أوروبا

“تحييد الخلافات” .. قراءة في رسائل ونتائج قمة جنيف

لم تسفر القمة الأولى التي عقدت بين الرئيسين الأمريكي “جو بايدن” والروسي “فلاديمير بوتين” عن الكثير، ولكنها استطاعت ” تحييد ” الخلافات وخفض حدة التوتر بين البلدين، ورسم مسار جديد للعلاقات الأمريكية – الروسية.
التوقعات بشأن القمة لم تكن متفائلة نوعاً ما، ولكن اللهجة التي خرجت بها كانت أكثر إيجابية، فعقد اللقاء في حد ذاته بعد مؤشرا مهما على رغبة البلدين في التوصل إلى تهدئة في العلاقات المتوترة، ونقل المشكلات المتفاقمة إلى طاولة الحوار بدلاً من مواصلة الحملات الإعلامية الدعائية والاتهامات المتبادلة والعقوبات والقيود المفروضة.
جاءت القمة في نهاية أول جولة خارجية يقوم بها بايدن منذ توليه منصبه، شملت زيارة مقر حلف شمال الأطلسي “ناتو” ومقر الاتحاد الأوروبي، ولقاء الملكة إليزابيث، وحضور قمة مجموعة السبع، التي انعقدت لأول مرة بمشاركة قادة الدول منذ ظهور جائحة كورونا.
وبالتالي فإن انعقاد قمة جنيف في نهاية هذه الجولة، جاء تلبية لثلاثة أسباب ضرورية هي: أولاً، ضرورة فتح قنوات حوار ثنائية لمناقشة القضايا الثنائية والدولية العالقة بين البلدين وأنه لا بديل عن الحوار وجهاً لوجه بين القادة. ثانيًا، تمتلك الولايات المتحدة وروسيا أكثر من 90% من الترسانة النووية في العالم، وبالتالي يتشاركان مسؤولية فريدة للحفاظ على الأمن والسلم الدوليين، وضرورة إجراء محادثات تتعلق بالاستقرار الإستراتيجي لهذه الأسلحة. ثالثًا، لابد أن يكون هناك تعاون بين البلدين في ظل وجود مصالح مشتركة بينهما.

رسائل قمة جنيف

حملت قمة جنيف الأولى بين الرئيسين الأمريكي والروسي عددا من الرسائل والدلالات أبرزها:
خروج راديكالي عن قمة هلسنكي: جاءت قمة جنيف على عكس قمة هلسنكي التي عقدت بين ترامب وبوتين قبل سنوات. حيث رفض ترامب، بينما كان يقف بجوار بوتين أن يلقي عليه مسؤولية التدخل في الانتخابات الأمريكية عام 2016، بل وشكك في النتائج التي توصلت إليها وكالات المخابرات الأمريكية، الأمر الذي قوبل بعاصفة من الانتقادات الداخلية. وهو ما دعا كبيرة مستشاري ترامب في روسيا فيونا هيل للقول: “لقد فكرت في إطلاق جرس إنذار الحريق، أو الادعاء بالمرض، لإجبار الطرفين على إنهاء اللقاء”. كما تضمنت قمة ترامب وبوتين اجتماعا حضره مترجمون فحسب لكن بوتين وبايدن لم يجريا أي محادثات منفردة.
الاستقرار الاستراتيجي: حظي الحد من التسلح بأولوية كبيرة في القمة، حيث أعلنت روسيا والولايات المتحدة ، مطلع هذا العام ، بعد تنصيب جو بايدن عن تمديد معاهدة “ستارت-3” للحد من الأسلحة الهجومية الاستراتيجية. الاتفاقية هي الوحيدة المتبقية بين البلدين وتهدف لدعم الاستقرار الاستراتيجي على أساس التكافؤ للحد من الترسانة الصاروخية النووية لكلا الطرفين. وقال إنهما اتفقا أيضا على مجالات التعاون المتبادل، بما في ذلك الاستقرار الاستراتيجي وإجراءات الحد من التسلح. واتفقت المجموعة على إطلاق “حوار ثنائي حول الاستقرار الاستراتيجي” بين الخبراء العسكريين والدبلوماسيين.
أوكرانيا خط أحمر: لا يزال انضمام شبه جزيرة القرم إلى روسيا في عام 2014، إحدى نقاط الخلاف بين موسكو وواشنطن. إذ تعتبره الولايات المتحدة الأمريكية عملا غير مقبول وغير شرعي، اما روسيا فأكدت على شرعية ضم شبه جزيرة القرم الى الدولة الروسية على اعتبار التاريخ المشترك وصلات القرابة. وانتهت القمة دون التوصل إلى تفاهم بخصوص هذه الأزمة، إذ تمسك كل طرف بموقفه ومصالحه هناك. وأكد الرئيس بوتين أن أوكرانيا “خط أحمر” لن تسمح روسيا بتجاوزه ولا تسمح بانضمامها إلى الناتو، ونشر ما يمكن أن يؤثر على الأمن والسيادة الروسية القريبة جدا من حدودها.
شق العلاقات الروسية الصينية: تدرك روسيا جيداً، أن الصين هي الهاجس الذي يتملك السياسة الخارجية الأمريكية منذ سنوات، وأن ليس من مصلحة واشنطن إبقاء جبهة المواجهة مفتوحة على مصراعيها مع موسكو إذا كانت تريد التفرغ لاحتواء صعود الصين التي رفعتها مؤخراً إلى مصاف التهديد الاستراتيجي.كما تسعى إدارة بايدن لشق الصف بين روسيا والصين من خلال الضغوط أو من الإغراءات التي يمكن أن يقدمها الرئيس بايدن للرئيس الروسي. خاصة أن أيدولوجية الإدارة الأمريكية الحالية لروسيا والصين بأنهما بلدان رجعيان وعليهما أن يتغيرا، وأن يتغير النظام في البلدين.
اهتمام بارز بالملف السوري: شهدت القمة اهتمام واسع بالملف السوري الملف السوري، ظهر في حضور المباحثات مبعوث الرئيس الروسي الخاص إلى سوريا ألكسندر لافرينتييف، ورئيس الأركان العامة فاليري غيراسيموف، وهذ يعني أن هناك تفاصيل تم بحثها بالنسبة للعلاقات بين الدولتين في العودة إلى بعض المعاهدات بالحد من من التسلح والأجواء المفتوحة ومن ثم عدم الاحتكاك المباشر في سوريا. كما تم بحث فتح الممرات الإنسانية في سوريا لنقل المساعدات الغذائية.
عقد لقاءات صحفية منفصلة: إن شبح قمة هلسنكي، وسمعة بوتين في إحراج محاوريه، سببًا في اتخاذ القرار بعقد مؤتمرات صحافية منفصلة. ودفع بهذا القرار مسؤولو البيت الأبيض، لأنهم لم يرغبوا في منح بوتين منصة مثلما فعل بعد قمة 2018. بالإضافة إلى ذلك فإن تلعثم الرئيس بايدن في بعض المؤتمرات الصحفية دفع دون عقد مؤتمر صحفي مشترك.

نتائج القمة

خرجت القمة ببعض النتائج المتواضعة، فبالإضافة إلى عودة سفيري البلدين إلى واشنطن وموسكو بعد سحبهما في مارس الماضي بعد أن اتهمت الولايات المتحدة روسيا بالتدخل في الانتخابات الرئاسية لعام 2020. كان هناك توافق على استمرار الحوار الاستراتيجي حول الحد من التسلح النووي والأمن السيبراني والأمن البيئي والقضايا الخلافية الأخرى. ومع ذلك، لم يكن هناك ما يشير إلى اتفاق بشأن قضايا أخرى، بما في ذلك أوكرانيا ومصير زعيم المعارضة الروسي أليكسي نافالني.
ومن أبرز ما ناقشته القمة:
الرقابة على الأسلحة والأمن السيبراني: من المتوقع في الفترة المقبلة أن يكون هناك مشاورات بين وزارة الخارجية الأمريكية ووزارة الخارجية الروسية حول مجموعة من القضايا بما في ذلك معاهدة “ستارت-3” النووية. ولم يقدم أي من الجانبين تفاصيل حول كيفية إجراء محادثات الأمن السيبراني المخطط لها ، على الرغم من أن بايدن قال إنه أخبر بوتين أن البنية التحتية الحيوية يجب أن تكون “محظورة” على الهجمات الإلكترونية ، قائلاً إن ذلك يشمل 16 قطاعاً لم يحدده علناً. وواصل بوتين إنكار دور روسيا في الهجمات الإلكترونية الأخيرة ضد المؤسسات الأمريكية. وأشار أن الولايات المتحدة لديها برنامج ضخم للهجوم الإلكتروني، وليس لدى روسيا أي برنامج من هذا القبيل على الإطلاق.
حقوق الإنسان: أكد بايدن أنه ستكون هناك “عواقب مدمرة” بالنسبة لروسيا في حال توفي في السجن المعارض الروسي أليكسي نافالني، الذي أدين في قضية اختلاس أموال قبل عدة سنوات، والذي تم استبدال حكم مع الوقف التنفيذ في قضيته بحكم السجن الفعلي في يناير الماضي. في المقابل، انغمس بوتين في خطاب موسكو القديم، وبسؤاله عن سجن أو قتل المعارضين السياسيين، أثار الحديث عن سجن جوانتنامو والتعذيب في السجون في جميع أنحاء العالم. وشبه المعارض أليكسي نافالني، بالمتمردين الذين داهموا مبنى الكابيتول في 6 يناير.
إيران وسوريا وأفغانستان: ترغب كل من موسكو وواشنطن أن تعيد تفعيل البرنامج النووي الإيراني وتوسيعه ليشمل قضايا مثل الصواريخ الباليستية ودور إيران الإقليمي. وشددا الرئيسين على ضرورة استئناف الاتفاق النووي المبرم بين طهران والقوى الكبرى عام 2015، والعودة إلى خطل العمل الشاملة المشتركة. كما ناقش بوتين وبايدن الاتصالات بين العسكريين الروس والأمريكيين في سوريا. كما تناولت القمة ملف أفغانستان.

ختاما
يرى بوتين في الولايات المتحدة أنها خصم ومنافس عالمي. كما يرى بايدن في روسيا العدو وهو ما أكده البيان الختامي لقمة الناتو. ومع ذلك سمحت قمة جنيف لبوتين بأن يقدم نفسه في وطنه على أنه مساوٍ لبايدن على المسرح الدولي. وعلى الرغم من التقدم المتواضع في المحادثات، فمن غير المرجح أن يخضع بوتين لضغوط الولايات المتحدة. وسيواصل قمع المعارضين. كما أنه لن يقدم تنازلات بشأن أوكرانيا، وهي دولة متأصلة في أيديولوجية “القوة العظمى” لروسيا والتي يعتبرها بوتين ساحته الخلفية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى