ليبيا

مؤتمر باريس.. بين اهتمام مصري بالأزمة الليبية ومناقشة الملفات المشتركة

استكمالًا لدور مصر وجهودها في الوصول إلى حل سياسي للأزمة الليبية بوصفها تقع ضمن الدائرة الأولى لدوائر اهتمام  الأمن القومي المصري، وتنفيذ اتفاق القاهرة يونيو 2020، والاتفاق الموقع في أكتوبر 2020 لوقف إطلاق النار، وتنفيذ مخرجات مؤتمري برلين (1 ،2)، ودعم استقلال وسيادة الدولة الليبية، وخروج المرتزقة الأجانب وتنفيذ توصيات اللجنة العسكرية 5+ 5، وبالتزامن مع الدعوة لضرورة الوصول للعملية الانتخابية والمقرر لها 24 ديسمبر في ظل اختلافات مصالح القوى الدولية؛ توجه الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى العاصمة الفرنسية للمشاركة في أعمال مؤتمر باريس الدولي حول ليبيا اليوم الجمعة 12 نوفمبر، تلبيةً لدعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وتأكيدًا على الدور المحوري للدولة المصرية في دعم المسار السياسي والاقتصادي والأمني والعسكري في ليبيا، فما هي رسائل الأجندة المصرية في باريس؟

مؤتمر باريس.. التوقيت والأهمية وحلحلة القضية

استضافت العاصمة الفرنسية باريس مؤتمرين بشأن ليبيا منذ عام 2017 ليكون هذا هو المؤتمر الثالث لها. ويختلف هذا المؤتمر عن نسختيه السابقتين في تزامنه مع إعلان المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في 7 نوفمبر عن بدء المرحلة الثانية من الإعداد للانتخابات العامة الليبية والمقرر لها 24 ديسمبر المقبل، بفتح باب الترشح لرئاسة الدولة أو عضوية مجلس النواب.

وذلك في ظل التوتر الداخلي بين المنافسين على بعض المواد الدستورية والتشريعية الخاصة بالترشح، تنفيذًا لاتفاقية وقف النار الموقعة في 23 أكتوبر 2020 بالكامل، واعتماد خريطة الطريق السياسية الليبية في العاصمة تونس في 15 نوفمبر 2020، والموافقة على حكومة الوحدة الوطنية الانتقالية في 10 مارس 2021، وتنفيذ خريطة الطريق السياسية الليبية وفقًا لمخرجات مؤتمري (برلين 1، 2)، وقراري مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقمي 2570 و2571. 

وتعود أهمية المؤتمر أيضًا إلى توقيت انعقاده والذي تتزاحم فيه المواقف الدولية المختلفة في ظل تشابك المصالح الداخلية والخارجية. بجانب المصالح الفرنسية في ليبيا القائمة على إحداث موقف أوروبي موحد بوجود إيطاليا صاحبة مؤتمر باليرمو نوفمبر 2018، وألمانيا منظمة مؤتمري برلين (1، 2)، وبحضور المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة ورئيس بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا يان كوبيتش. وشارك ممثلًا للدولة الليبية كل من رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، في تمثيل متفق عليه دوليًا.

وقد ضم المؤتمر كافة القوى الدولية المؤثرة بالرغم من الخلافات حول بعض القضايا الثنائية، وهو ما يعد مؤشرًا على محاولة حلحلة الأزمة الليبية، ومنها نائبة الرئيس الأمريكي، كامالا هاريس، والتي تعد قوة ضغط دبلوماسي في ظل رغبة الفصائل الليبية تأخير الانتخابات وخروج القوات الأجنبية. فيما اتفق الجانبان الفرنسي والأمريكي على إمكانية توقيع عقوبات في حال عرقلة العملية الانتخابية بالرغم من الخلافات بين البلدين حول مسألة عقد الغواصات الأسترالية.

هذا إلى جانب وجود ممثلين عن الدول المجاورة لليبيا وذات التأثر الأول من وجود مرتزقة وقوات أجنبية في ليبيا وهي “تونس والجزائر والنيجر وتشاد”، فعلى الرغم من الخلافات المعلنة الدبلوماسية بين فرنسا والجزائر من جهة، والمملكة المغربية والجزائر من جهة أخرى حضر وزيرا خارجية الجزائر رمطان لعمامرة والمغرب ناصر بوريطة المؤتمر، إلى جانب وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، ونائب وزير خارجية تركيا التي طالبت عدم وجود تمثيل يوناني، وهو ما رفضه الجانب الفرنسي.

توافق الرؤية المصرية مع مخرجات المؤتمر

تتوافق الرؤية المصرية لحلحلة الأزمة السياسية الليبية مع الموقف الفرنسي، والبيان الختامي الذي تم إقراره لمؤتمر باريس، في محاولة لإيجاد توافق دولي نهائي تمهيدًا لإصدار قرار أممي موحد يتضمن ثلاث عناصر رئيسة هي “إجراء الانتخابات في الموعد المحدد، وخروج المرتزقة والقوات الأجنبية، والحفاظ على السيادة الوطنية والاستقلالية الليبية من خلال دعم الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني في البلاد”، وهو ما ظهر في كلمة الرئيس السيسي أمام مؤتمر باريس، والتي توافقت بشكل متكامل مع البيان الختامي للأطراف المشاركة، والتي بدأها بتمنيه لمساعي المؤسسات الليبية في تحقيق تطلعات الشعب الليبي. 

ولم يتوقف الموقف المصري عند حد الدعوات، بل ساهمت الدولة المصرية، كما ظهر في كلمة الرئيس السيسي، بدور الرسالة المصرية إلى كافة أطراف المعادلة الليبية لدعم جهود الأمم المتحدة لإطلاق “عملية سياسية شاملة ومستدامة بقيادة وملكية ليبية من أجل إنهاء حالة الصراع واستعادة الاستقرار”، للوصول إلى حل سياسي شامل وإطلاق حوار وطني يعالج جذور الأزمة، ويقي دول الجوار العربي والأفريقي والأوروبي من آثار النزاع الذي قد يؤدي إلى اتخاذ إجراءات لحماية الأمن القومي وحفظ ميزان القوى، وربما ظهر ذلك في تحديد الخط الأحمر لبعض القوى الدولية المنخرطة في الصراع.

وشدد الرئيس السيسي على ضرورة الالتزام بموعد الانتخابات المقرر لها 24 ديسمبر من خلال تجاوز “الأهداف الضيقة” التي لا تمط للمصلحة الليبية بصلة لعدم الرجوع للمربع الأول، مشيدًا بدور المجلس الرئاسي الليبي وحكومة الوحدة الوطنية للإعداد للانتخابات. 

ولتحقيق الاستقلال الليبي واستعادة الاستقرار الدائم، وتحقيق السلم الاجتماعي، والحفاظ على الهوية والنسيج الوطني في ليبيا، طالب الرئيس السيسي القوى الدولية بالعمل معًا من أجل القضاء على فكرة وجود القوات الأجنبية والمرتزقة والمقاتلين الأجانب على الأراضي الليبية، والتي تختلف مع قراري مجلس الأمن رقمي ٢٥٧٠ و٢٥٧١، والمخرجات المتوافق عليها دوليًا وإقليميًا الصادرة عن مؤتمر برلين ٢، ومقررات جامعة الدول العربية، والاتحاد الأفريقي، ودول جوار ليبيا. 

ووجه الرئيس السيسي رسالة للقوى الدولية التي تهدف إلى عرقلة الاستقرار الليبي نتيجة العبث بمقدرات الدولة بدافع التمدد في إشارة لحلم الدول إلى استعادة أمجاد الماضي، وسياسة فرض الأمر الواقع باستخدام القوة العسكرية أو المادية، وتوفير ملاذات آمنة ودعم للجماعات الإرهابية والمتطرفة أو نقل عناصرها من دولة إلى أخرى لتحقيق مصالحهم الضيقة البعيدة عن مصالح الشعب الليبي الحر، مخاطبًا الشعب الليبي الحر بضرورة توحيد الصفوف، والعمل على إيجاد صيغة تشاورية لإتمام العملية الانتخابية في موعدها المحدد، بإرادة ليبية حرة، بعيدًا عما تمليه القوى الدولية المتدخلة في الشأن الليبي، فدعا البيان الختامي كذلك إلى إنشاء هيئة المصالحة الوطنية العليا برعاية المجلس الرئاسي الانتقالي.

وهو ما ظهر في الموقف المصري لدعم لجنة 5 + 5 العسكرية المشتركة، والتي توصلت في اجتماعها المنعقد بالقاهرة في بداية الشهر الحالي في إطار الخطة الطموحة، التي أقرتها اللجنة في جنيف، إلى خطة لتحديد مدى زمني واضح وملزم لتنفيذ خروج جميع القوات الأجنبية والمرتزقة والمقاتلين الأجانب الذين دخلوا إلى ليبيا بعد عام ٢٠١١؛ حتى لا تعود الأمور إلى الوراء كما حدث في مراحل عديدة سابقة كما قال الرئيس السيسي، مع التأكيد على الدعم المصري في إعادة بناء الدولة الليبية وتبادل الخبرات في كافة المجالات، وتحقيق الاستقرار واستكمال عناصر الدولة الوطنية. 

ويتزامن اجتماع باريس الحالي مع تحقيق أهداف وخطة اللجنة العسكرية العشرة (5+5) بنجاحها في إخراج أول جماعة مرتزقة وعددهم 300 كدفعة أولى، والتي توصلت في اجتماع القاهرة إلى سحب البلدان الأفارقة للمرتزقة في ليبيا. فقد أبدت كل من النيجر وتشاد والسودان، استعدادها للتعاون في إخراج المقاتلين المنتمين لها من الأراضي الليبية، مع التعهد بسحب السلاح وتشديد الوجود العسكري على الحدود الليبية الجنوبية لعدم تمثيل خطورة على دول الجوار من دول الساحل والصحراء وهي منطقة النفوذ الفرنسية. 

مصر ركيزة الأمن والاستقرار في الإقليم

جاءت زيارة الرئيس السيسي إلى باريس لتشير إلى الدور المصري في حلحلة الأزمة الليبية، وتحقيق أركان الدولة الوطنية لها، وتوافق وجهات النظر نحو أهمية دعم المسار السياسي في ليبيا والتمسك بانعقاد الانتخابات المرتقبة في ٢٤ ديسمبر القادم والتي من خلالها سيتم تولي سلطة شرعية منتخبة من قبل الإرادة الحرة للشعب الليبي، الأمر الذي يأذن ببداية صفحة جديدة للدولة الليبية واستعادة مؤسسات الدولة والأمن والاستقرار وخروج القوات الأجنبية، ويلبي تطلعات شعبها. 

وهو ما ظهر في لقاء الرئيس السيسي في قصر الإليزيه والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في ظل اللقاءات المتبادلة بين الجانبين، وكان آخرها لرئيس الوزراء المصري في أكتوبر 2021، حيث أشاد الرئيسان بالعلاقات العسـكرية المصـرية الفرنسية، عقب إبرام العديد من صـفقات التسليح المهمة خلال السنوات الأخيرة، والعمل على تعزيزها في ظل ما تعانيه المنطقة من أزمات أمنية، وتنامي التدخلات الأجنبية غير المنسقة التي تؤدي لتعقيد الحلول الرامية لحلحلة أزمة انتشار الجماعات الإرهابية.

وهو ما يعزز من الدور المصري في حل الأزمة الليبية، والتعاون بين البلدين في مجابهة الجماعات الإرهابية على الساحات المحلية والإقليمية والدولية، خاصةً بأفريقيـا، في ظل ما تعانية القوات الفرنسية المشاركة في عملية برخان في منطقة الساحل والصحراء، وهدف الجانبين المصري والفرنسي في تقويض خطورة العناصر الإرهابية، والحد من انتقالها من بؤر التوتر إلى مناطق أخرى، مما يهدد الأمن الاقليمي بأسره، خاصة في منطقة شمال أفريقيا والساحل الأفريقي، وهو الأمر الذي جاء في لقاء الرئيس السيسي و فلورانس بارلي، وزيرة الجيوش الفرنسية، لما تمثله مصر من دعامة رئيسة للأمن والاستقرار بالشرق الأوسط وأفريقيا. 

وبجانب التنسيق حول ليبيا بين مصر وفرنسا، جاء لقاء الرئيس السيسي اليوم ونجلاء بودن، رئيسة الوزراء التونسية، على هامش انعقاد “المؤتمر الدولي حول ليبيا” والتنسيق بين البلدين لتأكيد الموقف المصري على دعم الاستقرار في تونس، وما سينعكس على الوضع في ليبيا كذلك، حيث تعد تونس عضوًا غير دائم بمجلس الأمن، وبالتالي التنسيق بين البلدين سينتج عنه موقف عربي موحد أمام المنظمات الدولية، هدفه الأول تحقيق الاستقرار في تونس وليبيا.

وفي مجال التعاون الأورومتوسطي فيعمل التعاون العسكري والأمني بين مصر وفرنسا كذلك على تحجيم تدفقات الهجرة غير الشرعية إلى دول حوض البحر المتوسط، مما سيسهم في تعزيز التعاون الأورومتوسطي بين مصر والاتحاد الأوروبي، فرأى رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل في لقائه مع الرئيس السيسي أن مصر ذات ثقل سياسي، وبالتالي فهي حلقة الوصل بين العالمين العربي والأوروبي، لما لها من دور في عمليات السلام في مناطق النزاع والحد من الهجرة غير الشرعية بوصفها نموذجًا يجب أن يحتذى به. 

وتعكس الزيارة العلاقات المصرية الفرنسية المزدهرة، والدور المصري المؤثر، بوصفه ركيزة استقرار وأمن المنطقة؛ فتعد مصر  أهم شركاء فرنسا بالشرق الأوسط، واستطاعت تحقيق نهوض اقتصادي وتنمية شاملة في ضوء الإشادات الدولية بأداء الاقتصاد المصري، مما شجع الجانب الفرنسي على زيادة الاستثمارات ونقل الخبرات والتكنولوجيا وتوطين الصناعة الفرنسية، مثل التعاون في قطاعات السكك الحديدية، وتوطين صناعة السيارات الكهربائية، وتطوير الموانئ، والطيران المدني، والطاقة، ومعالجة المياه، والبنية التحتية والسياحة.

وهو ما جاء في لقاء السيسي وماكرون، ولقاء السيسي ورئيس الوزراء الفرنسي جان كاستكس، وكذلك لقاء الرئيس السيسي وبرونو لومير، وزير الاقتصاد والمالية الفرنسي، والذي أشاد بالمناخ الجاذب للاستثمار الذي تقوم به مصر وعدّه فرصة اقتصادية واعدة لتوطين التكنولوجيا الفرنسية والاتصالات والذكاء الاصطناعي.

وعلى المستوى الثقافي، باعتبارها تقع ضمن أهداف التنمية المستدامة، ومفتاح القضاء على الفكر المتطرف وحماية الإرث الحضاري والإنساني وحماية مقدرات الدول، حرص الرئيس السيسي على التأكيد على الدور المصري في حماية التراث، من خلال مشاركته في احتفالية منظمة اليونسكو بمناسبة مرور ٧٥ عام على تأسيسها، في مقر المنظمة، معربًا في كلمته عن “الفخر المصري بكونها ضمن الدول المؤسسة لمنظمة اليونسكو، وتطور علاقاتها بالمنظمة على مدار عقود لتصبح نموذجًا للتعاون البناء على مختلف الأصعدة. ويعد مشروع التعاون مع المنظمة لإنقاذ معبدي أبو سمبل وجزيرة فيلة من الغرق، والذي استمر على مدار عقدين من القرن الماضي، أحد أبرز تجليات هذا التعاون وأهمها، بما يمثله من تجربة مهمة في تاريخ عمل المنظمة ومسيرتها في حماية التراث العالمي”.

تضعنا الأجندة المصرية أمام دور مصري محوري عربيًا وإقليميًا وأفريقيًا، يعمل على تحقيق استقرار دول الجوار، والوصول إلى أركان الدول الوطنية من خلال تحقيق توازن القوى بتحقيق رؤية دولية تتوافق مع مخرجات المؤتمرات الدولية وقرارات مجلس الأمن، وتقديم الدعم للأشقاء، وتحقيق التوازن مع رؤى القوى الدولية من خلال الحد مم التدخلات الأجنبية، وإنهاء التدخلات العسكرية ووجود المرتزقة، مع ضمان أمن دول الجوار وتحقيق التوافق الوطني الشامل الداخلي بعيدًا عن المصالح الضيقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى