السودان

تطبيع العلاقات السودانية الإسرائيلية ومرحلة جس النبض

العلاقات السودانية الإسرائيلية خطوة جديدة يلوح بها المجلس السيادي الانتقالي السوداني من خلال نائب مجلس السيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”، لرفع اسم السودان من قائمة الإرهاب من خلال استطلاع رأي عام من أجل إقامة علاقات وليس “تطبيع” على حد قوله، موضحًا أن رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب مربوط بإسرائيل، فما الدوافع السودانية وفاعلية توقيت ذلك الإعلان والعلاقات الإسرائيلية السودانية الفعلية، وكذا الإجراءات التي انتهجها السودان لرفع اسمه من قائمة الإرهاب هل كانت مجدية أم لا؟

إقامة العلاقات السودانية الإسرائيلية بين التأييد والرفض

تواترت الأخبار حول قيام السودان بإقامة علاقات مع إسرائيل، مع ربط تلك التصريحات بزيارة مايك بامبيو وزير الخارجية الأمريكي إلى الخرطوم في أغسطس الماضي، من خلال ما تناوله اللقاء من حديث حول ملفي العلاقات مع إسرائيل، وما وصفه وزير الخارجية السوداني المكلف عمر قمر الدين، عن وعد أمريكي بدراسة إمكانية رفع اسم السودان من القائمة الأمريكية الراعية للإرهاب، وتم ربط الملفين ببعضهما وأصبحا سببًا لبعضهما البعض، خاصةً عقب تزايد الحديث عن الدولة العربية التي ستلحق بالاتفاقيات التي وقعتها كل من الإمارات والبحرين مع إسرائيل. 

وجاء رد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان بأنه ماذا يجني السودان اقتصاديًا من هذا الأمر أو متى يرفع من قائمة الإرهاب؟ فيما أفاد مسؤولون سودانيون أن السودان يعارض ربط الإدارة الأمريكية إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل لرفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب. 

وأوضح رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك أن قضية التطبيع تحتاج لنقاشات عميقة في المجتمع السوداني، ولا يمكن إقرارها من شخص واحد، خاصة وأن حكومته الانتقالية غير مخولة للبت في هذه القضية.

وكان قد تم إقالة المتحدث باسم الخارجية السودانية حيدر بدوي صادق على خلفية تصريحاته بنية بلاده للتطلع لاتفاق سلام مع إسرائيل، وأنه ما من سبب لاستمرار العداء بينهما، فيما سيربح الجانبان دون التضحية بالقيم والثوابت؛ بينما نفت الخارجية السودانية الأمر ووصفت الأمر بأنه تم تلقيه بدهشة.  هذا وقد نفى وزير الاستخبارات الإسرائيلي إيلي كوهين هذه التصريحات، وكشف عن وجود اتصالات مع السودان، مؤكدًا أن هذا الاتفاق يقع ضمن الأجندة، مشيرًا إلى وجود بعثات مشتركة لاتمام اتفاقية السلام قبل نهاية العام. ووصف رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو تصريحات الناطق باسم الخارجية السودانية “بالقرار الشجاع” لرئيس مجلس السيادة السوداني. 

إيران تدخل في معضلة العلاقات السودانية الإسرائيلية وسط اختلاف تصريحات المسؤولين السودانيين

هذا ولم تكن هذه التصريحات هي الأولى، بل أعلنت إسرائيل مسبقًا عن الزيارة التي تمت بين رئيس المجلس السيادي عبد الفتاح البرهان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أوغندا فبراير الماضي، وفيما وصفها البرهان بأنها أمر شخصي، ثم تغيرت التصريحات إلى الرغبة في شطب السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب. وكشف الجانب الإسرائيلي أنها في إطار المصالحة الوطنية بين الجانبين، وأن المنطقة بأسرها ستربح من اتفاقية السلام مع إسرائيل، وتناولت وسائل إعلام عبرية عبور طائرة إسرائيلية تجارية لأول مرة الأجواء السودانية عقب اللقاء.

فيما أفاد وزير الثقافة والإعلام السوداني فيصل صالح والمتحدث باسم الحكومة الانتقالية بأنه لم يتم التشاور وإخطار مجلس الوزراء بشأن هذا اللقاء وأن الحكومة علمت بزيارة عنتيبي من خلال وسائل الإعلام.  بينما أعلن المتحدث باسم الجيش السوداني عامر محمد الحسن أن السودان لم يعلن التطبيع كاملًا مع إسرائيل، لكن هذه الخطوة في إطار تبادل المصالح. 

هذا وكان قد صرح وزير خارجية حكومة البشير عام 2016 إبراهيم غندور عن “إمكانية التطبيع مع إسرائيل بشرط رفع الحكومة الأمريكية العقوبات الاقتصادية”.  فيما استهدفت اسرائيل السودان من خلال غارات جوية عام 2009، وقيام الطائرات الإسرائيلية بتنفيذ هجوم طويل المدى على مصنع ذخيرة في السودان عام 2012، إذ اعتبرت إسرائيل السودان بأنها تهديد أمني من خلال استخدام إيران للأراضي السودانية لتهريب الأسلحة إلى حركة حماس وحزب الله. 

التطبيع بين المصالح ورفع اسم السودان من قائمة الإرهاب

بينما كان الهدف الأساسي من الإعلان عن العلاقات بين السودان وإسرائيل رفع اسم الأولى من قائمة رعاية الإرهاب؛ إلا أن السودان يواجه إجراءات تشريعية أخرى في الكونجرس الأمريكي تتطلب منه دفع تعويضات للمتضررين والضحايا الأمريكيين وعائلات أسر ضحايا تفجير سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام عام 1998.

وقد طالبت المحكمة العليا الأمريكية السودان بدفع أكثر من 10 مليارات دولار كتعويضات عقابية، إلى جانب الانتهاء من تعويضات أسر ضحايا المدمرة كول.  وكانت قد فرضت الإدارة الأمريكية على السودان عقوبات منذ 1997 متهمة الخرطوم بدعم الإرهاب، وتم توسيع العقوبات بسبب النزاع بإقليم دارفور، وتم إدراج السودان على قائمة الولايات المتحدة للإرهاب عام 1993، وقرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلغاءها جزئيًا في أكتوبر 2017.

ويسعى السودان لرفع اسمها من أجل رفع الحصار الاقتصادي الذي يمنعها من الاقتراض المالي من أجل تطوير البلاد، ومنذ الإطاحة بحكم البشير يسعى السودان لمتابعة الإجراءات لرفع اسمها من تلك القائمة.  ومن بين تلك الإجراءات ما أسماه وزير الخارجية السوداني باتخاذ إجراءات الحوكمة الرشيدة لمحاربة الفساد الذي انتشر على مدار 30 عامًا من حكم الرئيس المعزول عمر البشير، واكتمال المؤسسات الدستورية من خلال تكوين المجلس التشريعي.

هذا إلى جانب طلب تسليم البشير للجنائية الدولية والذي وقع بين اختبارين هو استقلال القضاء السوداني والاقتصاص من البشير، وخاصة أن السودان لم يوقع على ميثاق المحكمة الجنائية الدولية، والآخر أن البشير ارتكب جرائم حرب ضد الإنسانية تجعل من المحكمة الدولية مكان الاقتصاص منه.  ويرى المحللون أنه في ظل رغبة السودان في الانفتاح الدولي، والمساعدات المالية التي يحتاجها السودان لحل أزماته الاقتصادية قد تسهم في توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل. ويرى المؤيدون أن الاتفاقية ستسهم في تزايد العلاقات الاقتصادية، فيما رفض آخرون هذا الأمر موضحين أن العلاقات مع إسرائيل دائمًا ما تعود لصالح إسرائيل دون غيرها.

سيناريوهات إبرام الاتفاق ومرحلة جس النبض

جاءت تلك الأخبار المتواترة بمثابة جس نبض للشعب السوداني، فقد أصدر مجمع الفقه الإسلامي في السودان بالإجماع فتوى عدم جواز التطبيع مع إسرائيل في كل المجالات، وكذلك حزب الأمة القومي السوداني الذي يرى أنه يصعب إقامة أي علاقة مع إسرائيل في ظل عدم تسوية القضية الفلسطينية واسترداد الأراضي العربية.

فيما أشار حميدتي خلال لقائه التليفزيوني في الثالث من أكتوبر الحالي إلى أنه لا تربطه حدود مباشرة مع إسرائيل وبالتالي فلا حاجة للتطبيع ولكن قد تقتصر طبيعة الأمر على العلاقات بين السودان وإسرائيل. 

ووسط السعي الإسرائيلي لتقويض دور إيران في المنطقة ووقف تمددها عبر البحر الأحمر، خاصة كما ذكرنا في الهجمات الاسرائيلية عامي ٢٠٠٩ و٢٠١٢ لوقف إمداد إيران الأسلحة عبر السودان، والتي انتهت بانتهاء حكم البشير، خاصة في ظل تعاون الحكومة الانتقالية مع محور الخليج في مواجهة جماعة الحوثي المدعومة من إيران في اليمن، مما دفع إسرائيل لمحاولة تعميق العلاقات مع السودان. 

كما ترجع الدوافع السودانية إلى انتهاج كافة الإجراءات التي تدعم رفع اسم السودان من قائمة الدول راعية الإرهاب نتيجة وجود سودان جديد بحكومة انتقالية جديدة تقوم بعمل المزيد من المحاولات من أجل إنجاح دورها في انتقال السودان الديمقراطي. 

لنجد أنفسنا أمام مرحلة جس النبض للداخل السوداني في ظل غموض الموقف السوداني الناتج من تضارب التصريحات، إلا أنها جميعا تتفق على الرغبة في رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ولكن يرى المراقبون أن مثل هذه الاتفاقيات لابد من إجرائها من حكومات منتخبة من الشعب السوداني وليس حكومة انتقالية، وأن التسرع في إبرام هذا الاتفاق قد يهدد المصالح الاستراتيجية للدول، وسيكون مثل اتفاقية السلام اللبنانية الإسرائيلية الهشة الموقعة عام 1983 التي لم تحظ بالشرعية الشعبية وانهارت في أقل من عام.

ومما سبق يتضح لنا أننا سنشهد في الأيام المقبلة حشدًا إعلاميًا لدور اتفاقية السلام لدعم العلاقات بين السودان وإسرائيل، ودورها في إحداث السلام في المنطقة من قبل الجانب الإسرائيلي، أما عن توقيت توقيع الاتفاقية فقد يحدث حال استقرار الرأي العام السوداني الذي سينكشف عقب مرحلة جس النبض الحالية التي ينتهجها مجلس السيادة السوداني وستكشفه الأيام المقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى