الأمريكتان

تفويض هاريس.. هل من الممكن أن يصبح الإجراء الروتيني أمرًا واقعًا؟

لمدة 85 دقيقة، انتقلت صلاحيات الرئاسة الأمريكية لـكامالا هاريس” نائبة الرئيس الأمريكي “جو بايدن”، خلال خضوعه لفحوصات طيبية روتينية. وهو أمرًا نادر في الولايات المتحدة، فحتى عندما أصيب الرئيس الجمهوري “رونالد ريجان” بالرصاص وخضع لعملية جراحية، لم يكن هناك انتقال للسلطة. كما رفض الرئيس “دونالد ترامب” الخضوع للتخدير لإجراء تنظير القولون، لعدم رغبته في نقل السلطة إلى نائبه “مايك بنس”. ولكن، هل من الممكن أن يكون القرار الذي اتخذه “بايدن” واعتبره “إجراء روتيني”، تمهيدًا لأن تصبح “هاريس” رئيسة الولايات المتحدة في ظل الاخفاقات التي يواجهها الرئيس الأمريكي وحزبه؟

مع نقل بايدن سلطاته مؤقتًا إلى نائبته، أصبحت هاريس الرئيس الأمريكي صاحب أقصر ولاية على الإطلاق، علمًا بأنها أيضًا أول امرأة تصبح نائبة للرئيس في التاريخ السياسي للبلاد الممتد عبر 250 عامًا. ووفقًا للقوانين والدساتير الأمريكية، المعتاد في الولايات المتحدة يتولى نائب الرئيس الحكم مؤقتًا إذا خضع الرئيس لإجراء طبي يتطلب التخدير، وينص القسم 3 من التعديل الخامس والعشرين لدستور الولايات المتحدة على أنه يمكن للرئيس إرسال رسالة إلى رئيس مجلس النواب والرئيس المؤقت لمجلس الشيوخ يعلن فيه أنهم غير قادرين على القيام بصلاحيات وواجبات منصبه، وأن يرسل إليهم إعلانًا مكتوبًا بخلاف ذلك، ويتولى نائب الرئيس القيام بهذه الصلاحيات والواجبات كرئيس بالنيابة.

هذا النوع من نقل السلطات المرتبط بالفحوصات الطبية، تم تطبيقه لأول مرة خلال فترة الرئيس الجمهوري السابق جورج دبليو بوش (2000/2008)، وهي الحالة التي أشارت إليها المتحدثة باسم البيت الأبيض “جين ساكي”، عند إعلانها نقل الرئيس بايدن صلاحياته لنائبته. ونقل بوش صلاحياته أول مرة إلى نائبه في 29 يونيو 2002، بسبب خضوعه لفحص القولون. وكرر بوش عملية نقل السلطات إلى نائبه في عام 2007، بسبب خضوعه للفحص الطبي ذاته.

ونقل بايدن السلطات الرئاسية رسميًا إلى هاريس، بموجب رسالة أرسلها إلى رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، والسيناتور الديمقراطي باتريك ليهي من ولاية فيرمونت الرئيس المؤقت لمجلس الشيوخ، قبل خضوعه للتخدير. وبعد إفاقته من تأثير المخدر، قال بايدن في رسالة أخرى للمسؤولين ذاتهما: “وفقا لأحكام القسم 3 من التعديل الخامس والعشرين لدستور الولايات المتحدة، أنقل إليكم بموجب هذا إعلاني المكتوب بأنني قادر على الاضطلاع بصلاحيات وواجبات مكتب رئيس الولايات المتحدة، إنني أستأنف تلك السلطات والواجبات”.

مؤشرات كاشفة.. أزمة ثقة بين بايدن وهاريس

تعيين كامالا هاريس، كان تحديًا خاصًا وتاريخيًا، وتوقع الكثيرين أن نائبة الرئيس ستصنع المعجزات وسيكون لها دورًا أكبر، إلا أن هاريس لا تزال إلى حد كبير على الهامش، فمن المتعارف عليه قيام نائب الرئيس بمهام صعبة، لكن هاريس التي تراجعت شعبيتها إلى 28% فقط ورثت منصبًا مهامه معقدة بين الرد على هجمات الجمهوريين بشأن حق التصويت وإدارة أزمة الهجرة على الحدود مع المكسيك. وانتقادات من المعارضة التي تتهم إدارتها بأنها لم تكن قادرة على وقف تدفق المهاجرين من أمريكا اللاتينية. 

على الرغم من الاهتمام الذي حظيت به هاريس لدى اختيارها كأول امرأة تشغل منصب نائب الرئيس الأمريكي ووصولها إلى البيت الأبيض مع الرئيس بايدن قبل عام، وتقديمها على أنها “مستقبل الحزب الديمقراطي”. إلا أن شبكة “CNN“، كشفت عن سخط واختلال وظيفي داخل البيت الأبيض، استنادًا لمقابلات مع أكثر من ٣٠ شخصًا من مساعدي هاريس السابقين والحاليين ومسؤولي الإدارة والعاملين الديمقراطيين والمتبرعين والمستشارين الخارجيين. في المقابل، نفي البيت الأبيض وجود خلافات بين بايدن وهاريس إلا أن الوضع داخل البيت الأبيض متوتر للغاية حيث انتشرت الانقسامات بين العاملين في الإدارة الأمريكية. 

وتشعر هاريس بأنها لا تحصل على نفس الدعم الذي يقدمه بايدن للسياسيين الآخرين، وأن حلفائها محبطون من إلقاء قضايا مشحونة سياسيًا على عاتقها، وأن بايدن يهيئها بذلك للفشل، وهو ما تؤكده وتدعمه أرقام استطلاعات الرأي الخاصة بها والتي تنخفض، وتدنت أخيرًا لتصبح أقل من أرقام بايدن المنخفضة بالفعل. ليزداد بذلك الحديث عن شرخ متزايد بين فريقي كل من الرئيس ونائبته، أبرز مؤشراته:

طموحات سياسية مستقبلية: يراود هاريس فكرة الترشح لمنصب الرئاسة في الانتخابات المقبلة. ومن المتوقع أن تكون على بعد عام واحد فقط من إطلاق حملة رئاسية خاصة بها، في المقابل لم يخفِ بايدن نيته إعادة الترشح في انتخابات عام 2024. وفي حال قرر بايدن الترشح لولاية جديدة عام 2024، سيكون قد بلغ 82 عامًا في تلك السنة، وسيترك منصبه وهو في سن الـ86. وقد ترك ذلك العديد من المحللين الديمقراطيين، بما في ذلك بعض الأشخاص المقربين من نائبة الرئيس، متشككين فيما إذا كان بايدن سيرشح نفسه بالفعل في عام 2024، وهو يدرك تمامًا أن هاريس ستكون مرشحة متوقعة لتحل محله في أعلى القائمة في حال عدم ترشحه، وفي كلتا الحالتين، لن تكون نائبة الرئيس مستعدة لدورها في عام 2024.

كما تشير التقديرات، أن بايدن ابتعد عن الترويج لنائبته الديمقراطية كخليفة محتمل في البيت الأبيض ويحاول التخلص منها، وفي حال عدم ترشحه، سيقوم بتعيين “بيت بوتيجيج” وزير النقل وخصمها الأساسي في الانتخابات التمهيدية للانتخابات الرئاسية لعام 2020، بدلًا منها وتأهيله للترشح لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية عن الحزب الديمقراطي خلال انتخابات الرئاسة المقبلة.  كما يسعى بايدن لتعيينها في منصب شاغر في المحكمة العليا، خاصة أن هذا الاحتمال وصل لأعلى مستويات المناقشة داخل البيت الأبيض.

تراجع شعبية بايدن: يرتبط انخفاض شعبية الرئيس بايدن بعدد من العوامل الموضوعية والذاتية. من العوامل الموضوعية أن السياسة التي تنتهجها الإدارة أدت إلى صعوبات سياسية واقتصادية داخلية. أول ما واجهته إدارة بايدن هو الفشل في سياسة الهجرة، والمسألة الثانية هو أن الأمل في انتعاش اقتصادي سريع لم يتحقق، وثمة جانب آخر مهم هو تزامن ذلك كله مع أزمة الطاقة، والتي تعد أيضا من صنع يديه، حيث ركزت إدارة بايدن بشكل كبير على تطوير التقنيات “الخضراء”.

هناك أيضا نقطة أخرى مهمة للغاية، هي الأزمة السياسية الداخلية. فبعد مغادرة أفغانستان، فقد بايدن السيطرة على الديمقراطيين في الكونجرس الأمريكي. قبل ذلك كان زعيمًا في الحزب الديمقراطي. الآن، انقسم الحزب في مجلسي النواب والشيوخ إلى فصيلين أو ثلاث كتل متحاربة. وحتى بين الديمقراطيين، كان الانطباع أن بايدن لا يسيطر حتى على حزبه.

ساهمت تلك السياسات في تهاوي شعبيته بايدن، التي كانت معتدلة نسبيا في بداية رئاسته، إذ كان يحصل على تأييد 53%من الأمريكيين مقابل معارضة 36%. وبعد مضي 10 أشهر فقط على رئاسته، تراجعت شعبيته بشكل كبير، إذ أظهر استطلاع للرأي أن 53% من الأمريكيين غير راضين عن أداء بايدن. وأظهر استطلاع أجرته جامعة كوينيبياك الأمريكية أن 36% من الأمريكيين فقط راضون عن أداء رئيسهم. وبالتالي، فإن هذه النتائج تنطوي على تداعيات واسعة النطاق، منها أن الديمقراطيين في الكونجرس قد يخسرون انتخابات التجديد النصفي 2022.

خبرة محدودة: معاملة بايدن الفاترة مع هاريس تعود لفشلها في تحقيق أي نجاح في الملفات التي وكلت إليها، وأنها غير مستعدة وليست في وضع كافٍ لتولي مهامها. فقد أظهر استطلاع أجرته مؤخرًا صحيفة “يو أس أيه توداي” بالتعاون مع جامعة سوفولك، أن 28% فقط من المستطلعة آراؤهم يؤيدون هاريس الآن، بينما 51% قالوا إنهم لا يوافقون على أدائها الوظيفي، و21% لم يبدوا رأيًا سلبيًا أو إيجابيًا.

إلى ذلك، تزداد الشكاوى بين فريق بايدن من جهة ومكتب نائبة الرئيس من جهة أخرى. ومما أغضب فريق هاريس على سبيل المثال هو تكليف بايدن لها بالتعامل دبلوماسيًا مع ما يعرف بدول “المثلث الشمالي” وهي جواتيمالا وهندوراس والسلفادور، في إطار المساعي لمعالجة مسألة الهجرة من هذه الدول إلى الولايات المتحدة، لكنه لم يمنحها أي دور على الحدود الجنوبية نفسها التي يتدفق منها المهاجرون عبر المكسيك. وقالت هاريس إنها لا تريد أن يتم تكليفها بإدارة ملف الحدود، لإدراكها أن هذا الملف غير رابح، ولن يؤدي إلا إلى تخريب مستقبلها السياسي، على الرغم من أن بايدن اعتبر الأمر دلالة على احترامه لمنصبها، لأنها كانت الوظيفة نفسها التي منحها له الرئيس الأمريكي الأسبق بارك أوباما كنائب للرئيس. وبالتالي بدت هاريس خاسرة في هذا الملف، وتفتقر إلى الخبر.

وفي سياق متصل، كان من المتوقع أن يكون منتدى باريس للسلام، الحدث الذى عقد فى العاصمة الفرنسية، حيث اجتمع قادة العالم لمناقشة القضايا العالمية مثل تغير المناخ والهجرة وحقوق الإنسان، المنصة التى ستطلق هاريس ملفها على المستوى الدولى من خلالها، ومع ذلك لم يكن لدى نائبة الرئيس فرصة تذكر للتواصل مع الجمهور الفرنسى ولم تلق اهتمامًا إعلاميًا شعبيًا. ووصف البعض هاريس بأنها قدمت أداءً رائعًا، بينما انتقد البعض أسلوب تعاملها مع المؤتمر.

تصاعد شعبية الجمهوريين: فى ظل الاتهامات التي يتبادلها فريقي بايدن وهاريس، أصبح من الواضح أن الحزب الديمقراطي هو الخاسر الوحيد. فقبل عام من انتخابات التجديد النصفي عام 2022، تمكن الجمهوريون من الفوز في انتخابات حاكم ولاية فيرجينيا، أهم الولايات المحاذية للعاصمة واشنطن، مما شكل ضربة سياسية كبيرة للديمقراطيين الذين تمكنوا من تحويلها إلى ولاية زرقاء منذ انتخاب باراك أوباما. ولم يكتف الجمهوريون بهذا الفوز، حيث كان من المفترض أن تكون محاولة إعادة انتخاب عادية للحاكم الديمقراطي، فيل مورفي، في ولاية نيوجيرسي “الزرقاء”، مقابل منافسه الجمهوري جاك تشيتاريللي، تحولت إلى إحراج وجرس إنذار كبير للديمقراطيين، قبل سنة من انتخابات التجديد النصفي. وفاز مورفي بولاية ثانية بعدما أحرز تقدّمًا ضئيلًا للغاية على منافسه الجمهوري تشيتاريللي، وهو ما يعد انتصار باهت.

ختامًا: من المؤكد أن حظوظ بايدن تتراجع فى ظل حقيقة تقدمه فى العمر، على الجانب الآخر، فإن هاريس التي كان من المفترض أن تأخذ الشعلة من الرئيس، لتصبح أول امرأة على الإطلاق وأول امرأة من أصول إفريقية تقود البيت الأبيض كرئيسة رقم ٤٧ للولايات المتحدة الأمريكية، تتراجع حظوظها هي الأخرى، في ظل الصراع الكامن بين الرئيس ونائبته، ليصبح الحزب الديمقراطي هو الخاسر الوحيد في تلك المعضلة. حيث أظهرت نتائج الانتخابات الجزئية المتفرقة في عدد كبير من الولايات والمدن الأمريكية، التي جرت في وقت سابق من هذا الشهر، أن الأمريكيين وجهوا صفعة مدوية للحزب الديمقراطي، وعاقبوا الرئيس جو بايدن بعد نحو عام من عهده، في ظل تراجع شعبيته بعد عودة انتشار فيروس كورونا، والصعوبات الاقتصادية، والانسحاب الفوضوي من أفغانستان. وفشلت ادعاءاته أنه صانع سلام ومفاوض ماهر وباني تحالفات وحلال للمشكلات، في إقناع حزبه الديمقراطي على الأقل بتمرير أجندته الاقتصادية والاجتماعية، في ظل استطلاعات الرأي التي أظهرت رفض الأغلبية أداءه رئيسًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى