولة لعودة السيطرة الأمهرية على البلاد. 

فيما أعلنت رئيسة البرلمان الإثيوبي كيريا إبراهيم، استقالتها من منصبها، احتجاجًا على تأجيل الانتخابات للمرة الثالثة وأن الخيار المتبع في معالجة الأزمة الدستورية التي تشهدها البلاد ليس دستوريًا من الأساس.

كما قد انتقدت الولايات المتحدة قرار المضي قدمًا في إجراء الانتخابات، بينما أعلن الاتحاد الأوروبي انسحابه من مراقبة الانتخابات في مايو الماضي، عقب الإعلان عن عدم استيفاء الحكومة الفيدرالية الإثيوبية بالشروط الأساسية لإجراء انتخابات تتمتع بالنزاهة والشفافية وخصوصًا تلك المتعلقة بأنظمة الاتصالات واستقلال البعثة وهو ما يعني أن الحكومة الفيدرالية تسعى لعرقلة عمل البعثة الأوروبية، وهو ما يعد إشارة على تخوف المجتمع الدولي من تزوير الانتخابات وهو ما تتشكك فيه المعارضة أيضاً. 

وتشهد الانتخابات السادسة والأولى منذ تولي آبي أحمد حكم البلاد حالة من عدم الديمقراطية، وحالة من العزوف الانتخابي للمجتمع الإثيوبي الداخلي سجل خلالها 36 مليونا و245 ألفا و444 ناخبا في كشوفات الناخبين، عقب تمديد عملية التسجيل مرتين، من إجمالي 110 ملايين نسمة عدد سكان البلاد، وهو ما يشكك في سلامة إجراءاتها، كما تهدد العملية الديمقراطية عدم تمثيل بعض الدوائر في الانتخابات المقبلة وعلى رأسها إقليم التيجراي والتي خصص لها 38 مقعدا إضافة إلى 64 مقعدا في أنحاء متفرقة لن يكون بالإمكان التنافس عليها، فقد أثرت العملية العسكرية في الإقليم على نزوح الآلاف إلى الحدود السودانية، وتعرض 350 ألف للمجاعة في الإقليم نتيجة عمليات النهب والعنف والحرق التي يتعرض لها الإقليم.  

وهو ما يقودنا إلى مشهد انتخابي يغرد فيه آبي أحمد نحو “إثيوبيا موحدة وقوية في القرن الأفريقي” بينما ينعكس المشهد الداخلي المتأجج بالنزاعات والإقصاءات الانتخابية للمشهد الديمقراطي المحفوف بخطر التزوير. 

أزمات إنسانية متلاحقة في التيجراي، وعقوبات دولية

شهد إقليم التيجراي حالة من العنف الممنهج يقودها رئيس الوزراء آبي أحمد منذ نوفمبر 2020، في حملة عسكرية بمساعدة القوات الإريترية وميلشيات الأمهرة، والتي تتفق مع حكومة آبي في بعض الأهداف من القضاء على الأقلية الأكثر تأثيرًا في الدولة الإثيوبية، حيث تقف التيجراي حائلاً ضد تنفيذ الاتفاق الحدود مع إريتريا وتسيطر على قرية بادمي المتنازع عليها، كما تحصل على تأييد المعارضة الإريترية التي ترى في التيجراي عدالة أفضل من حكم أسياس أفورقي، وفي المقابل تحاول الأمهرة توسيع أراضيها على حساب الإقليم المجاور واستعادة سيطرتها السياسية على البلاد، فيما عمد آبي منذ توليه الحكم على محاولة نزع القومية من مفاصل الدولة والتي كانت مسيطرة على المناصب القيادية العليا في البلاد، واختتمها بعزل الإقليم من الانتخابات المقبلة عبر ما أسماه “عملية إنفاذ القانون” عقب قيام جبهة تحرير التيجراي بإجراء الانتخابات في الإقليم، مما وضع حكومة آبي في مأزق عقب تأجيل الانتخابات بسبب كورونا بينما نجح الإقليم في تنفيذها. 

وعلى الرغم من إعلان حكومة آبي أحمد إنهاء العملية العسكرية في الإقليم، إلا أن الإقليم ما زال يعاني من عمليات العنف ضد المدنيين وخاصة النساء والأطفال، ومطاردة المعارضة بالداخل، وبالرغم من الدعوات المتكررة من المجتمع الدولي بسحب القوات الإريترية من الإقليم، واعتراف آبي بوجود القوات وسحبها من الإقليم، إلا أن التقارير الحقوقية ما زالت تؤكد على وجود قوات إريترية ومن الأمهرة ترتدي ملابس الجيش الإثيوبي الفيدرالي وتقوم بعمليات عنف ممنهج ضد الإقليم، للحد الذي أسماه وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن “بالتطهير العرقي”. 

وفي المقابل يقود آبي أحمد حملة داخلية لاتهام التيجراي بأنه يقف وراء الضغط الخارجي ضد البلاد، في خلق قضية قومية حتى يلتف حوله المجتمع الداخلي وخاصة في ظل حالة التهميش التي كان تعيشها القوميات الأخرى في ظل سيطرة التيجراي على الحكم، واتهام التيجراي بأنه سبب العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة على الدولة الإثيوبية، حيث دخلت العلاقات الأمريكية/ الإثيوبية منعطفاً جديدًا مع إعلان إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن تعليق المساعدات ومنع إصدار تأشيرات دخول لعدد من المسؤولين الإثيوبيين (والإريتريين) بسبب “انتهاكات حقوق الإنسان” في إقليم تيجراي، إلى جانب الحد من التعاون الاقتصادي والعسكري مع أديس أبابا، وهو ما تسبب في خروج المظاهرات المنظمة من الحكومة الفيدرالية الإثيوبية ضد القرارات الأمريكية، والتي من المتوقع أن ينتهجها الاتحاد الأوروبي أيضاً والتي بدأت بعدم المشاركة في المراقبة على الانتخابات، مما يسهل التشكيك في نتائجها والطعن عليها عقب التحذير من الأزمات الإنسانية التي يعاني منها الإقليم والتخوف من أن يعاني 350 ألف مواطن في الإقليم من الدخول في مجاعة، وتطالب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حكومة آبي أحمد أيضاً بالتفاوض مع جبهة تيجراي لإنهاء الصراع ومحاسبة المسؤولين ووصول المساعدات قبل الذهاب للانتخابات، وهو أمر تعتبره أديس أبابا غير مقبول مع جماعة صنفها البرلمان الإثيوبي منظمة إرهابية.

جدير بالذكر أن المظاهرات الداخلية المنظمة من الحكومة الفيدرالية شهدت لافتات بأعلام روسيا والصين، وهو المشهد المتكرر في أكثر من دولة أفريقية في ظل التنافس الدولي، ووقوف كل من الصين وروسيا ضد قرار إدانة مجلس الأمن لأعمال العنف في إقليم التيجراي واعتباره شأن داخلي، كما طالبت الولايات المتحدة الأمريكية رسميا، 10 يونيو، بعقد جلسة في مجلس الأمن الدولي، بشأن أزمة إثيوبيا المتفاقمة، وحثت سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، ليندا توماس جرينفيلد، مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على عقد اجتماع علني، بخصوص منطقة تيجراي التي يمزقها الصراع في إثيوبيا، ومعاناة من نقص الغذاء، وهو ما يقف أمام إدانته المحور الروسي الصيني. 

ومن جانبه قال ستيفان دوجاريك، المتحدث باسم الأمم المتحدة، “بلغ انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية مستويات تبعث على القلق”. وأشار إلى أن هناك تقارير عن جوع شديد في أوساط النازحين كما أن هناك حاجة شديدة للغذاء في شمال غرب تيجراي بعد حرق أو نهب المحاصيل. 

وتسبب العنف في مقتل آلاف المدنيين، وإجبار ما يزيد على مليوني شخص على ترك منازلهم والنزوح في المناطق الحدودية، ويعيش النازحين في حالة من اللاإنسانية في ظل انتشار فيروس كورونا وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية، وتقود حكومة آبي أحمد حملة ضد الصحفيين التي تنقل الحقائق في الإقليم، ولعل أخرها طرد قيام السلطات الإثيوبية بطرد مراسل صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية من أراضيها، بعدما قررت سحب رخصته لتقديمه تقارير وصفتها أنها “غير متوازنة” بشأن تيجراي.

تهديد الوحدة الإثيوبية من نزاعات داخلية ودعوات انفصالية وسيطرة على الأراضي

تسبب العنف في إقليم التيجراي في نزوح الملايين للحدود الإثيوبية السودانية، وهي الحدود المشتعلة بين الطرفين والتي تشهد عمليات عنف متعددة على مدار السنوات الماضية وخاصة في فترة الخريف الإثيوبي، حيث تشن ميلشيات جماعة الشفتة من قومية الأمهرة المدعومة من القوات الإثيوبية حملات عنف ضد المزارعين السودانيين للسيطرة على الأراضي الخصبة في ولاية القضارف السودانية ومحاولة السيطرة على أراضي الفشقة السودانية، والتي استطاعت الحكومة السودانية استعادة 95% من أراضيها كان يسيطر عليها الإثيوبيون منذ عام 1995 على بعد 3 كلم من معسكر الأنفال عقب الهجوم الذي شنته قوات إثيوبية على الكمين السوداني، وتتهم إثيوبيا القوات السودانية باستغلال انشغال الدولة الإثيوبية في حربها في التيجراي واستعادة السيطرة على أراضي أسمتها تابعة للفيدرالية الإثيوبية. 

وتطالب الحكومة السودانية بوضع العلامات الحدودية بين البلدين وفق اتفاقية 1902، وهو ما ترفضه الحكومة الإثيوبية والتي يوقعها في مأزق أنه في حالة الإصرار على الرفض فإنها مطالبة بإعادة أراضي بني شنقول التي يبنى عليها سد النهضة إلى الحكومة السودانية. 

وفي ظل التدريبات العسكرية المشتركة بين مصر والسودان، تعالت التقارير الإعلامية حول شن احتدام الصراع بين القوات السودانية والإثيوبية على الحدود بينهم، فيما أوضحت تقارير أخرى إن ما حدث كان مجرد إطلاق للنار جرى أثناء عمليات تمشيط روتينية تجريها القوات الأمنية السودانية لمصادرة أسلحة منتشرة بطرق غير شرعية في تلك المناطق، وأكدت القوات المسلحة السودانية عدة مرات تصديها لاعتداء من بعض مكونات القوات الإثيوبية، لكن الحكومة الإثيوبية تنفي تلك الاتهامات، وتقول إن من يقومون بهجمات داخل الأراضي السودانية هي ميليشيات لا يسيطر عليها الجيش الإثيوبي. وهو الأمر المتوقع حيث تستخدم حكومة آبي أحمد ميلشيات جماعة الشفتة كورقة ضغط على الجانب السوداني فيما تنفض يديها عن وجود عمليات عسكرية رسمية تقودها الدولة، في ظل التخوف من فتح جبهة قتالية جديدة تزيد من أعمال العنف الدائر في البلاد، والعقوبات الدولية، خاصة أن آبي أحمد لن يستطيع أن يتخلى عن قومية الأمهرة التي تسيطر على الأراضي الحدودية في ظل دعمه في الانتخابات المقبلة من ناحية وحربه في التيجراي من ناحية أخرى، حيث تتزامن تلك الهجمات مع موسم الحصاد فيوجد 1700 مزارع أثيوبي في مناطق داخل الأراضي السودانية المتاخمة للحدود الأثيوبية. 

وهناك أنباء عن إرسال إثيوبيا تعزيزات عسكرية إلى المناطق الحدودية القريبة من أراضي “الفشقة” السودانية، وفي المقابل قرر الجيش السوداني تعزيز قواته العسكرية المتمركزة قرب حدوده مع إثيوبيا، في ظل التصريحات حول أن تلك التعزيزات الإثيوبية قرب الحدود السودانية الشرقية “قد تكون أعدت لتفادي أي توترات داخل إقليم بني شنقول الإثيوبي المضرب إثر الصراعات الدائرة بين قبائل القمز”.

وهي خطوات تنتهجها الدولة الإثيوبية لجذب أصوات الأمهرة في الانتخابات المقبلة، لكنها لن ترتق لحد الحرب الحدودية ولكنها جزء من المناوشات الداخلية الإثيوبية في ظل هشاشة الوضع الداخلي الإثيوبي الذي يعاني من أزمات معقدة، وخاصة في ظل الانشغال بمحاولة السيطرة الأمنية على العنف المتوقع مع الانتخابات المقبلة، والذي بدأ من إقليم عفار. 

وتشهد الأقاليم الحدودية اضطرابات متفرقة بدايةً من إقليم عفار الإثيوبي وعفار الصومالي والمنطقة الغربية كما أن الوضع الأمني في مناطق إقليمي أوروميا وبني شنقول، اللذين شهدا أعمال عنف وقتل من قبل مسلحين أبرزهم جماعة “ونق شني” يمكن أن تقوض عملية الاستقرار السياسي في البلاد بأكملها حيث يمكن أن تتحول إلى نزاعات مسلحة مفتوحة 

. وأوضحت التقارير أن هناك أدلة موثوقة على أن حكومة إقليم الأمهرا تنشر قواتها الخاصة لتأجيج النزاعات في أجزاء أخرى مثل إقليم بني شنقول-القمز وغربي أوروميا، وتتجلى مظاهر هذه الأزمة في التهافت على الموارد والسلطة السياسية، مدفوعة بميل نحو مركزية الدولة من خلال إخضاعها لسيطرة حزب الازدهار بالتعاون مع قومية الأمهرة. 

وفي الجنوب فتستمر الهجمات المسلحة على السكان في مناطق أمارو سبيشيل وريدا ومنطقة “بنش شيكو” في منطقة “الأمم والجنسيات والشعوب الجنوبية” (SNNPR)، كما جاء في تقرير سابق، ويعاني الجنوب الإثيوبي من حالة من التهميش وحالة من عدم التجانس تجعل شعوب الجنوب تطالب بالانفصال، وهو ما حدث مع إقليم سيداما الجنوبي، كما يطالب شعب ولايتا بالانفصال، وهو المطلب الذي يدعمه الدستور الإثيوبي الانفصالي عام 1994، والتي تزايدت مع حصول  عندما قام شعب سيداما المجاور بتأمين استفتاء لتشكيل دولتهم الإقليمية ـ للانفصال عن دول الجنوب والجنسيات والشعوب الإقليمية منذ ديسمبر 2018، وصوت مجلس ممثلي منطقة ولايتا بالإجماع لصالح الاستقلال، وقدم قراره في 19 ديسمبر 2018. لكن هذا لم يتم النظر فيه على المستوى الإقليمي أو الفيدرالي أو إحالته إلى المجلس الانتخابي، وقامت الحكومة الفيدرالية باعتقال العشرات من مسئولي المنطقة على خلفية احتجاجات تجاهل الفيدرالية الإثيوبية لمطالبهم. 

هذا إلى جانب العلاقات الإثيوبية الخارجية المتدنية مع دول الجوار في إطار التعنت الإثيوبي في شأن قضية سد النهضة، والتي حازت على زخم دولي مضاد لتوجهات الدولة الإثيوبية مع كشف النوايا الإثيوبية في عملية الملء الثاني.

وهو ما يضعنا أمام عدة قضايا داخلية وخارجية ساهمت فيها سياسات آبي أحمد المتعنتة في تضخيم الأزمات الداخلية وخلق قضايا قومية واهية للحصول على التأييد الداخلي، والتي أثرت بشكل مباشر على النمو الاقتصادي والاجتماعي للبلاد فقد انخفض معدلات النمو من 10% إلى نحو 2%، وسط صعوبة تدفق أموال المستثمرين، وفقد الثقة في الاستثمار في البلاد حتى مع إصدار قانون الاستثمار الجديد في البلاد، إلى جانب الأزمات الإنسانية المتلاحقة، والتي تسهم بشكل مباشر في تحول الفيدرالية الإثيوبية القائمة على الطائفية الاثنية إلى دولة مركزية يتركز حكمها في يد حزب الازدهار الموحد ويخدم مصالح قومية واحدة وهي “قومية الأمهرة” ثاني أكبر قومية في البلاد، مما ينذر بانحدار الدولة الإثيوبية إلى احتمالية الشرذمة الداخلية وتزايد العنف قبل العملية الانتخابية المقرر لها 21 يونيو، أو قد ينتج من عمليات التشكيك في العملية الانتخابية، وستقوم المعارضة بالطعن على نتيجة الانتخابات وهو ما سيؤيده المجتمع الدولي إن لم يقوده، وذلك في ظل رفض الحكومة الفيدرالية الحوار مع المعارضة وتوتر العلاقات الإثيوبية في ظل الحكومة الحالية/ مع دول الغرب الأوروبي والأمريكي، متكئة على قرارات روسيا والصين، فيما  تحاول الولايات المتحدة أن تخلق نوع من الحلحلة السياسية مع الجانب الروسي والذي ظهر في اجتماع جينيف الأخير، مما يضعنا أمام معضلة تفكك الدولة الإثيوبية  التي قد تنجرف لها الدولة في حال استمرار التعنت الذي يقوده آبي أحمد أمام  كافة الجبهات الداخلية والخارجية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى