الأمريكتان

العبثية المدمرة.. جغرافيا صناعة وانتشار السلاح في الولايات المتحدة وتحدياتها

منذ استقلال الولايات المتحدة الأمريكية عن بريطانيا في عام 1776، احتدم الجدل بين الآباء المؤسسين حول مدى أحقية امتلاك الأمريكيين للسلاح فرديًا أو إن كانوا عناصر في ميليشيات محلية. والآن وفي عام 2022، يتجدد السجال القائم منذ نشأة الولايات المتحدة، ولكن هذه المرة حول سبب تشبث الأمريكيين بالأسلحة النارية، بعد أن أصبح العنف المرتبط بالسلاح حدثًا يوميًا في الولايات المتحدة.

اقترن إرث حرب الاستقلال بقناعة متزايدة لدى الأمريكيين بأن عليهم امتلاك أسلحة للحفاظ على سلامتهم. ولم تثق الولايات الجديدة في الحكومة الفيدرالية الناشئة وأرادت قوانينها الخاصة، فكانت الأسلحة ضرورة لا غنى عنها في سبعينيات وثمانينيات القرن الثامن عشر في البلد الناشئ. وامتلاك سلاح ناري كان يعني الوقوف بوجه الأنظمة الملكية المستعمرة، وخصوصًا الجيش البريطاني.

وهو ما خلق علاقة فريدة واستثنائية بين المواطنين والحق في امتلاك السلاح، كفلها التعديل الثاني من الدستور الأمريكي الذي تم التصديق عليه في عام 1791، ونص صراحة على: “حيث إن وجود مليشيا حسنة التنظيم ضروري لأمن أية ولاية حرة، لا يجوز التعرض لحق الناس في اقتناء أسلحة وحملها“.

ومع توسع المدن وانتشارها المتزايد، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام مستويات عنف بسبب الأسلحة النارية لا تقارن بالدول الأخرى. وأحصى المؤرخ ريتشارد هوفشتادتر أكثر من 265 ألف جريمة قتل بالأسلحة النارية بين 1900 و1964. واتخذت السلطات الفيدرالية إجراءات منها حظر البنادق الرشاشة عام 1934، وإلزام مالكي الأسلحة بالتصريح عنها. بموازاة ذلك، فرضت الولايات نفسها قيودًا، فمنعت على سبيل المثال حمل السلاح في العلن.

وقد هدد انتشار السلاح حياة المواطنين، وأصبحت أعداد الوفيات الناجمة عن الأسلحة النارية علامة مميزة للحياة في الولايات المتحدة، بإجمالي بلغ نحو 1.5 مليون قتيل بين الفترة من 1968 إلى 2017، وهو الرقم الذي يتجاوز بكثير أعداد قتلى الصراعات الأمريكية المختلفة حول العالم منذ حرب الاستقلال الأمريكية عام 1775. وفي عام 2020، توفي 45 ألف شخص بسبب القتل أو الانتحار بالأسلحة النارية، ويُمثل الرقم زيادة بنسبة 25% عن السنوات الخمس السابقة، وزيادة بنسبة 43% عن عام 2010.

جغرافيا صناعة السلاح في أمريكا

امتلاك السلاح أمر مقدس و‏جزء لا يتجزأ من الثقافة الأمريكية، وما شجع على ذلك قطاع صناعة الأسلحة الذي لعب على وتر العنصرية والخوف من انعدام الاستقرار. وكان هذا التحول مدفوعًا بشكل كبير بالإعلانات من قبل صناعة الأسلحة التي تبلغ قيمتها حوالي 20 مليار دولار والتي استغلت المخاوف من الجريمة والاضطرابات العرقية. وكشفت “الدراسة الاستقصائية للاسلحة الخفيفة” في يونيو 2018 أن الأمريكيين كانوا يملكون حوالى 45% من الأسلحة النارية المدنية المنتشرة في العالم في أواخر 2017، في حين أنهم لا يمثلون سوى حوالى 4% من سكانه.

بسبب ثقافة السلاح، تعد الولايات المتحدة واحدة من أكثر الدول التي يمتلك مواطنوها أسلحة في العالم، وذلك بمعدل 120 قطعة سلاح لكل 100 شخص، وهو رقم أعلى من اليمن الذي يعيش واحدة من أسوأ الحروب الأهلية في الوقت الحالي. وتشير التقديرات إلى أن معدل امتلاك السلاح في الولايات المتحدة آخذ في الصعود خلال السنوات المقبلة، حيث يقدر عدد الأسلحة في أمريكا بـ 393 مليون قطعة سلاح، علمًا بأن عدد سكانها يبلغ في آخر إحصائية لعام 2019 حوالي 329 مليون نسمة.

ووصلت مبيعات الأسلحة في الولايات المتحدة في الفترة من 2010-2019 إلى 13 مليون بندقية بشكل قانوني، وارتفعت مبيعات الأسلحة السنوية عامي 2020 و2021 بشكل حاد لتصل إلى 20 مليون. وبينما تستورد الولايات المتحدة ملايين الأسلحة كل عام، إلا أن كمية كبيرة من الأسلحة النارية التي تباع في البلاد يتم إنتاجها محليًا. ووفقا لتقرير صدر مؤخرًا عن مكتب الكحول والتبغ والأسلحة النارية والمتفجرات (ATF)، أنتجت الولايات المتحدة ما يقرب من 170 مليون سلاح ناري على مدى العقود الثلاثة الماضية، مع زيادة كبيرة في الإنتاج خلال السنوات الأخيرة.

وتقول المؤسسة الوطنية لرياضة الرماية (NSSF) -وهي رابطة تجارة صناعة الأسلحة النارية- أنها حققت أكثر من 70.5 مليار دولار في العام الماضي مقارنة بـ 19.1 مليار دولار في عام 2008. وبغض النظر عن الظروف الاقتصادية في جميع أنحاء البلاد، فقد نمت صناعة الأسلحة وخلقت أكثر من 375 ألف وظيفة جديدة ذات أجور جيدة منذ منتصف الركود العظيم في عام 2008، مع نسبة نمو سنوية تقارب الـ5% وتفخر المؤسسة الوطنية لرياضة الرماية بأن صناعة الأسلحة واحدة من النقاط المضيئة في الاقتصاد الأمريكي.

وينتج صانعو الأسلحة في أمريكا مجموعة واسعة من الأسلحة النارية تشمل: المسدسات، والبنادق، والطبنجات، والبنادق الرشاشة. وقد وصل معدل إنتاج المسدسات في عام 2001 (21%) من إجمالي الأسلحة المصنعة في الولايات المتحدة، أما الآن فقد أصبحت المسدسات أكثر أنواع الأسلحة النارية شيوعًا ووصل معدل إنتاجها إلى (36٪) والبنادق (35٪).

وهناك مجموعة واسعة من شركات تصنيع الأسلحة النارية في الولايات المتحدة، ولكن الإنتاج يهيمن عليه عدد قليل من اللاعبين الرئيسيين. وفيما يلي أبرز 10 شركات لصناعة الأسلحة في الولايات المتحدة، والتي تشكل مجتمعة 70٪ من الإنتاج:

معوقات أمام حظر الأسلحة

“متى سنقف في وجه جماعة لوبي السلاح”، كان ذلك رد فعل الرئيس “جو بايدن” على حوادث إطلاق النار التي شهدتها الولايات المتحدة خلال الفترة الماضية، وكان آخرها حادث إطلاق نار داخل مدرسة في تكساس أسفر عن مقتل 19 طفلًا وشخصين بالغين. وقد وعد بايدن خلال حملته الانتخابية بالعمل جاهدًا لاتخاذ إجراءات قانونية عاجلة لدرء الخطر الكبير الذي عاشته وتعيشه البلاد من جراء الامتلاك الواسع والشاسع للأسلحة النارية من قبل الأفراد.

ورغم وعود بايدن بتشديد قوانين حيازة السلاح، إلا أن كثيرين يعدون مهمته هذه شبه مستحيلة في بلد يمتلك أسلحة أكثر مما يمتلك من المواطنين، وقد سبق وأن فشل الرئيس السابق باراك أوباما في هذه المهمة؛ ففي عام 2009 أعلن أوباما أنه سيعمل على إيجاد قوانين تحد من حمل السلاح، لكن الكونجرس رفض مشروعه في العام 2013. 

واستبشر لوبي السلاح بوصول دونالد ترامب إلى الحكم وانتظر مزيدًا من القوانين التي تسهل تجارة الأسلحة، خاصة بعد أن دافع عن حق الأمريكيين في حيازة الأسلحة. وأيد ترامب في مايو 2018 في كلمة أمام الرابطة الوطنية الأمريكية للسلاح، عدم تشديد قوانين الأسلحة في البلاد على الرغم من إشارته، عقب حادث إطلاق الرصاص في مدرسة بفلوريدا، إلى أنه سيتصدى للجماعات المدافعة عن الحق في حمل السلاح والتي تتمتع بنفوذ كبير.

وعلى هذا، كشفت عمليات إطلاق النار الجماعية الأخيرة العواقب الوخيمة لانتشار الأسلحة في الولايات المتحدة، مما يعكس أزمة عميقة في النظم السياسية والاجتماعية، وذلك بالتوازي مع فشل كل المحاولات لمواجهتها بسبب عدد من التحديات أبرزها:

تناقض موقف الجمهوريين والديمقراطيين من امتلاك الأسلحة: تعد مسألة حرية امتلاك المواطنين الأسلحة واحدة من أكثر القضايا التي يختلف حولها الحزبان الرئيسان في الولايات المتحدة الأمريكية (الجمهوري والديمقراطي)، وعادة ما تستخدم هذه القضية في المزايدات الانتخابية؛ ففي الوقت الذي يرى فيه الديمقراطيون قصر الحق بضرورة إعادة النظر في “الحق المطلق للفرد حيازة السلاح” بسبب المستجدات التي طرأت على المجتمع الأمريكي واستخدام هذا الحق في جرائم متكررة، يرى الجمهوريون أن امتلاك السلاح من الحقوق التي نص عليها الدستور، ويرون أن السلاح هوية أمريكية يدعمها الدستور، ويعرفون بأصحاب التفسير الفردى، ويرفضون أي قوانين يمكن أن تحجم امتلاك السلاح، ويصوت الجمهوريون ضد أي قانون يتقدم به الديمقراطيون. وينتمي معظم النواب الجمهوريين لحركة “ملاذ السلاح” التي تدافع عن المادة رقم 2 في الدستور الأمريكي. 

سيطرة الرابطة الوطنية للأسلحة: تُعد الرابطة الوطنية للأسلحة (NRA) أقوى منظمة تمارس الضغط دفاعًا عن حقوق ملكية السلاح في الولايات المتحدة، ومن أقوى مجموعات الضغط ذات المصالح الخاصة في الولايات المتحدة، ولديها ميزانية كبيرة للتأثير على أعضاء الكونجرس بشأن سياسة الأسلحة. وتنفق الرابطة رسميا حوالي 3 ملايين دولار سنويا للتأثير على سياسة الأسلحة، وتتمتع الرابطة أيضًا بنفوذ غير مباشر كبير من خلال المشاركة السياسية لأعضائها فيصوت العديد منهم بطريقة أو بأخرى في كل ما يتعلق بهذه القضية وحدها. وتدعم الرابطة بقوة التشريعات التي توسع حقوق حيازة السلاح مثل قوانين “حمل السلاح علنًا” التي تسمح لمالكي الأسلحة بحمل أسلحتهم غير مخفية في معظم الأماكن العامة.

قوانين مهترئة: كان التشريع الفيدرالي الأول المتعلق بالأسلحة النارية هو التعديل الثاني لدستور الولايات المتحدة الذي تم التصديق عليه في عام 1791. وكان التشريع الفيدرالي التالي هو القانون الوطني للأسلحة النارية لعام 1934، الذي وضع لوائح لبيع الأسلحة النارية، ووضع ضرائب على بيعها، وتطلب تسجيل بعض أنواع الأسلحة النارية مثل الرشاشات.

وأصدر الكونجرس الأمريكي في 1994 قانونًا بحظر التصنيع والاستخدام المدنى للأسلحة النارية نصف الآلية والأسلحة الهجومية لمدة 10 سنوات، وبالفعل انتهى الحظر فى سبتمبر 2004، وفشلت محاولات تجديد الحظر. وفى 2013 رفض مجلس الشيوخ مشروع قانون يقيد السماح بحمل الأسلحة، وكان ينص على توسيع التحريات والحصول على السجل العدلي لكل من يرغب فى شراء قطع سلاح.

وتبنت مجموعة من المقاطعات المختلفة في الولايات المتحدة قوانين وقرارات تحظر أو تعيق تدابير مراقبة الأسلحة، والتي يُنظر إليها كانتهاك للمادة الثانية مثل: فحوصات خلفية السلاح، حظر الأسلحة ذات السعة الكبيرة للتخزين، صحيفة السوابق والأهلية العقلية والنفسية لشراء الأسلحة. وأقر المجلس التشريعي لولاية ميسوري التي يسيطر عليها الجمهوريون، عام 2021 قانونًا يحظر على عناصر الشرطة والسلطات المحلية المشاركة في البرامج الفيدرالية التي تهدف إلى تعقب الأسلحة “الشبحية”. في المقابل، شرّعت ولاية فلوريدا قوانين تضبط حمل السلاح، وأقرت قانونًا يحد من جرائم فوضى انتشار السلاح يتضمن رفع قانون السن الأدنى لشراء أي نوع من الأسلحة من 18 إلى 21 عامًا، ومنع الأجهزة التي تحول سلاحًا شبه أوتوماتيكي إلى سلاح أوتوماتيكي.

انتشار الأسلحة المجهولة: أظهر تقرير نشرته وزارة العدل الأمريكية زيادة غير مسبوقة في الأسلحة مجهولة المصدر والتي لا تحمل رقمًا تسلسليًا، وهي عبارة عن مسدسات أو بنادق تباع كأجزاء مفككة ويمكن صنعها في المنزل مقابل بضع مئات من الدولارات، ويمكن شراء بعض أجزائها عبر الإنترنت، أو إنتاجها بواسطة طابعة ثلاثية الأبعاد. تعقب تلك الأسلحة مهمة شبه مستحيلة بالنسبة للجهات المختصة، بجانب أن بيعها وشراءها لا يحتاج إلى ترخيص؛ كونها لا تباع كاملة بل أجزاءً مفككة، وبالتالي لا تعد سلاحًا كاملًا. وبما أن من يشترون هذا النوع من الأسلحة لا يحتاجون لرخصة حمل سلاح، فهم لا يخضعون للقيود -القليلة أساسًا- المفروضة على مشتري الأسلحة النارية التقليدية.

العنصرية وتفوق العرق الأبيض: يعد امتلاك السلاح تقليدًا شائعًا للأمريكيين البيض. ولكن بسبب تزايد انعدام الأمن، تعمل الأقليات الأخرى أيضًا على تسليح نفسها للدفاع عن النفس. وغالبًا ما كان تفوق العرق الأبيض الدافع وراء العديد من عمليات إطلاق النار الجماعية القاتلة في السنوات الأخيرة. لذلك يوصي الخبراء بجهود السيطرة على الأسلحة كحل محتمل للتطرف والعنصرية الآخذة في التنامي. وتشير البيانات الرسمية الأخيرة إلى ارتفاع معدلات جرائم الكراهية ضد الأمريكيين الآسيويين بأكثر من 300% العام الماضي، ووجد مركز دراسة الكراهية والتطرف أن جرائم الكراهية ضد الأمريكيين من أصول آسيوية ارتفعت بنسبة 339% في عام 2021 مقارنة بعام 2020. 

وتماشيًا مع هذه البيانات، كشفت المؤسسة الوطنية لرياضة الرماية (NSSF) أن النساء والسود والآسيويين والهيسبان انضموا إلى سوق شراء السلاح ليكونوا من بين 5.4 مليون مشتري أسلحة لأول مرة في عام 2021. وأشارت البيانات إلى أن أكثر من 33% من مشتري الأسلحة كانوا من النساء لأول مرة في عام 2021، وشهد 44% من تجار التجزئة زيادة في شراء الأمريكيين الأفارقة للأسلحة النارية. وهناك زيادة بنحو 40% في شراء الأمريكيين من أصل إسباني للأسلحة النارية في عام 2021، وزيادة أخرى قدرت بحوالي 27% في شراء الأمريكيين الآسيويين للأسلحة النارية في عام 2021.

ختامًا، تفخر الولايات المتحدة بأنها قاطرة الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم، ولكن الواقع يكشف أنها غير قادرة على الوفاء بالمعايير الرسمية التي وضعتها وذلك في ظل حوادث عنف السلاح اليومية المتكررة وانقسامها بين معسكرين أحدهما يطالب بالحد من انتشار السلاح الفردي، ومعسكر آخر يرى الحل في تسليح مزيد من الناس للدفاع عن أنفسهم. يتعين على الولايات المتحدة أن تفرض قواعد وأنظمة أكثر صرامة على امتلاك الأسلحة النارية، وأن تركز على كبح جماح التفوق وانعدام الأمن بين الجماعات العرقية. فآفة السلاح في الولايات المتحدة ليس لها مثيل في أي ديمقراطية متقدمة، يدعمها في ذلك الثالوث غير المقدس (الجمهوريون ولوبي السلاح وصانعو الأسلحة).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى