العالم

من “هلسنكي” إلى “جنيف”.. ماذا نتوقع من قمة “بايدن- بوتين”

قبل ثلاث سنوات من الآن، بالتحديد في 16 يوليو2018، وقف الرئيس الأمريكي السابق “دونالد ترامب” جنبًا إلى جنب مع الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” في مؤتمر صحفي في العاصمة الفنلندية “هلسنكي”، ليؤكد عدم التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية لعام 2016، والتشكيك في دقة ما أعلنته وكالات الاستخبارات الأمريكية، والإعلان عن “تناغم” في العلاقات الأمريكية الروسية.

واليوم، يعقد الرئيس “جو بايدن” قمة في جنيف مع الرئيس بوتين، والتي من المتوقع أن تكون عكس اجتماع ترامب وبوتين، لأنها ستعيد إلى الأذهان عقودا من المناورات بين القوتين للهيمنة على العالم، وسلسلة طويلة من القمم المشتركة بينهما يعود تاريخها إلى الحرب العالمية الثانية.

توصف القمة المرتقبة بين بايدن وبوتين بـ”التاريخية” لأنها تعقد بين دولتين يقع بين أيديهما جميع ملفات العالم، ودائما على طرفي نقيض في نزاعات وقضايا دولية. كما تأتي القمة عقب انتخاب  “بايدن” رئيساً جديدا للولايات المتحدة في نوفمبر 2020 -وهو عكس ما سعت إليه روسيا-، وقبل ثلاثة أشهر من الانتخابات التشريعية الروسية التي استبقها بوتين بقانون يحظر المشاركة الانتخابية على أفراد المنظمات المصنفة “متطرفة”، وهو ما يعني استبعاد المعارضة كما يقول خصوم بوتين. كما يأتي انعقاد القمة في ظل ظرف دولي تمر به روسيا من عقوبات مفروضة عليها من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وفي ظل تقارب روسي غير مرحب به مع الصين وإيران. 

وقد سبق انعقاد القمة، تبادل رسائل بين الدولتين، إذ وصف بوتين الرئيس الأمريكي بأنه “رجل محترف” أمضى حياته في السياسة التي كانت لها مزايا وعيوب. بينما اعترف بايدن بأنه يواجه “خصما قويا”، سيضع “خطوطا حمراء” للتعامل معه، ووصفه بـ”القاتل”، وتعهد بالرد على الأنشطة الضارة التي يقوم بها الجانب الروسي. 

ونظرًا لأن بايدن هو خامس رئيس أمريكي يلتقي به بوتين على التوالي، فإنه يستعد جيداً للقمة، حيث عقد جلسات تشاورية مع كبار مسؤوليه، شملت وزير الخارجية “أنتوني بلينكين” ومستشار الأمن القومي “جيك سوليفان”، لمناقشة مجموعة واسعة من القضايا التي يخطط لطرحها مع بوتين، بداية من أوكرانيا ومصير المعارض أليكسي نافالني، مرورًا باتهامات بالتجسس والتدخل في الانتخابات الأمريكية وهجمات إلكترونية منسوبة إلى موسكو، إضافة إلى الملف السوري، وانتهاءً بأوضاع حقوق الإنسان والحريات في روسيا.  

محادثات الاستقرار الاستراتيجي

في ظل تراجع العلاقات بين البلدين إلى أدنى مستوياتها، فإن اللقاء المرتقب يعد فرصة لتمهيد الطريق لـ “حقبة جديدة” للحد من التسلح النووي، بعد أن بدأ نسيج الحد من التسلح في التآكل عقب انسحاب واشنطن رسمياً من معاهدة الأسلحة النووية متوسطة المدى مع روسيا في عام 2019، وانسحاب إدارة ترامب في عام 2020 من اتفاقية “الأجواء المفتوحة” المبرمة مع روسيا. والآن، يواجه بايدن وبوتين خيارات حول كيفية استئناف الحوار حول أولويات الحد من التسلح، في الوقت الذي يواجه بايدن ضغوطًا من الكونجرس بشأن القوة العسكرية المتنامية للصين وطموحات كوريا الشمالية النووية.

كما تضغط مجموعات الحد من التسلح الدولية على القادة الروس والأمريكيين للحد من التسلح من خلال إجراء محادثات “الاستقرار الاستراتيجي”، وهي سلسلة من المناقشات بين الحكومات تهدف إلى تسوية العديد من مجالات الخلاف والتوتر على المستوى الوطني. وهناك أيضًا دعوات لتشمل هذه المشاورات أوروبا لأن المحادثات يمكن أن تغطي مجموعة واسعة من القضايا بما في ذلك التهديدات السيبرانية والعمليات الفضائية والدفاعات الصاروخية، بالإضافة إلى الأسلحة النووية. 

وقد قطعت واشنطن محادثات الاستقرار الاستراتيجي مع موسكو في عام 2014 رداً على ضم روسيا شبه جزيرة القرم وتدخلها العسكري دعما للانفصاليين في شرق أوكرانيا. واستؤنفت المحادثات مرة أخرى في عام 2017 لكنها لم تكتسب سوى القليل من الزخم وفشلت خلال الأسابيع الأخيرة لإدارة ترامب في التوصل إلى اتفاق بشأن تمديد معاهدة ستارت الجديدة للحد من الأسلحة النووية. وبعد وقت قصير من تولي بايدن منصبه في يناير، اتفق الطرفان على تمديد مدته خمس سنوات ولكن بدون خارطة طريق للمحادثات المستقبلية.

وفي نداء منفصل موجه إلى بوتين وبايدن، دعت مجموعة من المنظمات الروسية والأمريكية وخبراء السياسة النووية وكبار المسؤولين الحكوميين السابقين إلى استئناف الحوار الاستراتيجي المنتظم والمتكرر والشامل والموجه نحو النتائج والذي يؤدي إلى مزيد من الحد من المخاطر النووية المعلقة حول العالم وإعادة اكتشاف الطريق إلى عالم خالٍ من الأسلحة النووية.

الانتهاكات الروسية

دعت الولايات المتحدة إلى القمة عقب انخراط روسيا في سلسلة من أعمال المواجهة، حيث حشدت القوات مؤقتًا على الحدود الأوكرانية، واتهمت فى عملية قرصنة سولارويندز، وظهرت تقارير تفيد منح موسكو مكافآت لاستهداف القوات الأمريكية في أفغانستان وتسميم وسجن زعيم المعارضة أليكسي نافالني. كما تحمي روسيا المتسللين وراء هجوم إلكتروني وقع في شهر مايو الماضي أدى إلى إغلاق خط أنابيب كولونيال، الذي يوفر 45 ٪ من إمدادات البنزين إلى الساحل الشرقي للولايات المتحدة.

وخلص تقرير استخباراتي أمريكي رفعت عنه السرية،، بأن الخصوم الأجانب، بما في ذلك روسيا، حاولوا التدخل في انتخابات 2020 بهدف “تشويه سمعة” جو بايدن، ودعم الرئيس السابق دونالد ترامب، وتقويض ثقة الجمهور في العملية الانتخابية، وتفاقم الانقسامات الاجتماعية والسياسية في الولايات المتحدة.

بالإضافة إلى ما سبق، هناك قائمة طويلة من الانتهاكات الروسية تتجاوز التدخل في الانتخابات الأمريكية، على الرغم من إصرار موسكو عدم ارتكابها أيًا من هذه التجاوزات، وأبرزها:

  • طرد الولايات المتحدة في مايو الماضي دبلوماسيين روس، وإعلان فرض عقوبات جديدة على موسكو، رداً على عملية القرصنة الضخمة لشركة SolarWinds التي استهدفت العديد من الوكالات الفيدرالية الأمريكية، بما في ذلك وزارات الدفاع والخارجية والطاقة.
  • يعتقد مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) أن الجاني الرئيسي لهجوم برنامج “الفدية” المسمى DarkSide والذي أغلق في أوائل مايو خط أنابيب كولونيال، أكبر خط أنابيب وقود في الولايات المتحدة، هو شبكة جرائم إلكترونية روسية تعمل بنفس الاسم.
  • تعتقد الاستخبارات الأمريكية أن روسيا هي المشتبه به الرئيسي في إصابة مجموعة من الدبلوماسيين الأمريكيين والموظفين الحكوميين الذين يعانون من “متلازمة هافانا”، تتمثل عوارضها في صداع قوي ورنين بالأذن. ونتجت عن ذبذبات كهربائية ومغناطيسية موجهة عن بُعد عبر أجهزة لاسلكية عالية القوة، وهي نفسها التي أصيب بها دبلوماسيون أمريكيون وكنديون في هافانا بكوبا عام 2016،
  • ترى واشنطن أن عمل روسيا في خط أنابيب غاز (نورد ستريم 2) والذي يمتد من روسيا إلى ألمانيا عبر بحر البلطيق تهديدًا لأمن الطاقة الأوروبي. 
  • أثار تعهد بوتين دعم بيلاروسيا ماديًا وعسكريًا وسط انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبها الرئيس ألكسندر لوكاشينكو غضب واشنطن. حيث انتهج لوكاشينكو، الذي يشار إليه على أنه آخر ديكتاتور في أوروبا، العنف لقمع المظاهرات السلمية المؤيدة للديمقراطية. كما ندد بايدن باعتراض بيلاروسيا طائرة مدنية أوروبية كانت تقل معارضاً لنظام الرئيس البيلاروسي، واصفاً الخطوة بـ”الفاضحة” ومطالباً بالإفراج الفوري عن المعارض.

تاريخ من العداء بين بايدن وبوتين

بصفته عضوًا مخضرمًا لمدة 20 عامًا في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ والمسؤول عن شؤون أوكرانيا في إدارة أوباما بعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في عام 2014، يتمتع بايدن بسجل طويل من العداء لنظام بوتين. مؤكداً أن روسيا في عهد فلاديمير بوتين تهاجم أسس الديمقراطية الغربية، من خلال السعي لإضعاف حلف الناتو وتقسيم الاتحاد الأوروبي وتقويض النظام الانتخابي الأمريكي والتدخل فيه لصالح ترامب، وهو ما أشار إليه في مؤتمر الحزب الديمقراطي لعام 2016، عندما قال “لا يمكننا انتخاب رجل يقلل من شأن أقرب حلفائنا بينما يحتضن ديكتاتوريين مثل فلاديمير بوتين”.

وترى روسيا في بايدن سجل كبير من العداء، بداية من عام 2009 عندما أدلى بايدن بتصريحات مهينة حول دور روسيا كقوة عالمية، قائلاً إن لديها “اقتصادًا متدهورًا” و”تتمسك بشيء في الماضي غير موجود الآن”. وخلال زيارته لموسكو في عام 2011 كنائب للرئيس أبلغ قادة المعارضة أنه يعتقد أن فلاديمير بوتين لا ينبغي أن يترشح للرئاسة مرة أخرى، وسيكون من السيئ بالنسبة لروسيا إذا ترشح بوتين لولاية ثالثة. وهو ما اعتبره بوتين نوع من الإهانة لا يُنسى بسرعة.

 ختامًا، من المتوقع أن تفشل القمة في التوصل إلى حلول ناجعة ونهائية حول القضايا الخلافية بين الولايات المتحدة وروسيا، نظراً لتمسك كل طرف برؤيته وقناعته وثوابت بلاده حيال تلك القضايا. ولكن يبقى عقد القمة بالنسبة لبوتين انتصارا جيوسياسيا في ظل حالة شبه النبذ الذي تشهده البلاد بسبب تصاعد التوتر في السنوات الأخيرة؛ بسبب الهجمات الإلكترونية والحرب في أوكرانيا وخط أنابيب الغاز “نورد ستريم 2″، واستخدام روسيا لغاز الأعصاب القاتل “نوفيتشوك” لمحاولة القضاء على خصومها، وحملات التضليل والتدخل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية. وتسعى روسيا على الرغم من لغتها العدوانية تجاه الغرب، أن تساعد القمة في تحقيق ما سعى إليه بوتين منذ فترة طويلة وهو احترام روسيا على المسرح العالمي. ومن المؤكد أن بوتين سيكرر رسالته بأن الولايات المتحدة يجب أن تحترم المصالح الروسية خاصة داخل روسيا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى