
“مصر وفرنسا”.. ثنائية التحالف والتعاون في شتى المجالات
حظي الرئيس عبد الفتاح السيسي باستقبال بروتوكولي احتفالي، خلال زيارته الحالية إلى فرنسا، والتي عقد خلالها قمة جمعت بينه وبين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الإليزيه، أظهرت مدى تقارب الرؤى بين البلدين حول عدة قضايا إقليمية ودولية مثل: أزمة شرق المتوسط، وسبل حل الأزمات في ليبيا ولبنان، والقضية الفلسطينية، إضافة إلى ملف مكافحة الإرهاب والتطرف. كما أثير ملف حقوق الإنسان في مصر بشفافية وصراحة.
علاقات خاصة تجمع بين البلدين، تمتد لما يقرب من 220 عاماً، وضع لها الرئيس الفرنسي “شارل ديجول” أساساً قوياً لها، لتكتسب العلاقات المصرية الفرنسية تعاونا واسعا في مجالات السياسة والدفاع والاقتصاد والتعليم والسياحة وغيرها من المجالات الأخرى.
لكن عام 2013، شهد منعطفاً مهما في العلاقات بين البلدين عندما دعم الرئيس فرانسوا أولاند”، ثورة الشعب المصري في هذا العام، فيما قام الرئيس السيسي بزيارة إلى باريس بعد تنصيبه عام 2014، كل ذلك شكل أساسا وتعاونا قويا بين البلدين في كافة المجالات.
شراكة استراتيجية
اتخذ البلدان قرارا بعقد القمة المصرية الفرنسية، لتأكيد أهمية استقرار منطقة الشرق الأوسط، وجاءت القمة، في توقيت تحظى فيه مصر بدور محوري على مستوى الشرق الأوسط، والدول الفاعلة على مستوى العالم، ودلالة مهمة على ما تمتلكه مصر من قدرات ومقومات جعلت منها محط اهتمام عالمي، الأمر الذي عززه تحسن تصنيفها فى التقارير الدولية، وكذلك اتخاذها إجراءات جادة للإصلاح الاقتصادي، وتنفيذ العديد من الإصلاحات التنظيمية.
وتعول فرنسا على الدور المصري كركيزة لجهود عربية أوسع للتعاون في مواجهة تحديات الأمن غير التقليدي، على خلفية نجاح مصر في التصدي للإرهاب في سيناء، وخبرتها الرائدة في هذا الصدد، فضلاً عن خبرتها المهمة في مجال مواجهة ظاهرة الهجرة غير الشرعية عبر أراضيها إلى أوروبا خلال الأعوام الماضية، ودورها الرائد في الدفع نحو التوصل إلى حل سياسي في ليبيا وفلسطين وغيرها من القضايا الشائكة في المنطقة.
كما شكلت التهديدات التركية في بحر المتوسط مساحة جديدة للتعاون بين القاهرة وباريس انطلاقاً من قيم ومواقف مشتركة تستند للقانون الدولي. سبق هذا التعاون الرؤية التي طرحها ماكرون شهر يوليو الماضي والتي قال فيها “إن على أوروبا أن تسيطر جيوسياسياً على منطقة البحر المتوسط لأن هذه المنطقة تأتي منها تهديدات متعددة لأوروبا سواء كانت الهجرة غير الشرعية أو الإرهاب أو التهديدات التركية”. وأيدت مصر هذه الرؤية بشكل كامل، ودعمت كذلك منع الهجرة غير الشرعية بداية من شهر أغسطس 2017 وحتى الآن لم تخرج رحلة تحمل مهاجرين غير شرعيين إلى دول البوابات في أوروبا، وهذا الأمر محل إشادة من قبل فرنسا.
وعلى الجانب الاقتصادي، تعد مصر بوابة لأفريقيا، وتحظى باهتمام خاص لدى فرنسا التي تعتبر شريكا اقتصاديا بالغ الأهمية لمصر، حيث أظهر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء أن حجم التجارة بين مصـر وفرنسا خــــلال عـــام 2019 بلغ نحو 2.4 مليار دولار وأن عدد المصريين الموجودين بفرنسا طبقا لتقديرات البعثة بلغ 416.250 حتى نهاية عام 2019.
تحديات ناقشتها القمة المصرية الفرنسية:
الأزمة في شرق المتوسط: أظهرت القمة وجود توافق بين الموقف المصري والفرنسي من هذه الأزمة والذي يتماشى مع غالبية دول البحر الأبيض المتوسط ما عدا تركيا. وكانت فرنسا الأولى التي نبهت لخطورة ما تقوم به أنقرة لجهة الاعتداء على السيادة المائية لعضوين في الاتحاد الأوروبي، هما اليونان وقبرص. وطالبت باريس أكثر من مرة، بفرض عقوبات أوروبية على تركيا، الأمر الذي سيحسم في القمة الأوروبية المقررة يومي 10 و11 ديمسبر الجاري في ظل توجه أوروبي، خصوصاً ألمانياً إلى اللحاق بالموقف الفرنسي. وبالتالي فإن هناك اصطفافا لموقف موحد من قبل هذه الدول للوقوف بوجه محاولات تركيا في فرض أمر واقع في حوض البحر الأبيض المتوسط. ولوحظ في الأسابيع الماضية تغير في لهجة الخطاب التركي من هذه الأزمة، فتركيا الآن تميل إلى وضع حلول وعدم فرض سياسة الأمر الواقع في هذه المرحلة خصوصاً أنها ترى توافقا مصريا فرنسيا بريطانيا ألمانيا، ليس فقط في مسألة البحر الأبيض المتوسط ولكن من الأزمة الليبية، لذلك فإن هذا التقارب توج بهذه الزيارة التي خرجت باتفاقات تحفظ مصالح هذه الدول في البحر الأبيض المتوسط.
ويرى ماكرون أن بلاده تدخلت في شرق المتوسط لمنع هيمنة التحركات التركية الأحادية، في تلميح لإرسال باريس قوة بحرية وجوية إلى المنطقة الصيف الماضي، والمشاركة في تدريبات عسكرية، وأن بلاده “ترفض التساهل مع الأمن وانتهاك السيادة الأوروبية”، منوها بالدور الذي يمكن أن تلعبه مصر في الحفاظ على أمن المتوسط.
وتنطلق باريس في اعتمادها على دور مصري في شرق المتوسط من موقع مصر من جهة ومن وزنها الاستراتيجي والسياسي، ومن دورها في إطار مجموعة الدول المنتجة للغاز في المنطقة وهو الدور الذي يوازي الدور الذي تلعبه في ليبيا بمواجهة الخطط التركية.
الأزمة الليبية: تدعم مصر وفرنسا الحل السياسي والسلمي في ليبيا ويسعيان إلى إخراج الإرهابيين والمرتزقة من ليبيا ويدعمان مخرجات مؤتمر برلين الصادر في يناير 2020 وإعلان القاهرة الصادر في يونيو 2020 بشأن الوضع في ليبيا. كما تدعم القاهرة وباريس الحوارات الدائرة الآن بين الفرقاء الليبين في القاهرة أو حتى المحادثات السياسية التي تجري في تونس والمغرب والهدف منها التوصل إلى رؤية تنتهي بإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في ليبيا في ديسمبر 2021. كما شدد الرئيسان خلال القمة على أهمية عدم وجود قواعد عسكرية أجنبية في ليبيا وعلى سحب كل المرتزقة من ليبيا ليس فقط الأتراك منهم أو من تدعمهم تركيا بل كل المرتزقة والاحتكام إلى القرارات الأممية ذات الصلة للتمهيد إلى حل ليبي حقيقي للأزمة الممتدة منذ ما يقرب من عشر سنوات. كما تريد مصر وفرنسا تعزيز “المؤشرات الإيجابية” التي بدأت تظهر في الملف الليبي، وهي: وقف إطلاق النار، واستمرار الحوار السياسي وتواصل تدفق النفط الليبي. وحذر الرئيسان من أن الحوار السياسي “مهدد من قوى إقليمية” في إشارة واضحة إلى تركيا، التي ترى باريس أن “لا مصلحة لها” في نجاح الحوار.
القضية الفلسطينية: في ظل المتغيرات التي أحدثتها إدارة ترامب، واتفاقيات التطبيع مع إسرائيل، شدد الرئيس السيسي على أهمية العودة للمفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية وعدم “تضييع” حل الدولتين خاصة أن مصر وباريس تؤيدان فكرة إقامة دولة فلسطينية على حدود 4 يونيو عام 1967.
وتقوم مصر حالياً بتنسيق عربي فرنسي، بحيث تنظم مصر والأردن والسلطة الوطنية الفلسطينية بالتعاون مع فرنسا مؤتمر دولي جديد للسلام يضع إطاراً زمنياً ورؤية متفق عليها ما بين فرنسا ممثلة في الاتحاد الأوروبي والدول العربية الفاعلة للوصول إلى حل للقضية الفلسطينية.
تفاهم مصري فرنسي حيال الأزمة في لبنان: حضر ملف أزمة لبنان بقوة في محادثات الرئيسين، ووجه السيسي دعوة مشتركة مع ماكرون إلى جميع القوى السياسية في لبنان لتشكيل حكومة بأسرع وقت لحل الأزمة فيه. وقال إنه والرئيس الفرنسي قررا تكثيف الجهود مع الأصدقاء في المنطقة من أجل التوصل للحل في لبنان، مشيرا إلى أن الموضوع اللبناني استحوذ جزءاً مهماً من المحادثات بينهما. وأعرب السيسي عن أسفه بالنسبة للوضع في لبنان، حيث اعتبر أن تخلي دول عدة في الغرب وعدم وحدة الصف العربي جعلا الفراغ يكون لمصلحة إيران وتركيا، وأعطى مثالاً على ذلك لبنان حيث نفوذ إيران تعزز في البلد والدولة فيه ضعيفة، وأن ضعف الدولة يؤدي إلى زعزعة الاستقرار وهيمنة دول مثل إيران في لبنان، كما أكد ضرورة إخراجه من الأزمة.
وبالتالي فإن على القاهرة وباريس اتخاذ خطوات لإخراج لبنان من أزمته، فالتعاون بين البلدين سيحدث فرقا كبيرا لما لمصر من تأثير عربي بارز وتأثير دولي كبير لباريس، إذا هناك شبه توافق على تشكيل حكومة في لبنان، وفي نفس الوقت لا ترغب القاهرة وباريس في “إيجاد” حكومة في لبنان بناء على ضغط خارجي وعلى اللبنانيين أنفسهم “إيجاد” هذه الحكومة والاستعانة بالتوافقات الخارجية، فوجود دور محوري عربي تستخدمه مصر ودور محوري دولي تستخدمه باريس، سيكون من المفيد للبنانيين الاعتماد على هذين الدورين في الخروج من أزمتهم ، ووقوف مصر مع فرنسا في هذا التوقيت سيصحح بعض الأمور.
مواجهة الإرهاب والفكر المتطرف: أعلن ماكرون، أن مصر معرضة لتحديات عدة، وهي حصن منيع ضد التطرف، ومن هذا المنطلق، فإن باريس تعمل على تعميق العلاقة الأمنية والعسكرية مع مصر. ومن المقرر أن يدرس مجلس الوزراء الفرنسي غداً (الأربعاء) مشروع قانون لمحاربة ما يطلق عليه ماكرون “الانفصالية الإسلاموية”، مع التأكيد على أن فرنسا “لا تحارب الإسلام الذي له مكانة في الجمهورية الفرنسية، بل النزعة الانفصالية وتغليب قيم غير القيم الفرنسية”.
وشدد الرئيس السيسي على ضرورة التمييز بين الإسلام وبين العناصر المتطرفة، وأكد أنه تمت مناقشة صياغة آلية دولية مشتركة لمواجهة الكراهية والتطرف، مشيرا إلى أن مصر دفعت ثمناً باهظاً جراء الإرهاب والتطرف، وأن جهود بلاده تهدف إلى تحقيق التوازن بين الأمن والحفاظ على حقوق الإنسان.
أزمة الرسوم المسيئة: كان الرئيس السيسي أول رئيس في العالم العربي والإسلامي يناقش علانية الجدل الذي أثير حول الرسوم المسيئة للرسول الكريم والخطاب الذي قاله ماكرون. ووجه ماكرون الشكر للرئيس السيسي على زيارته لباريس بعد “حملة الكراهية” ضد فرنسا في العالم الإسلامي. وأكد أن فرنسا ومصر “متحدتان” لبناء “حيز لا مكان فيه لأحكام الموت وخطابات الكراهية عندما يتم ببساطة التعبير عن الحريات”.
وكانت فرنسا عرضة في الفترة الأخيرة لدعوات للمقاطعة وتظاهرات في العالم الإسلامي بعدما دافع ماكرون عن حرية نشر رسوم كاريكاتورية بعد قتل مدرس فرنسي بقطع الرأس في أكتوبر لعرضه رسوما للنبي محمد خلال مناقشة حول حرية التعبير.
حقوق الإنسان: رفض ماكرون الربط بين ملف “حقوق الإنسان” من جهة والتعاون الدفاعي والاقتصادي مع مصر من جهة أخرى.
من جانبه، أكد السيسي أنه لا يليق تصوير مصر على أنها دولة ذات نظام مستبد، في ظل ما تفعله من أجل شعبها ومن أجل استقرار المنطقة، مشيرا إلى أن الشعب المصري الذي يشكل الشباب فيه أكتر من 65 مليون نسمة لا يقدر أحد على تكبيله أو أن يفرض عليه أي نظاما لا يقبله.
فالرئيس السيسي كان واضحاً وحازماً منذ مجيئه إلى السلطة في عام 2014 حول مسألة الديمقراطية، وأن الديمقراطية لها متطلبات اقتصادية وأمنية، واستعادة الدولة أولاً وبناء أركانها الاقتصادية والأمنية، ثم الشروع في الديمقراطية”، وهو لم يغير موقفه حتى الآن وتعامل بندية مع ماكرون أو أي مسؤول غربي في هذا الصدد، وأن ملف حقوق الانسان يخضع لاعتبارات داخلية في ضوء خصوصية التجربة السياسية لكل دولة.



