الصحافة الدولية

“البرهان” يحسم أمر “سواكن” السودانية ويكشف زيف إعلام أردوغان

طل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في عام 2017 على الجميع ليعلن عن تأجيره لجزيرة سواكن في السودان، المطلة على البحر الأحمر، وخرجت التصريحات والأبواق الإعلامية التركية لتعلن عن استئجار الجزيرة وبناء قواعد عسكرية في إطار المؤاخاة بين نظام البشير الرئيس المخلوع الإخواني والرئيس التركي، واستغلت الوضع لتعكير العلاقات السودانية السعودية، باعتبارها تهديد للأمن القومي في المملكة السعودية، وتأثير التواجد التركي على الأمن في البحر الأحمر، واستمرت القصة بين استمرار وإلغاء الاتفاق المبرم بشأن الجزيرة حتى جاءت تصريحات رئيس المجلس السيادي السوداني عبد الفتاح البرهاني ليكشف حقيقة الاتفاق، ويزيل الألغاز التي بناها الإعلام في سلاسل متفرقة.

بداية القصة

بدأت الحرب الإعلامية عندما أعلن أردوغان من العاصمة السودانية الخرطوم في ديسمبر 2017، أنه طلب إعادة تأهيل الجزيرة وإدارتها لمدة لم تحدد بعد وقال “البشير قال نعم”، وتم التوقيع على اتفاقية مع السودان لإعادة بناء مدينة سواكن الساحلية على ساحل البحر الأحمر وبناء مرسى لخدمة السفن المدنية والحربية، ووصف الساسة العرب ووسائل الإعلام إن الاتفاقية توضح السياسة التركية التوسعية للهيمنة على المنطقة من خلال التحالف مع جماعة الإخوان المسلمين المُصنّفة إرهابية.

وتم الإعلان عن تنفيذ وكالة التعاون والتنسيق التركية “تيكا”مشروعاً لترميم الآثار العثمانية، وتفقد الرئيسان البشير وأردوغان خلال زيارتهم للميناء مبنى الجمارك ومسجدي الحنفي والشافعي التاريخيين في الجزيرة، وتم التوقيع على 21 اتفاقية من ضمنها الاتفاقيات حول الصناعات الدفاعية التي لم يتم الإعلان عن تفاصيلها

ووصلت قيمة الاتفاقيات المعلنة وغير المعلنة إلى 650 مليون دولار، إلا أن عمر البشير قال وقتها إنه يسعى إلى “رفع الاستثمارات التركية إلى عشرة مليارات دولار في فترة زمنية قصيرة”.

ووصف المحللون سياسة البشير في التعامل مع الأمر بأنها تسعى لتحقيق التوازن والقائم على المشاركة بقوات سودانية في قوات التحالف باليمن، وفي نفس الوقت يقوم البشير المدعوم من إردوغان بفتح الميناء الثاني بالسودان أمام تركيا في مواجهة اليمن والسعودية، وهو الأمر الذي وصفه الإعلاميون المناهضون للسياسة السعودية بأنه خريطة جديدة للتحالفات في المنطقة في ظل الابتزاز السياسي، وأن البشير يستحق لقب “بطل التوازنات”.

 الاحتجاجات الشعبية وتهديد مصالح تركيا في السودان

وعقب إندلاع الاحتجاجات الشعبية على الرئيس المخلوع عمر البشير والتي بدأت في أبريل من العام الحالي، والتي أظهرت توتراً في موقف السياسة الخارجية لتركيا الداعمة للبشير من الرغبة الشعبية السودانية نحو عزل البشير ومحاكمته، ولم توضح تركيا موقفها خوفاً من تكرار الموقف الداعم للإخوان في مصر وأعقبه خسارة مصالحها في المنطقة، فظهرت الأنباء حول إلغاء الاتفاقية السودانية التركية الخاصة بالجزيرة، وسط نفي سوداني وتركي سابق في عام 2018 حول عدم قيام تركيا ببناء قواعد عسكرية بالمنطقة كما نشرت وكالة الأناضول أن مساحة الجزيرة لا تسمح بإنشاء قواعد عسكرية، حيث شدد نائب رئيس الوزراء التركي، هاكان جاويش أوغلو، أن جزيرة سواكن بحدودها وموقعها الجغرافي الطبيعي ذات مساحة محدودة ولا تسمح بإقامة منطقة عسكرية عليها، كما جاء في المؤتمر الصحفي الذي عقده مع لقائه رئيس الوزراء السوداني آنذاك بكري حسن صالح، ووزير الخارجية إبراهيم غندور.

في حين كشف تقرير لشبكة بي بي سي عن القواعد العسكرية التركية عن تواجدها في الصومال، وتوقف أعمال بناء قاعدة عسكرية في سواكن السودانية. “يمكن الإطلاع عليه من هنا.

وزاد التخوف التركي من أن تكون الخاسر الأكبر نتيحة هيمنة حزب العدالة والتنمية الإسلامي على الحكم ودعمه المعلن للبشير جراء الأحداث التي شهدتها السودان، خاصة مع تحدث وسائل الإعلام عن توقف العمل في مشروع إنشاء قاعدة عسكرية تركية في جزيرة سواكن السودانية، وأن حزب المؤتمر الوطني، الموالي لأنقرة، والذي كان ينتمي إلى الرئيس المعزول عمر البشير، لن يشارك في الحكومة الانتقالية الجديدة، فحاول أردوغان أن يبقي على ورقته في المنطقة من خلال تأييد الحكومة المدنية وامله في أن يتجه السودان نحو “عملية ديموقراطية طبيعية”.

حلم الخلافة العثمانية يلوح في مخيلة أردوغان


وما زال حلم الهيمنة يسيطر على أردوغان والذي ظهر في تصريحاته حول أن الأتراك يتشبثون بميراث أجدادهم في كل مكان بدءًا من آسيا الوسطى وأعماق أوروبا وانتهاء بجزيرة سواكن السودانية، وفرض هيمنته الفكرية القائمة على دعم التشددية الدينية وحلم الخلافة العثمانية القديمة الذي يراوده القائم على مبدأ التوسعية.

وأظهرت الأبواق الإعلامية التركية في رد على توقف العمل التركي في ميناء سواكن أن الوضع في جزيرة سواكن لن يتغير حتى مع وصول إدارة جديدة إلى البلاد، وهو ما نشرته صحيفة يني شفق التركية، وهو ما نفته الأخبارفي الوسائل الإعلامية العربية التي رأت أن القوى المدنية تعي أن سواكن لم تكون ذو أهمية اقتصادية كبيرة للدولة التركية، وعليه ظهرت النوايا الخفية التي تؤكد الرغبة التوسعية والسيطرة التركية على البحر الأحمر، وبالتالي ستتجه الحكومة الجديدة نحو اتباع سياسة مستقلة وبعيدة عن المحاور التي ارتمى نظام البشير بين جنبات مصالح الجماعة وغض طرفه عن مصلحة الخرطوم.

حرب إعلامية تركية يكشفها البرهان

ووسط الحرب الإعلامية وسلسلة تزييف الحقائق التي انتهجها الإعلام التركي، ما بين التأكيد على إدارة تركيا للجزيرة وتهديدها لأمن المملكة السعودية نظرًا لأن جزيرة سواكن تقع على ساحل البحر الأحمر شرقي السودان هو الميناء الأقدم  والثاني في السودان بعد بورسودان الذي يبعد 60 كلم إلى الشمال منه، وسبق للدولة العثمانية استخدام جزيرة سواكن مركزا لبحريتها في البحر الأحمر، وضم مقر الحاكم العثماني لمنطقة جنوب البحر الأحمر بين عامي 1821 و1885، وهي الميناء المقابل لجدة، وخاصة ما تناقلته حول التصريحات التركية بانها تعمل على تحقيق “أمن البحر الأحمر” مما يدلل على تواجدها عسكرياً في المنطقة إلى جانب التصريحات الأخرى لوزير الخارجية السوداني السابق بأن السودان لن تضر بمصالح الدول الشقيقة والمتمثلة في مصر والسعودية، هذا إلى جانب التواجد التركي في دول القرن الإفريقي، وما أعقب عزل البشير من تصريحات حول إلغاء الاتفاقية السودانية التركية بشأن سواكن أو استكمالها، ليفجر عبد الفتاح البرهان رئيس المجلس السيادي السوداني ما يتبناه الإعلام من فرقعات إعلامية خلال حديثه مع صحيفة “اندبندنت بالعربية”، حيث أوضح أن البشير كان يسعى لابتزاز دول الجوار، وهوما حدث مع مصر والسعودية، وقام بتصحيح المصطلح الذي يردده الجميع بشأن سواكن وأن تركيا لم تستأجر الجزيرة أو هذه القطعة من الأرض، وأن سواكن ليست جزيرة، هي قطعة على الشاطئ يتواجد بها قصر لأحد السلاطين أيام الحكم العثماني، وهذا القصر تدمّر والاتفاق أن يقوم الأتراك بصيانته فقط، ولا صحة لما يتردد بأنها ذريعة للتواجد العسكري التركي، مشدداً على أن السودان من المستحيل أن تصدر أي فعل يضر بالأمن الوطني للدول الشقيقة.

وجاءت تصريحات البرهان لتمثل صفعة على وجه التضليل الإعلامي، الذي خلق بلونة وسط حرب إعلامية قادها الإعلام التركي لخدمة فكرة التوسع التركي من ناحية، والعمل على تهديد الأمن والاستقرار في المنطقة لاعباً على حلم تمدد النفوذ التركي، وتعكير العلاقات مع الدول المجاورة وإبراز قوة تركيا في المنطقة، وهو ما يضع علامات استفهام أمام ضرورة دراسة السياسات الإعلامية لهذه الوسائل التي تعمل على نقل جزء من الحقيقة وتفقيمه وزيادته من أجل تحقيق سياستها التوسعية وبسط نفوذها وقوتها في العقول لعدة سنوات بدأت منذ زيارة أردوغان للسودان عام 2017، لتستمر سنتان حتى ينفيها البرهان عام 2019، وهو ما يضعنا أيضاً أمام حقيقة أخرى وجديدة من الممكن أن تنفيها لنا الأحداث والتصريحات القادمة وانقلاب ميزان القوى وخريطة النزاع والعلاقات في المنطقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى