الصحافة الدولية

بريطانيا والتحديات الأمنية والاقتصادية بعد البريكست

مثلت نتيجة الانتخابات البريطانية والتي انتهت بفوز كبير لحزب المحافظين، انتصارا جديدا لليمين الشعبوي، وبات من المؤكد أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى سوف يصبح حقيقة واقعة في نهاية يناير 2020. وذلك بعد أن تبنى مجلس العموم البريطاني، اتفاق بوريس جونسون لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وسيتم تنفيذ البريكست خلال فترة انتقالية تظل خلالها القواعد واللوائح متوافقة مع الاتحاد الأوروبي. لتنتهي تلك الفترة في ديسمبر 2020، وفقاً لاتفاقية الانسحاب.

هيمنت مسألة الخروج على القوى الأوروبية الرئيسة، لا سيما فرنسا وألمانيا، والتي تدرك جيداً قيمة بريطانيا كشريك عسكري واستخباراتي وتجاري ودبلوماسي، خاصة في عصر الأحادية الأمريكية والقوة الصينية المتنامية. لذا سيواصل الاتحاد الأوروبي العمل بشكل إيجابي مع المملكة المتحدة سواء على المستوى الثنائي أو في الهيئات الدولية مثل الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية ومجموعة العشرين. ومن المستبعد أن تتعرض العلاقات السياسية بين الاتحاد ولندن لتغير كبير بعد بريكست. 

ومع ذلك ألقت مسألة الخروج من الاتحاد الأوروبي الضوء على بعض التحديات الأمنية والاقتصادية التي ستواجهها بريطانيا عقب الانفصال. 

تحديات التعاون الأمني

أثار خروج بريطانيا من الاتحاد الكثير من الجدل حول مستقبل بريطانيا الأمني، وهناك إجماع لدى المراقبين بأن خروج بريطانيا من الاتحاد سيجعلها أكثر عرضة للعمليات الإرهابية، وربما يعود ذلك إلى فكرة أن الإرهاب لم يعد خارجياً بل أصبح محليا أيضاً، في ضوء بيانات العمليات الإرهابية التي ضربت أوروبا. وتشير الإحصائيات أن 75% من العمليات الإرهابية في دول أوروبا خلال عام 2016 و2017 كانت من مواطنين داخل أوروبا.

ويرى “ميشال بارنييه” مفاوض الاتحاد الأوروبي، أن التعاون في مجال الأمن سيكون أمر صعباً لأن التعاون في تقاسم المعلومات، وأيضاً التنسيق بين أجهزة الاستخبارات، لا يمكن أن يتم بالدرجة نفسها مع بلد ثالث خارج مجال شينجن كما يرى كبير المفاوضين الأوروبيين، أن مكافحة الإرهاب والهجمات المعلوماتية والمحاولات الأخرى لتقويض ديمقراطياتنا تتطلب جهداً مشتركاً” بين لندن وبروكسل، للحفاظ على الأمن الأوروبي.

ومن المتوقع أن تتغير الكثير من السياسات الأمنية التي تتخذها بريطانيا تحديدا، بعد مراجعة سياساتها وسد الثغرات التي يمكن أن تكون تهديدا لأمنها الوطني. فرغم أن خروجها يعطيها قوة أكثر في مراقبة حدودها الخارجية، لكنها سوف تخسر الكثير من دعم المعلومات التي تحصل عليه من الوكالات الأوروبية، فالتهديدات لم تعد تقليدية وتأمين الأمن لم يعد يقتصر على مراقبة الحدود فقط، ولم تعد أي دولة قادرة على مواجهة التهديدات الإرهابية بمفردها. ولكن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيؤدي إلى تحقيق مكسبين أمنيين هما:

  • القدرة على التخلي عن الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان
  • تعزيز الرقابة على الهجرة من الاتحاد الأوروبي، خاصة أن بريطانيا كانت وما تزال تعاني من مشكلة الهجرة والهجرة غير الشرعية، وأشدها هي هجرة مواطني دول أوروبا من الكتلة الشرقية خاصة من بولندا، التي أثقلت كاهل بريطانيا اقتصاديا، بمنافستهم على فرص العمل، والالتفاف على قانون الضرائب.

تحديات التعاون التجاري

ظلت بريطانيا على مدى التاريخ تقدم الخدمات المالية والمهنية بشكل سلس إلى دول الاتحاد الأوروبي. والأولوية الرئيسية لها في الوقت الحالي هو الخروج في 31 يناير ثم التفاوض على اتفاق للتجارة الحرة مع الاتحاد وغيره من الاقتصادات العالمية الرائدة.

ولن يتم البريكست في اللحظة التي تغادر فيها بريطانيا الاتحاد الأوروبي. ستكون هناك مفاوضات تجارية صعبة مع الاتحاد الأوروبي، من المحتمل أن تستغرق وقتا أطول بكثير من العام الذي وعد به جونسون. ولدى الاتحاد الأوروبي فائض كبير في تجارة السلع مع المملكة المتحدة (126 مليار دولار أميركي في عام 2018). لكن، ظل لدى الاتحاد الأوروبي عجز مستمر في تجارة الخدمات مع المملكة المتحدة (37- مليار دولار أميركي في عام 2018). ويرغب رئيس الوزراء في أن تبتعد المملكة المتحدة عن قوانين الاتحاد الأوروبي ومعاييره. فعلى سبيل المثال، قال جونسون إن المملكة المتحدة ستحيد عن قواعد الدعم الحكومي الخاصة بالاتحاد الأوروبي من أجل تسهيل الدعم للقطاعات المتعثرة. 

وحول العلاقة المستقبلية البريطانية الأوروبية التي تبدأ بعد 31 يناير، فمن المتوقع بدء المرحلة الانتقالية بحلول فبراير المقبل، وسيكون على بريطانيا خلال هذه الفترة اتباع قواعد ولوائح الاتحاد الأوروبي لمدة 11 شهرا، وستبقى ضمن السوق الأوروبية الموحدة والاتحاد الجمركي الأوروبي، بالإضافة إلى استمرار حرية تنقل الأفراد بين لندن ودول الاتحاد حتى الخروج نهائيا من الاتحاد الأوروبي في ديسمبر 2020، وتعهد رئيس الوزراء بعدم تمديد البريكست مجدداً، وبالتالي سيتبقى نحو 11 شهراً أمام الطرفين للتوصل إلى اتفاق تجارة يسمح بحرية تدفق السلع والخدمات بين الجانبين. وبعد انتهاء الفترة الانتقالية، ستبدأ المملكة المتحدة في التبادل التجاري مع الاتحاد الأوروبي في 2021 بحواجز وحصص وتعريفات تجارية محددة وفقاً للقواعد الأساسية لمنظمة التجارة العالمية.

ويحاول جونسون تفادي القواعد الأوروبية حيث صرح بأن أن اتفاقاً تجارياً “طموحاً” سيبرم “بدون ارتباط بقواعد الاتحاد الأوروبي بل بناء على قوانيننا وعلى علاقات وثيقة وودية”.،  وهذا ما قد يؤثر على المفاوضات مستقبلاً. ويثير هذا التصريح قلق المفوضية الأوروبية لأنه يعني أن جونسون يسعى ربما إلى جعل بريطانيا “سنغافورة جديدة” بمحاولة بيع بضائعها في الاتحاد الأوروبي بأسعار أقل عبر خفض معايير حماية العمال والمستهلكين والبيئة. 

في النهاية، ستختلف بريطانيا بعد البريكست  عن مرحلة ما قبل البريكست. فمن المتوقع بعد إتمام عملية البريكست أن تكون هناك علاقات أوثق مع الولايات المتحدة، تصل إلى حد التحالف العسكري والتجاري. ومن المتوقع أن يكون هناك اتفاق محتمل لانضمام اسكتلندا إلى الاتحاد الأوروبي. ومن المحتمل أيضاً أن تسعى آيرلندا الشمالية إلى الاتحاد مع جمهورية آيرلندا.

+ posts

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى