الأزمة الأوكرانيةأفريقيا

ما هي فرص نجاح المبادرة الأفريقية لحل الأزمة الأوكرانية؟

أُطلقت مبادرة أفريقية بمشاركة مصرية لحل الأزمة الأوكرانية تعمل على بناء السلام القائم على البدء بعملية وقف إطلاق النار. وذلك بالتزامن مع ما سبقها من مبادرات عديدة مثل تلك التي صدرت عن الصين وإندونيسيا، ومحاولات برازيلية بجانب دعوات دولة الفاتيكان وتركيا. ويكمن الاختلاف في حيادية الأطراف الأفريقية بعيدًا عن الإملاءات الغربية أو الانحياز لأحد الأطراف، وهو ما قد يمثل حلحلة دبلوماسية للأزمة الروسية الأوكرانية، فهل يمكن أن تسفر عن جديد؟ 

عناصر المبادرة

تُعد الدول الأفريقية من أكثر الدول تأثرًا بالحرب الروسية الأوكرانية، سواء في تحقيق الأمن الغذائي للقارة أو الأزمات الاقتصادية، حيث تمثل الصادرات الروسية الأوكرانية من القمح نحو 23% من السوق العالمية، بحسب ما جاء في كلمة رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في كلمته في المؤتمر الصحفي المشترك المنعقد في كييف العاصمة الأوكرانية، بحضور رؤساء المبادرة الأفريقية المشتركة مع الرئيس الأوكرانى فولوديمير زيلينسكي، ضمن المبادرة الأفريقية المشتركة للإسهام في تسوية الأزمة الروسية-الأوكرانية، يوم السبت الموافق 17 يونيو 2023. 

أُطلقت المبادرة الأفريقية في ضوء السياسة الأفريقية للحفاظ على سيادة الدول، وتحقيق أهداف وميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي، وهو جوهر الرؤية المصرية. ويضم الوفد رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي ممثلًا عن الرئيس عبد الفتاح السيسي، ورؤساء دول: “جنوب أفريقيا، والسنغال  وجزر القمر –الرئيس الحالي للاتحاد الأفريقي-، وأوغندا، وزامبيا”، وممثلًا عن جمهورية الكونغو الديمقراطية. 

قبيل إطلاق المبادرة والانفتاح الروسي الأوكراني على مقابلة القادة الأفارقة، تم التنسيق “الحذر” مع الولايات المتحدة وبريطانيا لدعم هذه المبادرة، وسط تفاؤل أممي بفرص نجاحها، في ظل ما تتسم به المبادرة الحالية من عدم وجود شروط مسبقة للتفاوض.

أعلن المبادرة الأفريقية الرئيس الجنوب أفريقي سيريل رامافوزا في مايو الماضي معلنًا أنها تتضمن مفاوضات سلام بالطرق الدبلوماسية، ومحاولات تهدئة الوضع، واحترام سيادة الدول والشعوب وفقًا لميثاق الأمم المتحدة، وضمانات أمنية لجميع الدول، فاشتملت على عدة محاور لبناء الثقة بين الأطراف المتصارعة، ومنها: 

  • تهيئة الأجواء بين كافة الأطراف لبناء استراتيجية استعادة الثقة. 
  • انسحاب القوات الروسية والأسلحة النووية التكتيكية الروسية من بيلاروسيا.
  • تعليق مذكرة اعتقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وتخفيف العقوبات الغربية المفروضة على روسيا.

ما يميز المبادرة الأفريقية

تأتي المبادرة الأفريقية عن المبادرات والمحاولات السابقة في ظل الانفتاح الروسي الأوكراني على استقبال القادة الأفارقة في سان بطرسبرج وكييف؛ لمحاولة وقف الأعمال العسكرية على أرض الواقع، وهي تختلف على المبادرات الأخرى في التالي: 

المبادرة الصينية: تحفظ العديد من القوى على المبادرة الصينية واتهمتها بالإنحياز للجانب الروسي، في ظل تفاهمات الغرب مع أوكرانيا/ وتضامن معسكر الشرق الممثل في الصين وروسيا، وبالتالي لم تحظ بالتأييد الكافي. 

المبادرة العربية: مثلت مقابلة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة والرئيس الروسي فلاديمير بوتين على هامش اجتماعات منتدى بطرسبرج الاقتصادي الدولي، خطوة في مبادرات الحل للتسوية الدبلوماسية، والتي قد تلقى تأييدًا في حال الانفتاح من دولتي الصراع. ولكن عدم وضوح خطوط واضحة للأزمة تصب في صالح إمكانية ضم المبادرتين العربية والأفريقية لتحقيق الهدف الأوحد وهو بناء الثقة لإحلال السلام ووقف إطلاق النار، خاصةً في ظل تركيز الدعوة الإماراتية على الخطوات الإنسانية للأزمة واستمرار الأوضاع الإنسانية وتبادل الأسرى. 

وسبق وأن تقدمت مصر والأردن والعراق والجزائر والسودان والأمين العام لجامعة الدول العربية بالتنسيق مع وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف ضمن مجموعة الاتصال الوزارية المعنية بالأزمة الروسية الأوكرانية، بمبادرة للحل الدبلوماسي والسياسي في أبريل 2022، وعلى الرغم من الترحيب والزيارات المتبادلة إلى روسيا إلا أنها لم تفضِ إلى جديد مع استمرار عدم الحسم العسكري بين الأطراف المتنازعة. 

المبادرة الأفريقية: تتسم الدول الأفريقية بعدم الانحياز لأحد الأطراف على حساب الطرف الأخر. وعلى الرغم من الاتهامات التي تقابلها بعض الدول كجنوب أفريقيا بالانحياز إلى المعسكر الروسي والذي ترفضه الأولى، فإن المبادرة تضم دولًا أفريقية متعددة تتسم بتنوع الدبلوماسية السياسية مع الدول الأوروبية والولايات المتحدة وروسيا، وعلى رأسهم الدولة المصرية، والتي بدأت في جهود التسوية الدبلوماسية والسياسية عند إعلان الرئيس السيسي خلال مؤتمر المناخ COP27 عن الاستعداد المصري للوساطة في حل الأزمة الأوكرانية، وتهدف إلى وقف إطلاق النار ثم الحديث عن عملية بناء السلام. 

فرص المبادرة

تتزامن لقاءات القادة الأفارقة مع رئيسي أوكرانيا وروسيا مع عمليات الهجوم المضاد التي تنفذها أوكرانيا على بعض المناطق الروسية والرد الروسي المستمر. وأدى التراجع الأوكراني إلى محاولات حلف الناتو لتمديد الدعم العسكري؛ لضمان عدم الاعتراف بالفشل العسكري الأوروبي في روسيا، وهو ما ظهر في الانفتاح على دعم انضمام أوكرانيا إلى الحلف دون شروط مع تقديم مزيد من الدعم العسكري ومراجعة خطط الدفاع خلال اجتماعات وزراء دفاع حلف شمال الأطلسي في بروكسل المنعقدة يوم الجمعة 16 يونيو 2023.

وتعاني الدولتان من حالة من الإرهاق العسكري مع طول أمد النزاع. فضلًا عن أن تحريك المبادرة الأفريقية فعليًا تزامن مع تصريحات بوتين عن إمكانية إنشاء “منطقة آمنة” داخل الأراضي الأوكرانية، بجانب الترحيب بالمبادرة، مما قد يمثل فرصة لمحاولة التقاط الأنفاس الناتج من تأخر العمليات العسكرية ودخولها لمرحلتها الثانية، وهو ما يضعنا أمام سيناريوهين للمبادرة الأفريقية والتي تتوقف على مواقف أطراف النزاع، وتتمثل في التالي: 

لا جديد: يُعد هذا السيناريو هو الأسوأ في ظل التشدد الأوكراني لوضع شروط مسبقة تتمثل في تحقيق ما يسمونه بـ “العدالة” ورفض التفاوض دون الانسحاب الروسي من كافة الأراضي التي ضمتها ومنها جزيرة القرم ومنطقة دونباس، فيما تضغط روسيا من أجل الاعتراف الأوكراني بالسيادة الروسية على شبه جزيرة القرم التي ضمتها عام 2014.

هذا في ظل فقد الأطراف الثقة، وهو ما ظهر في تصريحات “زيلينسكي” بالفعل حول رفض الجلوس على مائدة التفاوض دون الشروط السالف ذكرها خلال اجتماعاته مع أعضاء المبادرة الأفريقية، وتصريحات وزير الخارجية الروسي خلال المؤتمر الصحفي مع نظيره الكيني حول تأكيده بتأييد مجموعة السبع وحلف الشمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي على ما أسماه “صيغة زيلينسكي للسلام” كشرط لتوقيع أي نوع من معاهدة السلام. 

حلحلة دبلوماسية والتقاط الأنفاس: قد تمثل المبادرة الأفريقية نوعًا من التسوية الدبلوماسية في عملية بناء السلام، من خلال التوقيع على صيغة أولية تتضمن وقف إطلاق النار “غير المشروط” بين الجانبين كمرحلة أولى للجلوس على طاولة المفاوضات برعاية أممية؛ لتوثيق عمليات السلام والتفاوض حول استعادة الأراضي الأوكرانية من القبضة الروسية مقابل سحب العقوبات على الجانب الروسي ووقف مذكرات الاعتقال بشأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مع تحقيق محاكمة جنائية “عادلة” بعيدً اعن الإملاءات الغربية. وذلك في ظل محاولة التقاط الأنفاس عقب المارثون العسكري الذي أنهك قوتي الجانبين الروسي والأوكراني ومن ورائه الناتو. 

يبدو أن موقف الجانب الروسي المعلن هو الأكثر انفتاحًا على عملية التسوية الدبلوماسية واعتبارها تسوية بها أفكار يمكن أن تنجح. وبالرغم من قبول “زيلينسكي” للمبادرة بشكل أولي إلا أنه وسرعان ما أعلن رفضها بعيدًا عن الانسحاب الروسي الكامل من أراضيه. مما يحتاج تأكيد أولوية أولى وهي تجميد عملية إطلاق النار، كمرحلة مبدئية تليها عملية التفاوض بشأن متطلبات الطرفين، وهو ما يحتاج دعمًا أمميًا لضمان تنفيذ شروط “التسوية الدبلوماسية وعملية بناء الثقة” تمهيدًا للوصول لتوقيع معاهدة سلام فيما بعد.

رحمة حسن

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى