أفريقيا

“الداخل الإثيوبي”.. بعد هزيمة “آبي أحمد” وعودة جبهة تحرير “التيجراي”

يبدو أن الوضع في إثيوبيا لن يهدأ بالانتخابات التي أسماها آبي أحمد رئيس وزراء أثيوبيا بالتاريخية، بل على النقيض فقد توترت العلاقات في إقليم التيجراي، وأسرت جبهة تحرير التيجراي آلاف الجنود المنتمين للحكومة الفيدرالية في الإقليم، وتبين من الاستعراض خلو تصريحات آبي من صحتها حول وقف إطلاق النار في الإقليم من أجل وصول المساعدات الإنسانية، بل جاءت نتيجة الهزيمة الساحقة التي منيت بيها قواته الفيدرالية مقابل القوة العسكرية في الإقليم، مع تصريحات جيتاتشو رضا متحدث الجبهة الشعبية لتحرير التيجراي، بأن الحرب ستمتد إلى أراضي الامهرة وإريتريا، وهما القوتان التي تورطت في حرب آبي أحمد بالإقليم والتي أطلق عليها بالسابق عملية إنفاذ القانون، إلا أن زيف تصريحاته حول الانسحاب من أجل وصول المساعدات الإنسانية كشفته هدم السد على نهر تيكازي، وإحاطة ليندا توماس جرينفيلد، مبعوثة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، في مجلس الأمن بأن إيفاد المساعدات إلى تيجراي أصبحت “أكثر صعوبة” الآن مما كان عليه قبل أسبوع – وهو “ليس مؤشرًا لوقف إطلاق النار لأسباب إنسانية ، ولكن لفرض الحصار على الإقليم”، وساهمت الاضطرابات الأمنية التي سبقت عملية التصويت وصعوبة وصول الصناديق في تأجيل نتائج الانتخابات، والتي حصد فيها حزب “الازدهار الموحد” على غالبية الأصوات وإعلان فوز آبي أحمد في مقعد بالبرلمان، وحصل الحزب المعارض في الأمهرة على غالبية الأصوات؛ وهو ما قد يضعنا أمام انفجار أمني جديد قد ينتهجه الداخل الناتج من طبيعة الانتخابات، التي لم ترضي المعارضة، واحتمال انهيار تحالف آبي أحمد وحليفه الأوحد الأمهرة وذلك عقب سقوط ورقة التيجراي، وانتهاء عملية التصويت التي قد لا تكون مرضية للبعض، هذا إلى جانب اهمال التصويت في بعض الدوائر الانتخابية التي أخرجت العديد من القوميات من المشهد، وهو ما يضعنا أمام سيناريو توقعه بعض الخبراء الناتج من تحالف التيجراي مع إقليم بني شنقول والعفر للوقوف أمام قوات آبي أحمد، والذي وصفه دبرسيون جبرميكائيل بأنه “عديم الخبرة”، فهل ستعود الحبشة بشكلها القديم، وهل ستتغير خريطة التحالفات؟

التيجراي بين زيف تصريحات آبي أحمد وفكرة الانفصال:

ما لبث آبي أحمد رئيس وزراء إثيوبيا أن أعلن وقفا لاطلاق النار من جانب واحد للمساهمة في إيصال المساعدات الإنسانية لإقليم التيجراي، وعودة المزارعين لحصد أراضيهم، هلَ علينا مشهد صور أسرى الجنود الإثيوبيين التابعين للحكومة الفيدرالية في أيدي قوات التيجراي، وهو المشهد الذي كشف زيف تصريحات آبي أحمد، كما أنه جاء بمثابة انتقام لما عاناه الإقليم، وسط تقارير تفيد باستقبال حافل من سكان الإقليم، وفي حوار ديبرتسيون جبريمايكل، زعيم الحزب الحاكم  جبهة تحرير شعب تيجراي،  في صحيفة نيويورك تايمز قال أنه تم أسر أكثر من 6000 جندي إثيوبي، ووعد بإطلاق سراح الجنود مع التحفظ على القوات من الرتب الأعلى، كما تم قتل 18 ألف جندي من القوات الفيدرالية الإثيوبية خلال النزاع، كما انشق 40% من كبار الضباط في الجيش الإثيوبي.

ولم تكتف الحكومة الفيدرالية بالتصريحات الزائفة لرئيس الوزراء، بل حاولت استعادة البطولة الزائفة من خلال ما نشرته السلطات الإثيوبية حيث قال المتحدث باسم فريق العمل الحكومي الإثيوبي المعني بإقليم تيجراي رضوان حسين حول أن الانسحاب جاء بجانب الهدف الإنساني لوجود خطر تعرض البلاد لهجوم من الخارج، وأن الجيش قادر على العودة في  أقل من 3 أسابيع إذا لزم الأمر، والدخول بسهولة، في محاولة لكسب تأييد داخلي والالتفاف حول قضية قومية جديدة واهية يستطيع ان تجمع الداخل المتشرذم باعتبارها الورقة الوحيدة في يد الحكومة من خلال خلق عدو خارجي زائف.

ويتعرض الإقليم للهجمات العسكرية من قبل حكومة آبي أحمد الفيدرالية منذ إطلاق العمليات العسكرية في نوفمبر 202، وحتى مع إعلان انتصاره عقب شهر من إعلان الحرب؛ إلا أن العمليات المسلحة لم تنتهي من الإقليم ودعمت القوات الإريترية والأمهرية حكومة أثيوبيا الفيدرالية في هجومها على الإقليم، مما تسبب في خسائر فاضحة إلى جانب انتهاكات حقوق الإنسان، وقبل استطاعة قوت التيجراي استعادة السيطرة على الأراضي التيجرانية كانت هناك الضربة الجوية في 22 يونيو على سوق توجوجا من الحكومة الفيدرالية، واتُهمت أديس أبابا بقتل عشرات المدنيين خلال القصف الجوي ونفته الحكومة الفيدرالية واستطاعت جبهة تحرير التيجراي من إسقاط طائرات الحكومة الفيدرالية، وتمكنت كذلك من استعادة عاصمة الإقليم “ميكلي” من أيدي الحكومة الفيدرالية بعد إعلانها وقف إطلاق النار من جانب واحد في تيجراي في 28 يونيو وانسحاب قوات الدفاع الوطني الإثيوبية وإدارة تيجراي المؤقتة من ميكيلي في غضون ذلك دخلت قوات دفاع تيجراي عدة مدن وبلدات رئيسية في 27 و 28 يونيو.

وفي الوقت الذي زعم فيه مكتب تقصي الحقائق لحالة الطوارئ الإثيوبي، إن الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي المصنفة “الإرهابية” وفقاً لحكومة الفيدرالية قد دمرت سد تكازي بهدف عرقلة إيصال المساعدات الإنسانية في الإقليم، وقال رضوان حسين المتحدث باسم الحكومة الإثيوبية، إن جسرين يربطان منطقة تيجراي قد دُمرا مع نفى مسؤولية الحكومة أو القوات المتحالفة معها وألقى باللوم على التيجراي؛ صرح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إن السد قد دُمر من قبل القوات التابعة لقوات الأمهرة الخاصة والقوات الإريترية، وصرحت كلير نيفيل المتحدثة باسم برنامج الغذاء العالمي إن “تدمير الجسر سيكون له تأثير على الوضع الإنساني”.

وجاءت التصريحات من قادة الإقليم لتوضح احتمال توسيع دائرة العمليات العسكرية للمناطق المجاورة، رافعة شعار خير وسائل الدفاع هو الهجوم؛ فبالرغم من تأكيد جبرميكائيل على الاكتفاء بطرد القوات الإريترية من الإقليم ولن تذهب لأبعد من ذلك في ظل العداوة التاريخية بين الإقليم وأريتريا، أظهرت وثائق أمنية تابعة للأمم المتحدة ، استمرار القتال بين قوات تيجراي والقوات الإريترية في شمال غرب الإقليم منذ 30 يونيو، بالقرب من بلدتي “بادمي وشيراو” المتنازع عليهما، كما صرح جيتاتشو رضا، متحدث الجبهة الشعبية لتحرير التيجراي، في مقابلة تليفونية إن قوات تيجراي لن تتردد في دخول إريتريا، وربما تحاول التقدم نحو عاصمتها أسمرة، إذا كان هذا هو ما يتطلبه الأمر لمنع القوات الإريترية من الهجوم مرة أخرى.

ونقلت شبكة “بي بي سي” تصريحاته بأن مقاتلي التيجراي “سيدمرون العدو” بدخولهم منطقة أمهرة المجاورة وكذلك إريتريا التي تدعم قواتها الجيش الإثيوبي، مشددًاعلى ضرورة التأكيد على عدم قدرة ما وصفه بـ “العدو” سواء من الجانب الإريتري أو الأمهرة أو أديس أبابا على تهديد أمن شعب التيجراي”.

وهو ما يضعنا أمام فرضية سعي مقاتلي جبهة تحرير التيجراي إلى التحالف مع إقليمي بنى شنقول والعفر فى ضوء احتمالات وشيكة بتمردهم هما الأخرين ضد حكومة آبى أحمد، والتي من المتوقع أن يسقط تحالفه مع الأمهرة، الناتج من خروج التيجراي من اللعبة، واستكمال لعبة الانتخابات، وبالتالي فسقط الشيء الوحيد الذي يجتمع عليه الطرفان، وهي “المشاعر المعادية لتيجراي”، مع استمرار فرض شروط جبهة تحرير التيجراي لتنفيذ وقف اطلاق النار المبدئي الذي طالبت به القوى الدولية.

ماذا عن الوضع الإنساني في التيجراي والموقف الدولي؟

ناقش مجلس الأمن الوضع في إقليم التيجراي 6 مرات قبل وبعد  اندلاع الأزمة في فبراير 2020، إلا أن الأمر لم يخرج بعيداً عن الإدانات والمطالبة بالتحقيق الأممي في الإقليم، وتسهيل وصول المساعدات، والمطالبة بسحب القوات الإريترية والأمهرة من الإقليم، وتبنت الولايات المتحدة مهمة الدفاع عن الإقليم في الأمم المتحدة، واهتم وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن بالوضع الذي وصفه بأنه تطهير عرقي، مع اعتماد حكومة آبي أحمد على قطع الاتصالات والانترنت والتضييق على الإعلام ومنع الصحفيين كما حدث مع صحفي نيويورك تايمز الأمريكية لعدم وصول الحقيقة.

وفي أخر إحاطة لمجلس الامن يوم الجمعة الموافق 2 يوليو 2021، أشار راميش رجاسينغهام ، القائم بأعمال وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، إلى التدهور الدراماتيكي للوضع منذ إحاطة المجلس في 15 يونيو، وحدد الوضع الإنساني حيث نزح مليونا شخص وما يقرب من 5.2 مليون بحاجة إلى المساعدة، مع التخوف من الارتفاع المتزايد في حالات انعدام الأمن الغذائي والجوع بسبب الصراع، حيث قدر أن أكثر من 400 ألف شخص قد تجاوزوا عتبة المجاعة و 1.8 مليون شخص آخر على شفاها، مع تفاقم انعدام الأمن الغذائي المتوقع خلال هذه الفترة المتزامن مع موسم الأمطار الوشيك، كما تم الإبلاغ عن 1200 حالة عنف جنسي وهو رقم بسيط في ظل التخوف من العار، كما لقي 3 من العاملين في المجال الإنساني من منظمة أطباء بلا حدود حتفهم في أعمال العنف الأخيرة، بعد 12 عملية قتل أخرى لموظفي الإغاثة منذ بداية الصراع.

وعن الوضع الإنساني في الإقليم فهناك ما لا يقل عن 350 ألف شخص يعانون من المجاعة وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة ويحتاج 5 ملايين أخرين لمساعدات غذائية عاجلة، وقدرت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية بأنه قد يصل هؤلاء إلى 900 ألف، إلى جانب دمار البنية التحتية في الإقليم، وحرق الأراضي الزراعية، ونتج عن اعمال العنف نزوح 1.7 مليون شخص، وعبر نحو 60 ألف إلى السودان، مما دفع وكيلة أمين عام الأمم المتحدة للشؤون السياسية روزماري ديكارلو، للتأكيد على ضرورة التوصل لمواجهة تلك القضايا بشكل شامل ومستدام حتى لا تقع إثيوبيا في المنعطف الحرج. كما صرحت  هنريتا فور ، المديرة التنفيذية لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)  “إن أكثر من 6000 طفل بحاجة إلى الحماية والمساعدة” في ظل صعوبة وصول الإمدادات الصحية والمساعدات الغذائية”.

وبجانب الأزمات السابقة فإن إثيوبيا تعاني بجانب انعدام الامن والبنية التحتية، قالت أليسيا غوادالوب بوينروسترو ماسيو مبعوثة المكسيك في الأمم المتحدة إن هناك تهديد اخر يتمثل في الأحداث المناخية والجراد وفيروس كورونا.

وعلى الرغم من التحديات تواصل الجهات الفاعلة الإنسانية وفقاً لإحاطة مجلس الأمن في تقديم المساعدات فقد تقدمت في الشهرين الماضيين مساعدات طارئة إلى 3.7 مليون شخص. ومع ذلك ، لا يزال من المقدر أن أكثر من 2.5 مليون شخص في ريف تيجراي لم يتمكنوا من الوصول إلى الخدمات الأساسية خلال الأشهر الستة الماضية، وخصصت المملكة المتحدة بالفعل 47.7 مليون جنيه إسترليني لشعب تيجراي، واعربت عن دعمها لجهود الاتحاد الأفريقي لتحقيق السلام والاستقرار مع دعم لندن لجهود اللجنة الدولية للصليب الأحمر والأمم المتحدة لتوفير الخدمات الأساسية للناجين من العنف الجنسي، وستدعم المملكة المتحدة بمبلغ 16.7 مليون جنيه إسترليني المساءلة عن الادعاءات الخطيرة بانتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك تقديم الخبراء لتقديم المشورة بشأن الجمع الآمن للأدلة والحفاظ عليها.

وانتهت إحاطة الدول بجلسة مجلس الأمن المتعلقة بالتيجراي بموقف يعكس موقف القوى الدولية من اتخاذ مواقف معاكسة في القضايا الدولية وفقاً للمصالح الدولية، ففي الوقت الذي رأت فيه الولايات المتحدة الوضع ينذر بأزمة إنسانية وأن القوات الفيدرالية الإثيوبية قد ساهمت في حصار الإقليم مع صعوبة إيصال المساعدات الإنسانية والذي تزامن مع إعلان وقف إطلاق النار، ومطالبة ممثلي الاتحاد الأوروبي بالالتزام بوقف إطلاق النار، وحماية عمال الإغاثة واصلاح نهر تيكازي الذي تم تدميره في 1 يوليو 2021، وإلحاق الأضرار بجسرين آخرين، مع تسهيل عملية دخول المساعدات الإنسانية، وانسحاب القوات الإريترية والأمهرية من الإقليم واجراء التحقيقات في انتهاكات حقوق الإنسان ودعوة  الأطراف إلى الاستجابة البناءة لجهود الوساطة التي يبذلها الاتحاد الأفريقي، اتخذت الصين موقف الحكومة الفيدرالية الإثيوبية واعتبرت أثيوبيا بأنها “مصدر استقرار ومرسى القرن الأفريقي” واعتبرت الحكومة الإثيوبية تستجيب للاحتياجات الإنسانية ووصفتها بأنها حققت نتائج ايجابية في ذلك مع فتح الاقتصاد المحلي لمواجهة تداعيات فيروس كورونا، واعتبرت روسيا الاتحادية تدخل مجلس الأمن في شأن “داخلي” بإثيوبيا قد يعرقل جهود الحكومة الفيدرالية وقد يأتي بنتائج عكسية.

وهو ما يضعنا أمام الوضع “صفر” الناتج من عدم اتفاق القوى العظمى، ولكن يبدو أن الدعم البريطاني والأمريكي يمكن وصفه في إطار سياسة “الخصخصة” التي ينتهجها آبي أحمد، وخاصة في القطاعات الحيوية والتي تتسارع عليها القوى الدولية، كما أن هذه الإدانات الدولية قد تضع آبي أحمد في حال فوزه بالانتخابات وعدم تفكك الدولة الأكبر سكاناً وعرقيات مع تمرير القوى الأجنبية لهذا الأمر قد يضعه تحت طائلة ارتكاب جرائم انتهاك حقوق الإنسان، مما سيضعه تحت مطالبة القانون الدولي في حالة عدم تنفيذه لسياسات القوى العظمى، كما حدث مع البعض حتى ينتهي دوره في المنطقة الأكثر تأثيراً وهي “القرن الأفريقي”.

ووضعت جبهة تحرير شعب التيجراي شروطاً من أجل الموافقة على وقف إطلاق النار المبئي، ومنها انسحاب قوات إريتريا والأمهرة من الإقليم لضمان أمن شعوب الإقليم، والتأكيد على عدم الدخول في اتفاق رسمي يتوجب حل المسائل الشائكة، وطالب البيان بعودة “حكومة تيجراي المنتخبة ديمقراطياً، وإعادة صلاحياتها والمسؤوليات الدستورية”. وفي حال قبول الحكومة الإثيوبية للحوار فلن يكون مع جبهة تحرير التيجراي التي صنفها البرلمان الإثيوبي مايو الماضي بالإرهابية، والتي تطالب بمساءلتها مما ينذر باستمرار الوضع المتأزم.

تأخير إعلان نتائج الانتخابات الأولية وإعلان فوز آبي أحمد:

مزيد من التأجيل حول إعلان نتائج الانتخابات في البلاد، عقب عدة تأجيلات لإجراء الانتخابات ذاتها وسط انسحاب الاتحاد الأوروبي من مراقبة الانتخابات المثيرة للجدل، وبالتالي اعتماده على التقارير الأخرى لاستستقاء الوضع الانتخابي ومدى الإلتزام بالشفافية، وعلى الرغم من الإعلان بأن الانسحاب قد جاء نتيجة لتعسف الحكومة الفيدرالية؛ إلا أن الاتحاد الأوروبي اعتمد تقرير الاتحاد الأفريقي بسلامة العملية الانتخابية، وهو ما يضعنا أمام حالة تمرير واضحة لإتمام العملية الانتخابية مع الغبقاء على الصراع في القوى الإقليمية، قد ساهمت في تقديم أحزاب المعارضة طعون على النتائج الأولية للعملية الانتخابية، فقد تظلمت بعض الأحزاب السياسية من أهلية الناخبين في بعض الدوائر ومن عملية الفرز، بحسب بيرتوكان ميديكسا، رئيسة المجلس في 29 يونيو الحالي، والتي تضمنت كذلك شكاوى تتعلق بالناخبين المحظورين الذين كان ينبغي عليهم الإدلاء بأصواتهم والناخبين غير المؤهلين، ومنع المراقبين وممثلي الأحزاب من التواجد في مراكز الاقتراع، وترهيب ممثلي المرشحين، والفرز في غياب ممثلي المرشحين، وجاءت تلك الشكاوى من حوالي 30 حزباً سياسياً بالإضافة إلى مرشحين أفراد، كما كان هناك بعض الشكاوي للحزب الحاكم المسيطر على النتائج الاولية ولكنها تتعلق بشكاوي تسجيل الناخبين وتسجيل المرشحين، والتي قال المجلس إنه لن يعالجها باستثناء تسجيل هذه الشكاوى. وسوف تنظر فقط في الشكاوى المتعلقة بأيام الاقتراع والأنشطة ذات الصلة.

هذا وقد كشف مجلس حقوق الإنسان الإثيوبي (EHRC) عن العديد من المخالفات في التصويت والتلاعب بالأصوات التي شهدها خلال فترة مراقبة الانتخابات، في تقريره الأولي عن مراقبة الانتخابات يوم الجمعة  2 يوليو  2021 والتي تمثلت في وجود بعض الحالات التي مُنع فيها مراقبوها من مراقبة العملية، وأن غالبية النتائج التي يتم إصدارها هي من منطقة أوروميا والسبب في ذلك هو عدم وجود منافسة عقب العزوف والمقاطعة والاعتقالات التي تمت ضد الأحزاب بالمنطقة، فيما كان حزب الازدهار هو الوحيد الذي تم ترشحه في المنطقة؛ فقد أعلن المجلس الوطني للانتخابات في إثيوبيا (NEBE) أن حزب الازدهار قد حصل على جميع المقاعد في المجلس الفيدرالي في نتائج الدوائر العشر من منطقة أوروميا، بالإضافة إلى فوز الحزب بجميع المقاعد في تسع دوائر انتخابية في المجالس الإقليمية في المنطقة والتي تبلغ 27 مقعدًا داخل الهيئة التشريعية للإقليم في أوروميا، ومن جهة أخرى نجح حزب المعارضة في منطقة أمهرة، في الفوز بمقعدين برلمانيين انتزعهم من حزب الرخاء الحاكم، كما تمكنت من الحصول على مقعدين في المجلس الإقليمي، وتأتي هذه النتيجة لتؤكد فرضية الحليف الأوحد لآبي أحمد ومحاولة استعادة السيطرة القديمة، فكانت النتيجة فوز حزب حركة الأمهرة الوطنية (ناما) والذي يفترض أن الأمهرة ليس عرقياً ولكنه نظام يجب أن تقوم عليه الدولة الإثيوبية، وبالتالي تحاول أن تلبس الفكرة المركزية الوحدوية لباس عرقي واحد وهي “سيطرة الأمهرية”.

وفي حين أن المجلس الوطني ملزم قانونًا بالإعلان عن نتائج الانتخابات الأولية لجميع الدوائر الانتخابية في غضون عشرة أيام منذ إجراء الاقتراع وأعلن مسبقاً إنه سيعلن النتائج الأولية من 73 دائرة انتخابية مساء الخميس؛ إلا أن هذا لم يحدث بسبب تأخر الفرز على مستويات الدوائر وبُعد بعض الدوائر مما أعاق تسليم النتائج إلى المركز، وبناءً على ذلك، لم تصل النتائج من دائرة انتخابية واحدة في جامبيال، و7 دوائر في عفار، و8 في أديس أبابا، و4 في أوروميا، واثنتان في منطقة الجنوب إلى المجلس، كما تم إلغاء عملية تصويت التي تمت في 100 مركز اقتراع بإقليم أوروميا بسبب مخالفات بحسب ما أعلنت رئيسة مجلس الانتخابات الإثيوبي، برتكان مديكسا، والسبب الآخر لتأخير النتائج هو الشكاوى الواردة من الأحزاب السياسية كما ذكرنا من قبل، ومازال مجلس الانتخابات يعلن في النتائج الأولية، بينما لم يتم تحديد موعد للإعلان عن النتائج النهائية للحزب الفائز بالأغلبية في البرلمان الإثيوبي.

واقتصرت إعلان النتائج على الاقاليم ذات التأييد للحزب الحاكم والتي تمثلت في سيطرة حزب الإزدهار على منطقة أوروميا، وفوز الحزب المعارض في الأمهرة في إطار التوافق مع الحليف الأوحد لحكومة آبي، ومحاولة الأمهرة من خلال هذا التحالف استعادة سيطرتها على الحكم في البلاد، كما أعلن مجلس الانتخابات في إثيوبيا فوز رئيس الوزراء آبي أحمد في دائرته الانتخابية “بشاشا” بإقليم أوروميا بعضوية البرلمان بعد حصوله على 76 ألفا 892 صوتًا، وهو ما سيمكن آبي من فرصة إعادة انتخابه رئيساً للوزراء فوفقا للدستور الإثيوبي فإن رئيس الوزراء المنتخب يجب أن يكون عضوا بالبرلمان.

وتأتي الرغبة الدولية في تمرير الانتخابات الإثيوبية ومحاولة استمرارها، بالرغم من الاوضاع الأمنية المتردية، من خلال الضغط على حكومة آبي أحمد في حالة الخروج عن السياق الموضوع له في ظل خطة اقتصادية وسياسية قائمة على السيطرة على الاقتصاد الذي يعاني خلال فترة الاضطرابات، ومحاولة لعب دوراً دبلوماسياً في إنهاء صراع تيجراي من خلال التعامل مع حكومة منتخبة ظاهرياً بالرغم من التشكيك في النتائج، أو فرض العقوبات في حالة خروج آبي عن النص.

ومن خلال المشهد المتشابك في الداخل الإثيوبي، فإن بوصلة التحالفات من شانها أن تتغير عقب استعادة التيجراي سيطرتها على أراضي الإقليم، لمواجهة سياسة آبي أحمد القائمة على الحكومة المركزية والتي تدعمها قومية الأمهرة والتي تحاول أن تنشر الفكر الوحدوي الذي ينتهجه آبي أحمد مغطياً بسيطرة أمهرية، وفي دولة شديدة الإثنية، وذلك عقب إعلان نتائج الانتخابات في الأقاليم التي تدعم حزب الازدهار والأمهرة، وتأجيل نتائج التصويت الأخرى وإقصاء التيجراي من المشهد، فمن الممكن أن نرى إحدى السيناريوهان أولهما: المتعلق بعودة التحالف القديم بين التيجراي والأورومو لمواجهة سيطرة الأمهرة واستعادة النضال القديم الذي امتد تاريخياً منذ عهد منليك الثاني، حتى نهاية حكم هيلاسيلاسي عام 1974، وتلافي الخلافات الدينية القائمة على النزاع المسيحي المسلم، وسيطرة التيجراي السابقة على الحكم، وكذلك فتح خريطة التحالفات لتضم العفر وبني شنقول لمواجهة سيطرة الفيدرالية الإثيوبية بقيادة آبي أحمد، وثانيهما: محاولة التيجراي استعادة الحدود القديمة التي تضم أراضي إريتريا قبل الاستقلال والأمهرة وإعلان حدود الدولة القديمة قبل التوسع لتشمل حدود إثيوبيا الحالية، وهو ما سينعكس على شعوب الجنوب. كما يضع مشهد استعادة التيجراي لأراضيها العائق أمام تحالف الأمهرة وحكومة آبي الناتج من وجود العدو المشترك. أما عن المجتمع الدولي، فيأخذ الجانب الغربي الوضع الإنساني في تيجراي على عاتقه وفي نفس الوقت يتغاضى عن الانتهاكات في العملية الانتخابية والذي قد يؤدي لرفع ورقة “العقوبات وجرائم الحرب” أمام آبي أحمد إذا أغفل عن التعاون الاقتصادي مع الدول الغربية؛ وهو ما يقابله دعم صيني روسي للحكومة المركزية بقيادة آبي أحمد باعتبار الحفاظ على الدولة الإثيوبية من التشرذم هو الخيار الآمن للاستثمارات الاقتصادية والعسكرية في القرن الأفريقي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى