أوروباروسيا

كيف ترى روسيا رئيسة الوزراء البريطانية الجديدة ليز تراس؟

دأبت الحكومات البريطانية المتعاقبة على مراقبة صعود روسيا فلاديمير بوتين بعيون قلقة، وعبروا عن رفضهم لسياسات وتحركات موسكو خلال العقدين الماضيين، جراء ضم روسيا شبه جزيرة القرم في عام 2014 وتدخل الكرملين في انتخابات الدول الغربية، والهجمات السيبرانية على المؤسسات الحكومية في عدد من الدول الأوروبية ونشر المعلومات المضللة، وأخيرًا وصول العلاقات لنقطة غير مسبوقة بفعل الحرب الأوكرانية التي تصاعدت بالتزامن مع تولي رئيسة الوزراء المحافظة والمناهضة لموسكو “ليز تراس” السلطة في لندن. ويبقى السؤال: هل ستزداد العلاقات الروسية البريطانية سوءًا في ظل رئيسة الوزراء البريطانية الجديدة ليز تراس؟

وصفت الخارجية الروسية تعيين تراس في منصب رئيسة حكومة المملكة المتحدة بأنه انعكاس لأزمة الديمقراطية البريطانية. وأكد وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف أن سياسة تراس لن تساعد في تعزيز مكانة المملكة المتحدة على الساحة الدولية، وأنها تدافع عن مصالح بريطانيا، ولا تريد الموافقة على تنازلات. وتتخذ تراس لغة حادة عند الحديث عن الرئيس فلاديمير بوتين، وهي من قاد حملة معاقبة رجال الأعمال الروس الذين كانوا يعيشون في لندن. وأيدت فكرة ذهاب البريطانيين للقتال في أوكرانيا ضد القوات الروسية، والتي أسقطتها مؤسسة الدفاع البريطانية.

وأكثر ما تخشاه روسيا هو استمرار حفاظ تراس على دعم بريطانيا القوي لأوكرانيا وقيادتها المعسكر الغربي ضد روسيا، وتزويد كييف بالأسلحة والتدريب، ومحاولة إثبات نفسها كزعيمة قوية تواجه موسكو خاصة أنها تشتهر بخطابها العدائي لروسيا، وقد استخدمته بشكل استباقي خلال حملتها الانتخابية. ومع ذلك، ترى روسيا أن السياسية الخارجية البريطانية تعد أولوية ثانوية في الوقت الحالي لدى البريطانيين المنشغلين حاليًا بحل أزمة الطاقة ومكافحة معدلات التضخم التي قد تتراوح بين 18 و22% خلال الشهور القادمة، وتراجع مستويات المعيشة. 

نقاط خلاف موسكو مع تراس

في الواقع لا تحظى تراس بشعبية في موسكو، ويُنظر إليها على أن نهجها سيقوم على استمرار إلحاق الضرر بالمصالح الروسية. وحذرت روسيا من أن علاقتها المتدنية مع بريطانيا قد تتدهور أكثر مع تراس، التي كانت في مرمى استهداف وازدراء موسكو منذ أن كانت وزيرة للخارجية، وتعتقد روسيا أن الأحداث التي جرت خلال وزارتها للخارجية، تكشف بوضوح عن توجه بريطانيا العدائي تجاه روسيا فعلى سبيل المثال:

كان قرارها بالتقاط صور وهي ترتدي عتادًا عسكريًا فوق دبابة خلال زيارتها القوات البريطانية في إستونيا، إحدى الجمهوريات السوفيتية السابقة والتي لديها خلافات مع موسكو، محاولة صريحة لاستفزاز روسيا، والتي تراها محاولة لمحاكاة مارجريت تاتشر التي اشتهرت بالتقاط صور لها على متن دبابة تشالنجر في عام 1986. واجتمعت تراس مع أعضاء حلف شمال الأطلسي في لاتفيا لمناقشة الحشد العسكري الروسي قرب الحدود الأوكرانية التي تثير قلق الدول الغربية. واتهمت تراس موسكو بارتكاب “نشاط خبيث” في البلقان، وقالت إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سيرتكب “خطأ استراتيجيًا” إذا قاد غزوًا لأوكرانيا. 

لا تخلو نظرة موسكو لتراس من الاستخفاف؛ ففي فبراير الماضي قامت تراس بأول زيارة يقوم بها وزير خارجية بريطاني منذ أكثر من أربع سنوات إلى روسيا، وعقدت مع وزير الخارجية سيرجي لافروف اجتماعًا فاترًا، أكد بعده أن العلاقات البريطانية الروسية ربما وصلت إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات عديدة، وأن تراس كانت مثالًا بارزًا على عدم فهم الغرب للجغرافيا الأساسية للصراع، بعد أن بدت وزيرة الخارجية البريطانية مرتبكة خلال الاجتماع حول ما إذا كان إقليما –روستوف وفورونيج– في روسيا أو أوكرانيا. ووصف لافروف محادثتهما بأنها حوار بين “الصم والبكم”. وفي محاولة للتخفيف من وطأة هذه الفضيحة، أوضح مسؤولون بريطانيون أن تراس كانت أساءت سماع لافروف، وأن الهفوة المزعومة دعاية روسية تهدف إلى صرف الانتباه عن اعتداءاتها.

– خلال السباق على قيادة حزب المحافظين، في معرض الإجابة عن سؤال كيف ستتصرف في حال اضطرت إلى اتخاذ أصعب القرارات على الإطلاق “والضغط على زر النووي” مطلقة حربًا نووية كارثية، لتجيب قائلة: “أعتقد أن هذا واجب مهم لرئيس الوزراء وأنا مستعدة للقيام بذلك”. وترى روسيا تلك التصريحات على أنه تحول كبير لناشطة يسارية سابقة شاركت في احتجاجات ضد التسلح النووي عندما كانت صغيرة، وأن تراس غير مؤهلة للسيطرة على الأزرار النووية. وفي مواجهة كل هذه التصريحات، ترى موسكو أن تراس ستتصرف بعدوانية أكثر من جونسون، وستجمع بين تحركاتها الشعبوية وقراراتها المتهورة، بما في ذلك العقوبات ضد موسكو وإمدادات الأسلحة إلى كييف.

كيف تدهورت العلاقات بين المملكة المتحدة وروسيا؟

تعود المشكلة بين لندن وموسكو إلى رؤيتهما المتباينة للنظام الدولي ومكانة كل منهما فيه؛ فمن منظور موسكو، لا تقف بريطانيا على قدم المساواة مع روسيا التي تعد قوة عظمى وواحدة من أكثر ثلاث دول أهمية على مستوى العالم، بينما لا تدخل بريطانيا ضمن هذا النطاق، ويُنظر إليها على أنها قوة “من الدرجة الثانية”، لها ماضيٍ استعماري، وتفتقر للاستقلال الجيوسياسي وخاضعة للمصالح الأمريكية والليبرالية العالمية. أما بريطانيا، فهي تنظر إلى روسيا كدولة هجومية قومية مستبدة تسير بشكل متزايد باتجاه عداء الغرب لاستعادة أمجاد الاتحاد السوفيتي. 

سعى قادة الكرملين إلى التقليل من وضع المملكة المتحدة ودورها في النظام الدولي؛ فقبل سفر رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ديفيد كاميرون إلى سان بطرسبرغ لحضور قمة مجموعة العشرين في عام 2013، وصف متحدث روسي المملكة المتحدة بأنها “جزيرة صغيرة لا يهتم بها أحد”. 

وعلى الرغم من نفى ديمتري بيسكوف، المتحدث الرسمي باسم الكرملين، أنه صرح بهذه الكلمات، فإنها تسلط الضوء على نظرة روسيا إلى بريطانيا بأنها ليست ذات حيثية في تفكير روسيا، وأنها تتحمل مسؤولية تدهور العلاقات بين البلدين لأنها تصور روسيا في الإعلام البريطاني على أنها العدو دائمًا. فضلًا عن أن بريطانيا والجبهة الغربية تكذبان دائمًا بشأن روسيا ولا يمكن الثقة فيهما، وأن بريطانيا تتبنى معايير مزدوجة في مختلف المواضيع.

تعتقد روسيا أن الأحداث التي جرت خلال العقدين الماضيين تكشف بوضوح عن توجه بريطانيا العدائي تجاه روسيا؛ فعلى سبيل المثال، تصاعدت التوترات بين روسيا والمملكة المتحدة منذ الثورات الملونة المناهضة لموسكو في الجمهوريات السوفيتية السابقة بين عامي 2000 إلى 2008، حيث دعمت لندن وبقوة الحركات الاحتجاجية، والإطاحة بالحكومات الموالية لروسيا في أوكرانيا وجورجيا من قبل الحركات الديمقراطية الموالية للغرب وهو ما أثار غضب الكرملين. 

في المقابل، تشير التحليلات إلى أنه كان هناك تفريغ حقيقي للخبرة البريطانية بشأن روسيا، ولم يُنظر إليها على أنها معضلة. فقد تودد رئيس الوزراء الأسبق توني بلير إلى الرئيس الروسي، واستضافت الملكة إليزابيث الثانية بوتين في قصر باكنجهام. وركزت حكومة ديفيد كاميرون على محاربة القاعدة وطالبان في أفغانستان في أعقاب هجمات 11 سبتمبر الإرهابية، بدلًا من التركيز على التهديد الذي تشكله الدول المعادية المحتملة مثل روسيا. في غضون ذلك، ركزت وزارة الخارجية على “أجندة الازدهار” وتعزيز التجارة والاستثمار الأجنبي، بما في ذلك الأموال التي يوجهها الأوليجارشيون والشركات الروسية عبر لندن، فمن خلال شراء وتداول الأسهم والسندات الروسية، ساعدت لندن بوتين على إعادة تسليح وتحديث جيشه. 

واشتدت التحديات بوجه هذه العلاقات بعد تسمم ألكسندر ليتفينينكو، ضابط الأمن الروسي السابق، في لندن، وحملت المملكة المتحدة روسيا مسؤولية وفاة ليتفينينكو، مما أدى إلى تدهور العلاقات مع موسكو. وكان ضم روسيا لشبه جزيرة القرم من أوكرانيا في عام 2014 نقطة انهيار بين العلاقات الروسية البريطانية، مما دفع الدولتين إلى تقليص وجودهما الدبلوماسي في البلدان المضيفة لهما، ولعبت المملكة المتحدة دورا أساسًيا في المعارضة الغربية للضم الروسي. 

وبدأت بريطانيا في إعادة تقييم موقفها بعد أن شرعت روسيا في عمليات عسكرية في سوريا في 2015. وانضمت الحكومة البريطانية، التي كان يقودها آنذاك ديفيد كاميرون، إلى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في فرض عقوبات محدودة على روسيا، مع الحفاظ على حوار مفتوح مع موسكو.

وكان تسميم العميل المزدوج سيرجي سكريبال في سالزبوري في عام 2018 هو الذي دفع السياسيين في المملكة المتحدة، بمن فيهم رئيسة الوزراء آنذاك تيريزا ماي، إلى رؤية النطاق الكامل لتهديد موسكو. وعلى الرغم من نفي موسكو، فإن الحادث قاد حينها لاندلاع أسوأ أزمة دبلوماسية بين الغرب وروسيا منذ الحرب الباردة، وتم طرد حوالي 23 دبلوماسيًا روسيًا اتهمتم بريطانيا بأنهم متورطون في قضية مقتل العميل الروسي، وكانت هذه أكبر عملية طرد لدبلوماسيين منذ 30 عامًا، وبداية اشتعال حرب باردة بين البلدين.

تحدثت رئيسة الوزراء البريطانية السابقة، تيريزا ماي، عن الأعمال التخريبية الروسية ضد بريطانيا في المجال السيبراني والحرب الهجينة، معتبرة روسيا أكبر تهديد للنظام الدولي. وأكدت أن دور بريطانيا هو الدفاع عن النظام العالمي المنضبط أمام الدول غير المسؤولة التي تسعى إلى تدمير هذا النظام. 

وحددت وثيقة “المراجعة الشاملة” للسياسة الدفاعية، التي أعلنت عنها الحكومة البريطانية بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي، أخطر التهديدات التي تواجه المملكة بعد الخروج من الاتحاد، مشيرة إلى موسكو بوصفها التهديد الأكبر على أمنها وأمن أوروبا أكثر من الصين. وأصبح الكرملين في عرف السياسة الدفاعية البريطانية “الخطر الأكثر إلحاحًا” على أمن البلاد؛ إذ قيم قادة سابقون في الاستخبارات العسكرية البريطانية “MI6” مسار العلاقات بين البلدين على مدار السنوات الأخيرة بأنها “حالة حرب خفية”.

ومع انفجار الصراع الأوكراني في فبراير الماضي، وصلت العلاقات الروسية البريطانية إلى نقطة تاريخية منذ نهاية الحرب الباردة؛ إذ أعربت المملكة المتحدة عن معارضتها الشرسة لهجوم موسكو، وقامت بتسليح ودعم كييف بقوة. وبخلاف دول أوروبية أخرى، استبقت بريطانيا أي عمل عسكري روسي محتمل بسن عقوبات على أي شخصيات لها علاقة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بما في ذلك الحجز على أموالهم وعقاراتهم في بريطانيا. وتم حظر قناة BBC في روسيا، في حين أن المملكة المتحدة منعت بث وسائل الإعلام الروسية. 

ختامًا، ستزداد علاقات المملكة المتحدة مع روسيا سوءًا في عهد رئيسة الوزراء الجديدة ليز تراس؛ فقد أعلن الكرملين عن استيائه بعد صعود تراس إلى أعلى منصب سياسي في المملكة المتحدة، وافترضت موسكو بدرجة عالية من اليقين أنه لا يمكن توقع أي تغييرات للأفضل، خاصة وأن الوضع الحالي يمكن الحكم عليه من خلال التصريحات التي أدلت بها تراس عندما كانت وزيرة للخارجية ومنافسة على منصب زعيم الحزب. ومع ذلك تراهن روسيا على خطوات تراس التي ستكون محسوبة، حتى لا تتعرض لانفجار داخلي كما حدث مع جونسون، ولن تندفع نحو سياسات خارجية متهورة تؤثر على الاقتصاد الذي سيكون محور تركيزها في البداية. ومع مضي الوقت، قد تواجه رئيسة الوزراء الجديدة تحديًا متناميًا يتمثل في إقناع المشككين في الداخل والخارج بجدوى دعم أوكرانيا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى