الأزمة الأوكرانيةأوروبا

تأثير الدومينو.. كيف فككت حرب روسيا وأوكرانيا أنظمة الحكم الغربية؟

يشهد العالم حربًا غير مسبوقة، وعقوبات يدفع ثمنها الجميع قبل روسيا، وموجات تضخم كبرى وتغيرات سياسية طالت تداعياتها قادة وزعماء الغرب، كشفت عن “تأثير الدومينو”، الذي فكك بعض الأنظمة الغربية التي تساند وبقوة أوكرانيا؛ فالمملكة المتحدة تعيش اضطرابات داخلية دفعت رئيس الوزراء بوريس جونسون إلى تقديم استقالته، وتفكك الائتلاف الحاكم في إيطاليا، ويمر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بـ”وهن سياسي” بعد نتائج الانتخابات التشريعية، وألمانيا تقع تحت وطأة انقطاع الغاز الروسي وتكافح لتتفادى شتاءً قارصًا، بينما يخوض جو بايدن معركة خاسرة في الولايات المتحدة ضد التضخم وشعبيته المتدنية. 

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل سيكون بوتين هو حجر الأساس لسقوط منظومة أحجار الدومينو الغربية خلال السنوات القادمة؟

حذر الرئيس فلاديمير بوتين من أن “كل من يحاول التدخل في أوكرانيا، يجب أن يعلم أن رد روسيا سيكون فوريًا وسيقود إلى عواقب لم تُشهد من قبل في التاريخ”. تلك التهديدات لم تقتصر فقط على أوكرانيا، بل السلام في أوروبا والعالم بأسره، ويقودنا إلى الدور الروسي لخلق الأزمات السياسية التي يشهدها عدد من الدول. من التأثير على توجهات الناخبين في الانتخابات، بهدف دعم القوى القومية المتطرفة، وتقويض الديمقراطية الغربية، وإضعاف الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، إلى نشر الأنباء والمعلومات المضللة، إلى جانب شن هجمات إلكترونية ضد البنية التحتية الحيوية لأهداف غربية. وسبق أن استغلت روسيا سلاح الهجمات السيبرانية في نزاعاتها الأخيرة، كغزوها لجورجيا في عام 2008، وللقرم في عام 2014، واستخدمت الحرب الإلكترونية سلاحًا في التمهيد لحربها في أوكرانيا، بالهجمات السيبرانية التي شنتها على البنية التحتية. 

ويعد الرئيس الروسي السابق ورئيس الوزراء ديمتري ميدفيديف، والذي يشغل حاليًا نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، له دور كبير في الأزمات التي تواجهها الأنظمة الغربية حاليًا؛ فهو جزء من محاولة الترويج لفكرة أن القادة الأوروبيين يدفعون ثمن معارضتهم للتدخل الروسي في أوكرانيا. فقد سبق وسخر من الزيارة المشتركة التي قام بها رؤساء فرنسا وإيطاليا وألمانيا على وقع احتدام المعارك في شرق أوكرانيا وإظهار دعمهم لانضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي. ووصفهم بـ “أكلة الضفادع والنقانق والاسباجيتي”. 

ومع تدهور الأوضاع السياسية في إيطاليا وبريطانيا، نشر ميدفيديف في قناته الخاصة على تليجرام صورة لرئيس الوزراء البريطاني ودراجي مع إطار ثالث فارغ به علامة استفهام، في إشارة واضحة إلى من سيكون التالي من بين أكبر داعمي أوكرانيا في أوروبا. 

\\SERVER\Folder Redirection\marwa.mohammed\Downloads\؟؟.PNG

موسكو كلمة سر انهيار الائتلاف الحاكم في إيطاليا

راقبت موسكو الأزمة السياسية في إيطاليا باهتمام، وعندما أعلن رئيس الوزراء الإيطالي ماريو دراجي استقالته، عبر عدد من المسؤولين الروس عن مدى شعور روسيا بأنها بحاجة لزعزعة استقرار الوحدة عبر الأطلسي. وقالت ماريا زاخاروفا، المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية “هذا شأن داخلي في إيطاليا”، لكنها أضافت بعد ذلك “ولكن بما أن وزير الخارجية الإيطالي سمح لنفسه بذكر روسيا في سياق أزمة الحكومة، فأنا أتمنى للشعب الإيطالي حكومة تركز على حل المشاكل التي خلقتها سابقتها وليس خدمة مصالح الأمريكيين”. 

في اليوم الذي انهار فيه الائتلاف الحاكم، حذر دراجي البرلمان من التدخل الروسي في النظام الديمقراطي للبلاد. وبدأت تظهر الأدلة على أن موسكو لعبت دورًا في سقوط دراجي من خلال تشجيع وزراء حزب الرابطة على التنحي. الأحزاب الثلاثة التي أسقطت حكومة دراجي الائتلافية تربطها علاقات وثيقة بموسكو: حركة 5 نجوم بزعامة “جوزيبي كونتي”، والرابطة بزعامة “ماتيو سالفيني”، وفورزا إيطاليا يقيادة “سيلفيو برلسكوني”. 

انتقد حزب حركة 5 نجوم الحكومة بشدة على خلفية تسليم أسلحة لأوكرانيا، فهو ضد تورط الاتحاد الأوروبي في سباق التسلح وضد توريد الأسلحة الثقيلة بشكل متزايد إلى كييف. وتصاعدت حدة الأزمة عندما قال الحزب إنه لن يشارك في تصويت بمجلس الشيوخ على موضوع مساعدات الدولة للشركات والعائلات المتضررة من حرب أوكرانيا. ودعت الحركة إلى العودة إلى البحث عن حل دبلوماسي للأزمة الأوكرانية.

وعلى وقع الأزمات الاقتصادية وارتفاع عائدات السندات الإيطالية مع رفع تكلفة خدمة ديون إيطاليا أكثر من نظرائها في منطقة اليورو، لاقى اتجاه كونتي الرافض لدعم أوكرانيا بالسلاح قبولًا لدى الرأي العام الإيطالي، وأظهر استطلاع لمحطة التلفزيون الإيطالية Rai1 أن 45% من الإيطاليين يعارضون شحنات الأسلحة إلى أوكرانيا. وكان استطلاع قد أجراه “المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية” في عشر من دول أوروبا، وشمل 8 آلاف أوروبي، أظهر ميلًا في الشارع الإيطالي بأكثر من 52% نحو الوصول إلى تفاهم سلمي مع موسكو. 

وأعلن زعيم حرب “الرابطة” ماتيو سالفيني في شهر مايو الماضي اعتزامه إجراء “رحلة سلام” إلى موسكو تنظمها السفارة الروسية في روما والتي أكدت أنه تم شراء تذاكر الطيران للسياسي اليميني. ولكن أُلغيت الزيارة لاحقًا، في ظل غضب شعبي واحتجاج من أطراف أخرى في الحكومة. وأوردت صحيفة “لا ستامبا” الإيطالية أن مناقشات حزب “الرابطة” مع موسكو لم تتوقف عند هذا الحد، وأشارت إلى وثائق استخباراتية مسربة تزعم أن الدبلوماسي الروسي المقيم في روما أوليج كوستيوكوف سأل قياديًا بارزًا في حزب “الرابطة”، في مايو، ما إذا كان الحزب سيسحب وزراءه من حكومة دراجي، خاصة أنه في مايو الماضي لم يكن هناك أحد في إيطاليا يتحدث عن سقوط حكومة دراجي.

أما سيلفيو بيرلسكوني رئيس الحكومة الأسبق وزعيم حزب فورزا إيطاليا، والذي تجمعه علاقة وثيقة مع بوتين ويراه “مثله الأعلى”، ويزور موسكو رفقة سياسيين يوافقونه ضرورة التوجه أكثر نحو روسيا؛ فقد أيد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في عام 2014، وكتب مقالًا افتتاحيًا في صحيفة “كورييري ديلا سيرا” واصفًا مقاطعة القادة الغربيين للاحتفالات الروسية بأنه قرار “قصير النظر” يشير إلى عدم الاحترام. ونشر برلسكوني مقالًا بعد بدء العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا ذكر فيه أن الأحداث في أوكرانيا أظهرت انعزال الغرب عن بقية العالم. ونشر رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الإيطالي تغريدة قبل 25 أبريل يتمنى فيها للإيطاليين “عيد تحرير سعيد” باستخدام الحرف “Z”، وهو رمز يستخدمه الجيش الروسي لترميز قواته المشاركة في حرب أوكرانيا.

أسباب الأزمة السياسية في إيطاليا أكدت بوضوح عن دور محتمل للرئيس الروسي في الإطاحة بدراجي؛ انتقامًا منه لرفضه العمليات العسكرية في أوكرانيا ولتحركاته الواسعة التي شملت: 

ابتعاد إيطاليا عن دعم موسكو: لطالما كانت إيطاليا الدولة الأكثر ودًا مع روسيا، إن لم تكن الأكثر صداقة معها في أوروبا الغربية. وتقليديا، كانت إيطاليا جزءًا من أوروبا الناعمة تجاه روسيا، ولكن شكلت الحرب في أوكرانيا ضربة قوية للعلاقات بين البلدين؛ فكان بوتين من غير المعجبين برئيس الوزراء الإيطالي دراجي، فإيطاليا في عهده غيرت مسارها، وأدانت حكومته بلا تحفظ الغزو الروسي، ليس فقط من خلال التمسك بالرأي القائل إن موسكو يجب أن تخسر هذه الحرب، ولكن بالتأكيد على أن أوكرانيا يجب أن تكسبها. 

وأيدت روما ترشيح أوكرانيا لعضوية الاتحاد الأوروبي، ولعب دراجي دورًا رئيسًا مع المستشار الألماني والرئيس الفرنسي خلال رحلتهما المشتركة إلى كييف في يونيو الماضي. وفي بداية الغزو الروسي، وردًا على تصريحات وزير الخارجية الإيطالي بأن إيطاليا لن تشارك في أي اجتماع ثنائي مع روسيا دون وقف التصعيد، قالت الخارجية الروسية “يجب على الشركاء الغربيين تعلم استخدام الدبلوماسية بطريقة احترافية، وأن الدبلوماسية تم اختراعها لحل حالات الصراع وتخفيف التوترات، وليس للرحلات الفارغة حول البلدان وتذوق الأطباق الغريبة في حفلات الاستقبال”.

العقوبات الايطالية: كان دراجي مهندسًا رئيسًا لعقوبات الاتحاد الأوروبي ضد روسيا، خاصة تلك التي تستهدف البنك المركزي للبلاد. وعلى الرغم من النزعة السلمية الراسخة في إيطاليا، كان دراجي ثابتًا في دعم المساعدة العسكرية لأوكرانيا، واصطف إلى جانب الولايات المتحدة والمملكة المتحدة التي تعهدت بمواصلة عزل موسكو والضغط عليها بعقوبات صارمة.

البحث عن مصادر بديلة للغاز الروسي: بسبب ابتزاز بوتين للطاقة التي كانت جزءًا محوريًا في استراتيجيته للحرب، فإن سباق إيطاليا نحو تنويع الطاقة يعد أخبارًا سيئة للكرملين. فقد نجح دراجي في تقليص اعتماد بلاده على الغاز المستورد من روسيا إلى 25% بدلًا من 45% العام الماضي، بفضل جهود تنويع الموردين التي بدأت بعد الحرب من دول مثل أنجولا والكونغو والجزائر ومصر. واستيراد الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة، وتعزيز الطاقات المتجددة وحتى إعادة تنشيط محطات الفحم.

وبالتالي، إذا أجرت إيطاليا انتخابات مبكرة -من المقرر أن تجرى في سبتمبر المقبل- فمن المرجح أن يفوز ائتلاف يمين الوسط ويتبنى نهجًا أكثر ودًا تجاه روسيا. لذا، تشكل الأزمة الحالية في إيطاليا فرصة ذهبية لموسكو لتحقيق هدف سياسي كبير لتقويض موقف إيطاليا المؤيد لأوكرانيا والأطلنطي بأقل جهد ممكن.

موسكو تحتسي نخب استقالة جونسون

لم تخفِ موسكو ابتهاجها باستقالة بوريس جونسون الذي وصفته بأنه “أكثر المشاركين نشاطًا في السباق ليكون معاديًا لروسيا”. كان أكثر الزعماء الأوربيين حماسًا للوقوف إلى جانب أوكرانيا، ودعمًا لرئيسها فولوديمير زيلينسكي. ومنذ بداية الغزو الروسي، زار جونسون كييف مرتين ويعتزم القيام بثالثة قبل أن يغادر منصبه، وفي كل مرة كان يتمنى لأوكرانيا النصر الساحق على روسيا، ووضع جونسون بريطانيا في مقدمة الدول الأوروبية من حيث الدعم لأوكرانيا، وبسبب هذا الدعم اضطر للاستقالة من منصبه.

توالت احتفالات موسكو باستقالة جونسون، وقال الكرملين “إنه حصل أخيرًا على مكافأته لتسليح أوكرانيا ضد روسيا”. وعلقت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا “مبدأ الأخلاق لا يسعى إلى تدمير روسيا. إن سقوط جونسون كان أحد أعراض تراجع الغرب، الذي تمزقه أزمة سياسية وأيديولوجية واقتصادية”. ووصف رئيس مجلس الدوما الروسي، فياتشيسلاف فولودين جونسون بأنه “مهرج” واتهمه بأنه “أحد الأيديولوجيين الرئيسين للحرب ضد روسيا حتى آخر أوكراني”. وقال فولودين إن الزعماء الأوروبيين يجب أن يفكروا في الاتجاه الذي ستؤدي إليه مثل هذه السياسة. 

الدور البريطاني المساند لأوكرانيا بدأ قبل الغزو، حيث دقت الاستخبارات البريطانية والأمريكية ناقوس الخطر وحذرتا بشكل علني من أن الغزو الروسي قادم لا محالة، وسط إنكار روسي، وفي وقت كانت فيه أجهزة الدول الأخرى تستخلص استنتاجات مختلفة. ولم يقتصر دور المخابرات البريطانية في الحرب الدائرة على نقل المعلومات وسرد رواية سلبية لضرب معنويات الجنود الروس وحسب، بل تمدد لتسيير عمليات استخباراتية حساسة وخطيرة ضد روسيا نفسها، كان آخرها محاولة سرقة مقاتلة روسية والهبوط بها في أوكرانيا، لكن جهاز الاستخبارات الروسي تمكن من كشف العملية وإحباطها.

وحسب خبراء، فإن نجاح المخابرات البريطانية وإتقانها فنون حروب الاستخبارات العلنية أعطى بريطانيا ورئيس وزرائها القدرة على المناورة وفرض سياسة خارجية ناجحة أكثر ندية للروس، خصوصًا وأن قرار جونسون المبكر بتقديم مساعدة عسكرية إلى كييف قد أتى ثماره في إحباط تقدم القوات الروسية وإسقاط العاصمة الأوكرانية.

فكان جونسون من أوائل القادة الذين أرسلوا مساعدات عسكرية لأوكرانيا، وأول زعيم يخاطب البرلمان الأوكراني. وتعهد بتقديم 2.8 مليار دولار من الدعم العسكري إلى جانب 1.8 مليار دولار من المساعدات الإنسانية والاقتصادية. ودعا إلى مبادرة تدريب الجيش الأوكراني في الاراضي البريطانية من خلال تدريب ما يصل إلى 10000 جندي كل أربعة أشهر.

وانضمت بريطانيا إلى الدول الغربية التي فرضت عقوبات على روسيا وُصفت بالأقوى في التاريخ الحديث، حيث استهدفت العقوبات مصافي النفط الروسية، وحظر الطائرات الروسية من دخول المجال الجوي البريطاني، وحظر بعض البنوك الروسية من نظام المدفوعات العالمي سويفت، وتجميد أصول البنك المركزي الروسي. وفرض جونسون عقوبات على أثرياء روس يبلغ مجموع قيمة ثرواتهم أكثر من 200 مليار جنيه استرليني.  

ونتيجة للغزو الروسي، اتهم معارضو جونسون استغلاله الحرب لصرف الانتباه عن مشاكله الداخلية المتزايدة؛ فقد واجهت حكومته انتكاسات واسعة وفضائح منذ الحرب. واستغل جونسون الحرب لتعزيز نفوذه السياسي، وسار على خطى “مارجريت تاتشر” عندما عززت حظوظها المتداعية في عام 1982 من خلال خوض حرب مع الأرجنتين في جزر فوكلاند، مما رفع تصنيفاتها في استطلاعات الرأي بمقدار عشر نقاط. وكان لجونسون نفس الفرصة حيث نجا في شهر يونيو 2022، من محاولة الإطاحة به من قيادة الحزب بحصوله على دعم 211 نائبًا، في مقابل 148 نائبًا صوتوا لصالح حجب الثقة عنه.

وترى روسيا أن بريطانيا عندما اتخذت قرارًا بفرض عقوبات غير شرعية ضدها وأرسلت أسلحة إلى أوكرانيا لم تهتم برأي مواطنيها، ولم تأخذه بعين الحسبان، وفي سعيها لإلحاق أكبر ضرر ممكن بروسيا ألحقت ضررًا هائلا بمواطنيها. ونتيجة لهذه السياسة نشهد ما وصل إليه الوضع في بريطانيا، خاصة أن 70% من البريطانيين لا يؤيدون سياسة جونسون. فقد أسهم الغزو الروسي في زيادة كبيرة في أسعار السلع الأساسية، وسط توقع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي البريطاني أن يبلغ التضخم ذروته عند 13.3٪ في أكتوبر المقبل، وهو الأعلى منذ أكثر من 42 عامًا، مع تراجع الجنيه الإسترليني إلى مستويات تاريخية.

ورغم إعلان رئيس الوزراء البريطاني استقالته من رئاسة حزب المحافظين الحاكم بعد سلسلة استقالات هزت أركان الحكومة وضغوط كبيرة تعرض لها من أعضاء الحزب، يحظى جونسون بشعبية واسعة في أوكرانيا وصلت إلى 90% وفقًا لاستطلاعات الرأي. وأعلن مكتب الرئيس الأوكراني أنّه تم تقديم التماس لمنح الجنسية الأوكرانية لرئيس وزراء بريطانيا المنتهية ولايته، وترشيحه لمنصب رئيس الوزراء الأوكراني. وأكد جونسون أن رحيله لن يؤدي إلى إضعاف التعاون الأمني ​​لبلدهم مع بريطانيا. وشدد خلال خطاب استقالته أمام 10 داوننج ستريت، على أن السياسة البريطانية تجاه أوكرانيا ثابتة.

ولكن، رحيل جونسون من رئاسة الوزراء لن يضع حدًا ليس فقط لمسيرته السياسية، وإنما قد يهز موقف ​لندن​ بشأن القضية الأوكرانية؛ فعلى الرغم من أن الدعم الذي كان جونسون يتلقاه من وزير دفاعه، بن والاس، ووزيرة خارجيته، ليز تروس، يشير إلى أن لندن ستستمر في لعب دور بارز في الأزمة الأوكرانية​، حتى من دون قيادة رئيس الوزراء الحالي، إلا أن خليفة جونسون القادم قد لا تكون لديه مثل هذه النزعة لتحمل المخاطر، أو الاستعداد لفعل كل ما هو ممكن من أجل كييف. وستكون خطوات رئيس الوزراء القادم محسوبة؛ حتى لا يتعرض لانفجار داخلي كما حدث مع سلفه، ولن يندفع نحو سياسات خارجية متهورة تؤثر على الاقتصاد الذي سيكون محور تركيزه في البداية.  

موسكو تنذر فرنسا بانتخابات مبكرة

كشفت الحرب في أوكرانيا عن تغير كبير في مزاج الناخب الفرنسي في الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وكان الرئيس إيمانويل ماكرون، أول ضحايا الحرب عندما خسر أغلبيته في البرلمان حيث عبر الفرنسيون عن قلقهم حيال تباطؤ الاقتصاد وارتفاع أسعار السلع الغذائية وموارد الطاقة بسبب الحرب الروسية الأوكرانية.

نتائج الانتخابات التشريعية ترمي بشكل مباشر في مصلحة روسيا؛ إذ تواجه حكومة ماكرون اختبارات صعبة للبقاء بسبب صعود طبقة سياسية جديدة مختلفة في المواقف اختلافًا جذريًا عن موقف الإليزيه، وهو ما يسعى إليه بوتين لتشتيت الجهود الفرنسية في الوقوف إلى جانب أوكرانيا. فقد قدمت فرنسا مساعدات عسكرية كبيرة لأوكرانيا وكانت من أوائل الدول التي فرضت عقوبات اقتصادية قاسية على روسيا. ومع ذلك تميل فرنسا للحل الدبلوماسي؛ إذ حافظ ماكرون على الحوار مع الرئيس الروسي، ويؤكد على ضرورة ألا تتعرض روسيا للإهانة، حتى يتسنى إيجاد حل دبلوماسي عندما يتوقف القتال في أوكرانيا، وأن باريس ستلعب دور الوساطة لإنهاء الصراع.

ألقت الحرب بتداعياتها على الاقتصاد الفرنسي بسبب تفاقم الأزمة المعيشية على وقع ارتفاع التضخم واستثمار اليمين المتطرف للأزمة الاقتصادية؛ فقد وصل التضخم إلى 5.4% على أساس شهري، وهو معدل أفضل نسبيًا مقارنة بدول أوروبية أخرى، ولكن الخبراء يتوقعون عدم صمود فرنسا أكثر من ذلك، خاصة بعد أن لجأت الولايات المتحدة إلى رفع نسبة الفائدة في البنك المركزي الأمريكي في مسعى للتحكم في مستويات التضخم المتسارعة. 

وبالرغم من أن الحكومة الفرنسية ضخت 20 مليار يورو للحد من التضخم، ومن ازدياد نسبة الغضب الشعبي، إلا أنها فشلت في أول اختبار للتصويت على مشروع قانون جديد يتعلق بالإجراءات الواجب اتخاذها للحد من انتشار جائحة كورونا.

وعن إمدادات الطاقة من روسيا، فإن فرنسا بدأت تتأثر بشكل مباشر بالعقوبات الغربية المفروضة على موسكو؛ فقد قطعت روسيا إمداد الغاز عن فرنسا في إجراء من شأنه التسبب في زيادة جديدة في أسعار الغاز، ويمثل الغاز الروسي 17٪ من الغاز المستخدم في فرنسا حيث يمكن الوصول إليه عبر خطوط الأنابيب أو في شكل سائل على متن السفن، وتراجعت الإمدادات بنسبة 60٪ منذ بداية العام، بحسب شركة “جي إر تي غاز”، ومنذ 15 يونيو انخفض العرض إلى الصفر. وعلى خلفية ذلك اتخذت السلطات إجراءات لتفادي المزيد من ارتفاع الأسعار وتعويض الموردين، إلا أن ذلك لم يخفف من قلق المستهلك الفرنسي، الذي أصبح لا يثق في سياسات ماكرون وحزبه.

وبالتالي، لن تشهد الحكومة الفرنسية استقرارًا خلال الفترة المقبلة، وقد يذهب الرئيس إلى انتخابات مبكرة إذا تواصلت موجة التضخم الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة في العالم. وإذا ما فُرض على الحكومة الجديدة اللجوء إلى سياسات تقشفية صارمة، عندها ستتكرر مشاهد الفوضى والاحتجاجات التي رافقت الفترة الأولى لحكم ماكرون، حيث اكتسحت حركة “السترات الصفراء” الشوارع واقتحمت حتى قصر الإليزيه. 

ومن المتوقع أن تضعف نتائج الانتخابات التشريعية موقف ماكرون من الحرب الأوكرانية، حيث تؤيد مارين لوبان زعيمة التجمع الوطني اليميني المتطرف انسحاب فرنسا من القيادة المتكاملة لحلف شمال الأطلسي كما فعل الجنرال ديجول في عام 1966 لتجنب الدخول في صراعات “ليست لنا”، وتعارض العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا. من جانبه، يدعو جان لوك ميلانشون زعيم الاتحاد الشعبي البيئي والاجتماعي الجديد إلى الانسحاب الكامل من حلف شمال الأطلسي “عديم الفائدة” لصالح “التحالفات المناهضة للعولمة”، وعارض فرض حظر على الغاز الروسي، قائلًا “سنكون الوحيدين الذين سيتضررون من هذا”.

كيف وضعت موسكو الغرب تحت وطأة الضغوط السياسية؟

تحتل روسيا موقعًا غير عادي على المسرح العالمي. في عهد الرئيس فلاديمير بوتين، أثبتت قدرتها على زعزعة استقرار النظام الدولي، خاصة منذ بدء حربها في أوكرانيا في 24 فبراير الماضي، وقلب ديناميكيات السلطة في دول مختلفة، بعد أن اجتمعت الديمقراطيات الغربية لفرض عقوبات غير مسبوقة على روسيا، لكنها فشلت في وقف الحرب، في ظل اتباع بوتين سياسة النفس الطويل مع القوى الغربية واختبار وحدتهم خاصة مع حلول فصل الشتاء بسبب أسعار الغذاء والطاقة والتضخم والركود الاقتصادي. وأصبح لزامًا على قادة الدول الغربية إعداد شعوبهم لحرب طويلة الأمد مع روسيا.

بعد مرور أكثر من ستة أشهر على الحرب، ثمة مؤشرات تتجه نحو تصدع الوحدة الغربية بشأن الحرب في أوكرانيا، ومواجهة القادة استياءً عامًا من التضخم المتفشي وأزمة غلاء المعيشة؛ ففي الولايات المتحدة تراجعت شعبية الرئيس جو بايدن إلى 36% في بعض استطلاعات الرأي على خلفية الحرب الأوكرانية، والأداء الاقتصادي السيئ، والذي يظهر بوضوح في معدلات التضخم المرتفعة وغلاء الأسعار؛ فقد بلغ التضخم أعلى مستوى له منذ 40 عامًا ووصل 9.1%، وكشفت بيانات الناتج المحلي الإجمالي أن اقتصاد الولايات المتحدة دخل في حالة ركود. ومن المتوقع أن يحقق الحزب الجمهوري مكاسب كبيرة خلال انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل.

وألمانيا التي تقع تحت وطأة الغاز قد تكون الضحية الأقرب؛ إذ يواجه أضخم اقتصاد في أوروبا أزمة غاز جعلت المستشار الألماني، أولاف شولتس، يصف الحرب بأنها “تهديد غير مسبوق”، سواء على الصعيدين الأمني أو الاقتصادي، وسط آفاق قاتمة على المدى المنظور. وتبدو النظرة المستقبلية لألمانيا أسوأ بكثير من الدول المجاورة، بالإضافة إلى معدل التضخم المرتفع واضطراب سلاسل الإمداد.

ويعد اعتماد ألمانيا الكبير على إمدادات الغاز الطبيعي الروسي مهددًا باحتمال اللجوء إلى تنظيم إمدادات الطاقة واستخدام نظام الحصص للمستهلكين خلال الشتاء المقبل، في ظل استمرار تقليص روسيا لكميات الغاز التي تضخها إلى ألمانيا وأوروبا بشكل عام. ومن المحتمل أن يتدهور الموقف بصورة أكبر في الأشهر القادمة حتى تضطر الشركات الصناعية في ألمانيا إلى خفض إنتاجها أو وقفه جزئيا.

وفي إسبانيا، خسر الاشتراكيون الذين يخوضون الانتخابات العام المقبل قاعدة سلطتهم في الأندلس، المنطقة الأكثر اكتظاظًا بالسكان، حيث حقق حزب الشعب المنتمي لليمين الوسط رقمًا قياسيًا جديدًا بلغ 36.3٪ في استطلاع حديث، وهي أفضل نتيجة له منذ أبريل عام 2017. وإذا تكررت في الانتخابات فستكون أفضل نتيجة له منذ عام 2011. حيث تكافح حكومة بيدرو سانشيز للتعامل مع التداعيات الاقتصادية للغزو الروسي لأوكرانيا، وارتفاع معدلات التضخم التي تجاوزت 10.2% في يونيو على أساس سنوي، وهي المرة الأولى التي يتجاوز فيها 10% منذ أبريل 1985.

وفي إستونيا، نجت رئيسة الوزراء المناهضة بشدة لبوتين، كاجا كالاس، بعد وقوع حكومتها الائتلافية السابقة في نزاع مرتبط بمعدل التضخم في البلاد البالغ 19٪، وهو أعلى معدل في منطقة اليورو. وسجلت أسعار الكهرباء ارتفاعًا قياسيًا، بمتوسط بلغ 300 يورو لكل ميجاوات/ ساعة. لكن كلاس أعادت بناء حكومتها بمهارة، نظير تكبد بعض التكلفة على حساب ميزانية إستونيا ومصداقيتها. وإذا لم يتحسن الاقتصاد بحلول موعد الانتخابات التشريعية في مارس المقبل، ربما تكون في ورطة. 

لقد أثارت الحرب الروسية الأوكرانية عودة الانقسامات الجيوسياسية؛ فالولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأوروبا الشرقية ما زالت ثابتة على موقفها بعدم انتصار روسيا في الحرب لأن ذلك ستترتب عليه تداعيات جيوسياسية عالمية كبرى. فيما تميل دول أوروبا الغربية، مثل إيطاليا وفرنسا وألمانيا نحو التسوية مع روسيا. وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ومسؤوليه سيتعين عليهم التفاوض مع روسيا “في مرحلة ما”. ودعا ماكرون ونظيراه الألماني والإيطالي إلى وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب عن طريق التفاوض، وحثوا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على إجراء محادثات سلام مع زيلينسكي.

يأتي هذا الانقسام في الوقت الذي تحقق فيه روسيا مكاسب في شرق أوكرانيا نتيجة قصفها المدفعي الذي لا هوادة فيه على دونباس. وتحرز القوات الروسية تقدمًا بطيئًا ولكنه ثابت في الاستيلاء على أجزاء أخرى من منطقتي لوهانسك ودونيتسك حيث توجد “جمهوريتان” انفصاليتان مواليتان لروسيا، تعتزم موسكو “تحريرها” من أوكرانيا.

ختامًا، نجح بوتين في ضرب الوحدة الغربية في سياق العملية العسكرية بأوكرانيا، وإطالة أمد الحرب لتصبح “حرب استنزاف” لا يفوز فيها طرف، وهو ما يتزايد معه خطر الانقسام الغربي الذي ظهرت بوادره بالفعل. فلم تعد الحرب تتصدر اهتمام المواطنين، وتضاءل الدعم الغربي للحرب، ورأى 42% من المشاركين في استطلاع رأي شمل عشر دول أوروبية أن حكوماتهم تولي اهتمامًا كبيرًا بأوكرانيا مقارنة بمشاكلها الداخلية. في حين ارتفعت هذه النسبة في الدول الواقعة على خط المواجهة (رومانيا وبولندا) لتصل إلى أكثر من50٪. وكذا لم تعد أوكرانيا تتصدر نشرات الأخبار، وتراجع الاهتمام بالنقل المباشر لخطابات الرئيس الأوكراني. ومع ارتفاع التضخم وأزمة الطاقة والتهديد المتزايد بالركود، بدأ القادة الغربيون يتحدثون بشكل متزايد حول التداعيات الاجتماعية والاقتصادية للصراع وآثاره السياسية والجيوسياسية، وأن الوقت قد حان لتقدم أوكرانيا تنازلات على طاولة المفاوضات مع روسيا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى