أفريقيا

“إثيوبيا- تيجراي” : لا سلام دون استسلام

يزداد الصراع الداخلي في إثيوبيا، ويبدو أنه يقترب بسرعة من شفا حرب أهلية. حيث أسفر القتال الدائر بين القوات الموالية للحكومة الفيدرالية برئاسة رئيس الوزراء آبي أحمد، وجبهة تحرير شعب تيجراي إلى مقتل مئات الأشخاص، وبات يهدد بتمزيق البلاد، في ظل رغبة آبي في القضاء على الإقليم الذي أرقه طويلا طيلة فترة حكمه. لتتخذ الأوضاع بذلك بعداً آخر وتفرض نفسها على جلسات مجلس الأمن الدولي الذي سيعقد جلسة اليوم الثلاثاء بطلب من ثلاث دول هي تونس وجنوب أفريقيا و”سان فنسان وغرينادين. وذلك بعد إعلان رئيس الإقليم أن شعبه “مستعد للموت”، وذلك غداة المهلة التي حددها رئيس الوزراء، ومنح بموجبها قادة المنطقة الواقعة في شمال البلاد 72 ساعة للاستسلام.

يخوض الطرفان حرباً كلامية، ويحاول كل طرف حشد أتباعه وإقناع العالم بأن لديه سند أخلاقي لشن هذه الحرب. حيث يتهم أبي الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي بـ “الخيانة والإرهاب وتحدي سلطة الحكومة المركزية ومحاولة زعزعة استقرار البلاد”، بينما ترى الجبهة أن الإقليم الذي يقطنه حوالي ستة ملايين نسمه “يتعرض للاضطهاد والتهميش”. وأمهل آبي المقاتلين في تيجراي 72 ساعة للاستسلام، كما حذر الجيش سكان الإقليم البالغ عددهم 500 ألف نسمة من أن الجنود سوف “يطوقون” المدينة ويهاجمونها.

وكتب آبي في بيان على تويتر وجه إلى قاعدة جبهة تحرير شعب تيجراي التي تدير المنطقة “الطريق إلى دماركم تشارف على النهاية ونطالبكم بالاستسلام خلال الساعات الـ72 المقبلة، اقتنصوا هذه الفرصة الأخيرة”. وكان رئيس الوزراء الإثيوبي شن في الرابع من نوفمبر حملة عسكرية على منطقة تيجراي، بهدف الإطاحة بسلطات الإقليم التي يتهمها بالتمرد على الحكومة المركزية والسعي لإسقاطها. وبعد حوالي ثلاثة أسابيع من بدء هذه العملية، تخطط السلطة الفدرالية الإثيوبية لـفرض حصار على ميكيلي عاصمة تيجراي، ومقر الحكومة المحلية المنبثقة من جبهة تحرير شعب تيجراي.

ورفض آبي جميع الدعوات الدولية لإحلال السلام، بما في ذلك من الاتحاد الأفريقي الذي يعتزم إرسال ثلاثة رؤساء سابقين كمبعوثين خاصين في الأيام المقبلة، فيما حذرت الولايات المتحدة والأمم المتحدة من كارثة إنسانية تلوح في الأفق. وكان الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو جوتيريش” دعا إلى “فتح ممرات إنسانية” في إثيوبيا، لتوفير المساعدات للسكان العالقين في النزاع الدائر، معرباً عن أسفه لرفض أديس أبابا أي شكل من أشكال الوساطة.

ما هي أسباب الصراع؟

كانت جبهة تحرير شعب تيجراي الشريك الأقوى في الائتلاف الحاكم في إثيوبيا حتى عام 2018. ورغم أن التيجراي يشكلون 6% فقط من سكان إثيوبيا، فقد هيمنوا على مقاليد السياسة الوطنية بالبلاد لما يقرب من ثلاثة عقود وحتى اندلاع الاحتجاجات. وكل ذلك تغير عندما أصبح آبي أحمد رئيساً للوزراء في أبريل 2018، وهو أول رئيس حكومة من عرقية أورومو، الأكبر في البلاد. وفقد التيجراي مناصب وزارية وبعض المناصب العسكرية العليا.

تضاءلت قوة الحزب، وقام رئيس الوزراء بحل الائتلاف الحاكم، المؤلف من عدة أحزاب إقليمية قائمة على الأساس العرقي، ودمجها في حزب وطني واحد، رفضت جبهة تحرير شعب تيجراي الانضمام إليه. وتصاعد التوتر بعد إعلان رئيس الوزراء، تأجيل الانتخابات العامة التي كانت مقررة في البلاد في شهر يونيو الماضي، بسبب تفشي فيروس كورونا. ورفضت الجبهة التأجيل واعتبرت الحكومة غير شرعية، وأن تفويضها لحكم البلاد قد انتهى. وقامت بإجراء انتخابات على مستوى الإقليم في شهر سبتمبر الماضي. ورأى آبي أن الجبهة تجاوزت الخط الأحمر عندما أجرت الانتخابات.

وباتت ساحة المعركة السياسية هي دستور إثيوبيا، إذ يعتمد في البلاد نظام فيدرالي تدير فيه المجموعات العرقية الرئيسية مناطقها الخاصة. ويرى القادة المحليون في تيجراي في إصلاحات آبي محاولة لإعطاء حكومته المركزية المزيد من الصلاحيات وإضعاف سلطة الولايات الإقليمية. وصنفت أديس أبابا حكومة تيجراي بأنها غير قانونية، بينما لم يعد قادة تيجراي بدورهم يعترفون بإدارة آبي. وقررت الحكومة تقليص الأموال الفيدرالية المخصصة للمنطقة، وهو ما اعتبرته جبهة تحرير شعب تيجراي بمثابة “عمل حربي”.

تداعيات المواجهات العسكرية؟

تواصل الحكومة الإثيوبية حملتها العسكرية في إقليم تيجراي، وتتصاعد المخاوف من أن تؤدي المعارك إلى تعميق الانقسامات العرقية والسياسية في البلاد. وعلى الرغم من أن عرقية التيجراي تشكل 6% فقط من السكان إلا أنها لديها قوة عسكرية كبيرة تقارب ربع الجيش الإثيوبي مكونة من حوالي 250 ألفاً. ورغم أن التيجراي أقلية إلا أنهم يحملون خبرة كبيرة ووزنا سياسيا في إثيوبيا.

وبالتالي، فإن التصعيد بزعزعة استقرار ثاني أكبر دولة في أفريقيا من حيث عدد السكان يهدد الأوضاع الداخلية والإقليم برمته، حيث أدى الصراع العرقي بالفعل إلى مقتل المئات منذ تولي آبي السلطة، ويخلف يوما بعد يوم تداعيات اجتماعية وأمنية مع استمرار وفود أعداد النازحين على السودان المجاور وتوجيه تهم بارتكاب جرائم في حق السكان المدنيين لحكومة آبي من قبل منظمات حقوقية.  وقصف قوات إقليم تيجراي مطار أسمرة يهدد بنشوب حرب إقليمية في القرن الأفريقي.

وعلى هذا، تتمثل أبرز التداعيات المحتملة في:

إضعاف النظام الإثيوبي: يعد النظام الإثيوبي هشاً للغاية نظرا لأن القبلية والمحاصصة الإثنية هي التي تحكم البلاد، وهناك تاريخ طويل وتعقيدات شاهدتها البلاد خلال العقود الماضية، ويبدو أن الوضع الراهن وبعد إعلان حالة الحرب لن يستقر في المدى القصير، وقد تؤدي إطالة أمد الصراع في تيجراي إلى إرهاق الجيش وخلق فراغات أمنية في مناطق مضطربة أخرى في إثيوبيا خاصة في أوروميا وبني شنقول، لا سيما إذ ما حشدت الحكومة الكثير من القوات للحرب. وسيكون لهذا الأمر تأثير على السياسة الداخلية الإثيوبية، ومع ذلك، ترفض الحكومة الفيدرالية حتى اللحظة دعوات الحل الدبلوماسي لإنهاء العمليات العسكرية وشنت هجوماً عسكرياً لإقناع العالم بأن ما يحدث في الولاية شأن داخلي. ووصفت الحكومة الصراع بأنه “عملية لتطبيق القانون ضد “مجموعة مارقة” تهدف لتدمير النظام الدستوري لإثيوبيا. كما أن الصراع من شأنه إضعاف الدولة الأثيوبية نفسها، في ظل ميل جماعات أخرى داخل البلد متعدد العرقيات إلى تحدي الحكومة المركزية الأمر الذي يؤدي في حد ذاته إلى تداعيات إقليمية مدمرة.

الصراع يهدد السودان: أدى اشتداد القتال إلى فرار الآلاف إلى السودان المجاور، ودفع الوضع بأكثر من 20 ألف لاجئ إثيوبي حتى الآن لاجتياز الحدود نحو السودان، والتي أعلنت من جانبها عن فتح مخيم “أم راكوبة” بولاية القضارف السودانية لاستقبال الإثيوبيين الهاربين، وتتوقع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة إلى ارتفاع أعداد اللاجئين الى السودان، والتي تقدرهم حتى الآن بـ 25 ألف إثيوبي. وهناك مخاوف من انتقال الصراع لشرق السودان نظرا للامتدادات العرقية بين الدولتين. فمجموعة التيجراي المتاخمة للحدود السودانية متمرسة في الحروب وخاصة حروب العصابات، الأمر الذي سيؤدي إلى تأثيرات اقتصادية واجتماعية وأمنية على السودان، وسيجعل من السودان منطلقا لهذه الأزمة. وسيكون هناك تسلل من التيجراي للمناطق السودانية، ويمكن أن تنطلق هجماتها من هذه المناطق وتحديدا من القضارف والمناطق الحدودية مع أثيوبيا، وهذا التسلل يمكن أن يحدث تغييرا ديموجرافيا في المناطق الحدودية السودانية.

تدخل إريتريا في الصراع: ربما تمتد تداعيات الصراع إلى إريتريا المجاورة، حيث التقى “أسياس أفورقي” كبار مسئولي الجيش لبحث تطورات الوضع في تيجراي. ومن شأن الصراع أن يزيد من تأخير إجراءات ترسيم الحدود الإثيوبية الإريترية والتي ما تزال عالقة رغم توقيع اتفاق السلام عام 2018. على جانب آخر، لدى إريتريا تاريخ طويل من العداء لجبهة تحرير شعب تيجراي وحسابات خاصة تسعى لتصفيتها، كما أن رئيسها حليف لرئيس الوزراء الإثيوبي. وثمة خطر كذلك من أن تركيز الحكومة الفيدرالية على تيجراي من شأنه إضعاف دعمها للحكومة الصومالية في حربها ضد مسلحي حركة الشباب. وقد سحبت إثيوبيا بالفعل 600 جندي من الحدود الغربية مع الصومال، وإن كانوا غير متصلين ببعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال (أميسوم) والتي تدعمها إثيوبيا كذلك. وتتهم الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي إريتريا بـ إرسال دبابات وآلاف الجنود عبر الحدود لدعم القوات الاتحادية الإثيوبية، وهو ما تنفيه أسمرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى