آسياالأمريكتان

سياسة حافة الهاوية.. هل المشهد العالمي على موعد مع حرب أمريكية صينية؟

في خطوة أضفت المزيد من الارتباك والتعقيد على المشهد السياسي العالمي، جاءت زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي “نانسي بيلوسي” إلى تايوان بعد ساعات فقط من إعلان الرئيس جو بايدن مقتل زعيم تنظيم القاعدة “أيمن الظواهري” في غارة نفذتها المخابرات الأمريكية في أفغانستان، وبعد أيام من اختبار الصين لصاروخ Dong Feng-17 الذي تفوق سرعته سرعة الصوت، والذي زعمت أنه قادر على سحق أنظمة الصواريخ الأمريكية في شرق آسيا، وفي ظل تهديدات صينية بالانتقام وشن أعمال عسكرية محددة الهدف ردًا على الزيارة. ومع ذلك، هبطت طائرة بيلوسي التابعة للسلاح الجوى الأمريكي بنجاح على مدرج مطار سونغشان في تايبيه، مسجلة انتصارًا أمريكيًا نحو استكمال الزيارة دون خوف أو رادع، وطرحت تساؤلات ما زالت تبحث عن كيفية الرد الصيني على الزيارة. 

هل انتهكت بيلوسي مبدأ الصين الواحدة؟

بدأت العلاقات الدبلوماسية الأمريكية مع الصين ببيان شنغهاي لعام 1972، والذي نص صراحة على أن قضية تايوان هي المسألة الحاسمة التي تعيق تطبيع العلاقات بين الصين والولايات المتحدة. وحكومة جمهورية الصين الشعبية هي الحكومة الشرعية الوحيدة في الصين؛ وتايوان هي مقاطعة صينية عادت منذ فترة طويلة إلى الوطن الأم؛ وتحرير تايوان شأن داخلي للصين لا يحق لأي دولة أخرى التدخل فيه. ويجب سحب جميع القوات والمنشآت العسكرية الأمريكية من تايوان. 

وتعارض الحكومة الصينية بشدة أي أنشطة تهدف إلى إنشاء “صين واحدة، وتايوان واحدة”. من جانبها، أقرت الولايات المتحدة بأن جميع الصينيين على جانبي مضيق تايوان يرون أنه ليس هناك سوى صين واحدة وأن تايوان جزء من الصين. وحكومة الولايات المتحدة لا تتحدى هذا الموقف، وتعيد تأكيد اهتمامها بالتوصل إلى تسوية سلمية لمسألة تايوان من قبل الصينيين أنفسهم. 

لذلك، ترى الصين أن زيارة بيلوسي انتهكت روح بيان شنغهاي، بسبب الوضع الدستوري لها كرئيس لمجلس النواب؛ فزيارتها تعد زيارة رئاسية، وفقًا لقانون الخلافة الرئاسية للولايات المتحدة لعام 1947، والذي ينص على أن رئيس مجلس النواب هو ثالث أهم منصب حكومي أمريكي بعد الرئيس ونائبه. ووجود شخصية أمريكية رفيعة المستوى في تايوان من شأنه أن يشير إلى نوع من الدعم الأمريكي لاستقلال تايوان، لأن رؤساء الدول لا يزورون الدول التي لا يعترفون بها أو لا يخططون للاعتراف بها. 

وترى الصين زيارات المسؤولين الأمريكيين اعترافًا منهم بسيادة الجزيرة. وتبدي القيادة الصينية شكوكًا حول التزام الولايات المتحدة بسياسة “صين واحدة”، ومع كل وفد أمريكي رسمي يمر عبر الجزيرة، وكل حزمة أسلحة يتم الموافقة عليها، تزداد شكوك بكين أكثر. أسهم في ذلك تصرفات بايدن عندما دعا ممثلة تايوان في الولايات المتحدة لحضور حفل تنصيبه وهي سابقة لم تحدث من قبل، بالإضافة إلى التعهد في خطاباته المختلفة بأن الولايات المتحدة ستتدخل عسكريا إذا تعرضت تايوان لهجوم. 

كل هذا كان بالتوزاي مع زيارات مشرعين أمريكيين لتايوان، منها زيارة وزير الصحة والخدمات الإنسانية السابق أليكس عازار في أغسطس 2020، وقتها أرسلت الصين طائرات مقاتلة من طراز J-11 و J-10 حلقت قرب خط وسط مضيق تايوان. وفي أبريل الماضي، أرسل جيش التحرير الشعبي الصيني (PLA) طائرات مقاتلة وقاذفات قنابل في بحر الصين الجنوبي وفي مناطق قريبة من تايوان خلال اجتماع أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي مع الرئيسة التايوانية تساي إنغ وين.

وانتقدت بكين بشدة الزيارة بوصفها انتهاكًا لـ “سياسة صين واحدة” والبيانات الثلاثة المتفق عليها بين الصين والولايات المتحدة. بجانب أنها جاءت قبل مؤتمر الحزب الشيوعي الذي من المتوقع أن يسعى فيه الرئيس شي جين بينج إلى الفوز بولاية ثالثة، وقبل هذا الاجتماع سيكون شي حريصًا على إظهار صورة القوة في الداخل والخارج، وخاصة فيما يتعلق بمسألة تايوان. مما يجعل هذا الوقت غير مناسب بالنسبة له لإظهار أي ضعف بشأن تايوان. 

واشنطن وبكين.. هل من مواجهة محتملة؟

لطالما كانت تايوان، وهي جزيرة يبلغ عدد سكانها حوالي 24 مليون نسمة، نقطة توتر بين واشنطن وبكين. وصلت ذروتها عندما اجتمعت رئيسة مجلس النواب الأمريكي مع كبار المسؤولين في تايوان للإعراب عن دعم واشنطن لها في مواجهة الصين. وهو ما ردت عليه بكين بالإعلان عن مناورات بحرية بالذخيرة الحية في المياه الإقليمية لتايوان تبدأ بعد انتهاء زيارة بيلوسي. 

تحظى تايوان بدعم الولايات المتحدة منذ إدارة دونالد ترامب، وعندما تولى بايدن السلطة، أكدت الخارجية الأمريكية التزامها الراسخ بمساعدة تايوان في الدفاع عن نفسها. إلا أن الولايات المتحدة تلتزم بموقف غامض بشأن ما إذا كانت ستدافع عن تايوان فى حال غزو الصين، وهي السياسة التي أطلق عليها اسم “الغموض الاستراتيجي”. 

وفي حين أن التوترات بين البلدين في أعلى مستوياتها، فمن غير المرجح أن تقع مواجهة مباشرة بين واشنطن وبكين لعدد من العوامل:

افتقار الدعم الدولي لتايوان

تايوان ليست عضوًا في الأمم المتحدة. وهناك دول لا تعترف بها ككيان منفصل ومستقل عن الصين، حتى واشنطن ليس لديها أي علاقات دبلوماسية معها ولا يوجد سفارة أمريكية هناك. وتوجه علاقاتها معها بموجب قانون العلاقات التايوانية لعام 1979. 

ووفقًا لاستطلاع حديث أجرته مؤسسة الرأي العام التايوانية (TPOF)، فإن 53.8٪ من التايوانيين يرون أن واشنطن لن تأتي لإنقاذ تايوان، حيث تعلمت الولايات المتحدة من فشلها العسكري في فيتنام والعراق وأفغانستان. فأوكرانيا التي تتمتع بعلاقات دبلوماسية رسمية مع أكثر من 180 دولة حول العالم ما زالت تحت وطأة حرب روسيا، وتتجنب الولايات المتحدة وحلفاؤها الدخول في مواجهة مباشرة مع روسيا. على الجانب الآخر، نجد أن تايوان تتمتع بعلاقات دبلوماسية مع 13 دولة فقط، ولم يسبق لأي حكومة أن حافظت على علاقات دبلوماسية رسمية مع كل من الصين وتايوان في نفس الوقت. 

تشابك الاقتصاد العالمي

تعد الصين أكثر انخراطًا في الاقتصاد العالمي أكثر من الولايات المتحدة وروسيا. حيث تسيطر حاليا على 18.33٪ من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، متجاوزة بذلك حصة الولايات المتحدة البالغة 15.83٪. في حين تمتلك روسيا 3.11٪ من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. فضلًا عن أن الصين مركز تصنيع عالمي وأكبر سوق تصدير لمعظم العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة وأوروبا. وتعد بكين أكبر دائن على مستوى العالم، مع قروض مستحقة لدول أخرى بقيمة 5 تريليونات دولار (أكثر من 6٪ من الناتج المحلي الإجمالي العالمي). 

ومن غير المعقول أن نفترض أن تحالفًا من الدول الكبرى سوف يوحد قواه ضد الصين، على غرار الطريقة التي نهض بها لمعارضة العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا. ومن غير المرجح كذلك أن تغزو الصين تايوان، فمن شأن الغزو أن يزعزع استقرار المنطقة ويعطل التنمية المزدهرة للأسواق الآسيوية الناشئة. حيث يقدر تقرير البنك الدولي أن الحرب المطولة في أوكرانيا من شأنها أن تؤدي إلى انكماش بنسبة 9٪ في أسواق أوروبا وآسيا الوسطى، أي أكثر من ضعف الانخفاض في التوقعات الأساسية، ومن مصلحة الصين في هذه الحالة تجنب فوضى مماثلة في آسيا.

الحرب الأوكرانية: إن الأولوية القصوى حاليًا للولايات المتحدة هي التحدي الذي تواجهه واشنطن بسبب حرب روسيا في أوكرانيا وما نتج عنها من أزمات متعلقة بالمواد الغذائية وواردات الطاقة على مستوى العالم، وبالتالي ليس في وسع إدارة بايدن تشتيت جهودها في أزمات أخرى مثل ما حدث إبان أزمة مضيق تايوان عام 1995-1996 والتي استمرت أكثر من ثمانية أشهر بعد أن أطلقت الصين صواريخ تجاه تايوان كرد فعل انتقامي على زيارة رمزية قام بها رئيس تايوان آنذاك لجامعة كورنيل الأمريكية ولم يهدأ الموقف إلا بعد أن قامت إدارة الرئيس كلينتون بإجراءات ردع هائلة من خلال نشر قطع بحرية ضخمة في المنطقة، مما أجبر الصين على التراجع عن موقفها. 

اعتبارات انتخابية

إن مقتل الظواهري وزيارة بيلوسي إلى تايوان فرصة هائلة لبايدن لاستعادة مكانته كزعيم عالمي وتعزيز معدلات شعبيته المحلية التي وصلت مؤخرا إلى 36٪. وسعت بيلوسي من خلال هذه الزيارة إلى أن تسلط الضوء عليها؛ إذ تشير التقديرات إلى أن فترة ولايتها المتبقية موضع شك لأن الجمهوريين يتطلعون إلى استعادة السيطرة على مجلس النواب في انتخابات التجديد النصفي في شهر نوفمبر المقبل. 

وعلاوة على ذلك، فإن الحرب مع الصين ستكلف الولايات المتحدة خسائر مادية وبشرية، وتثير تذمر الداخل الأمريكي الذي ضج من التدهور الاقتصادي وارتفاع الأسعار. هذا بالإضافة إلى أن حلفاء واشنطن مثل أوروبا وكوريا الجنوبية واليابان قد لا يظهرون دعمهم لتلك الحرب لأن لديهم ما يخسرونه في الصراع مع الصين أكثر مما خسروه مع روسيا. 

الخبرة العسكرية على الأرض

عسكريًا، يمكن للصين أن تهيمن على تايوان وتدمرها في غضون أسبوعين. وقد أظهرت بكين قوتها العسكرية من خلال مجموعة متنوعة من الأدوات القسرية حول محيطها. ووفقًا لتقديرات التقرير العسكري السنوي للصين الصادر عن البنتاجون، تمتلك الصين أكبر بحرية في العالم مع حوالي 355 سفينة، ويواصل جيش التحرير الشعبي (PLA) تحديث قدراته المتطورة في مجال الفضاء السيبراني. 

ومع ذلك، قد لا تكون المقارنة منصفة بين واشنطن وبكين في التدخل العسكري، فالولايات المتحدة لديها تاريخ طويل من التدخلات العسكرية والحروب طويلة الأمد في فيتنام والعراق وأفغانستان وسوريا وغيرها. في المقابل، تفتقر الصين إلى ذلك التاريخ من استعراض القوة. وفي حين أن جيش التحرير الشعبي الصيني يتطور بسرعة نحو هدف أن يصبح “جيشًا على مستوى عالمي” بحلول عام 2049، ما زالت بكين تتخلف عن الجيش الأمريكي في كل من الخبرة والبراعة التكنولوجية، وإذا اندلعت حرب، فمن المرجح جدًا أن تخسر الصين، وهو إحراج لن يؤدي فقط إلى محو إرث شي جين بينج في سعيه إلى إعادة انتخابه في المؤتمر الـ20 المقبل للحزب، بل سيهدد أيضًا شرعية حكم الحزب الشيوعي.

ختامًا، على الرغم من أن بيلوسي رافقتها طائرات تابعة للقوات الجوية الأمريكية، إلا أنها جاءت دون تأييد واضح من إدارة بايدن، ولم يرافقها أي من وزرائه مثلما يحدث في الزيارات الرسمية للدولة، وبالتالي لم تنتهك زيارة “بيلوسي” -رغم جرأتها التي لا تُنسى- “سياسة الصين الواحدة”، أو تكون سببا كافيًا للدعوة إلى الحرب. 

ولكن، من المتوقع خلال الفترة المقبلة أن تشن الصين حربًا نفسية ضخمة تصل إلى رفع التوترات إلى حافة الهاوية دون الوقوع في حرب، وتشن هجمات إلكترونية ضد واشنطن وتايبيه، وتجري عمليات بحرية بالقرب من تايوان، وترسل طائرات مقاتلة لانتهاك المجال الجوي التايواني، وتكثيف الاستفزازات مع كندا وأستراليا في المجال الجوي، وفرض عقوبات أو إلغاء صفقات تجارية مع حلفاء الولايات المتحدة.

 في المقابل، ستعزز بكين خلال الفترة المقبلة علاقاتها مع خصوم الولايات المتحدة مثل روسيا وكوريا الشمالية وإيران. كل هذه التطورات تقودنا إلى أن قرار الزيارة من الناحية الاستراتيجية لم يكن سليمًا، وستؤدي إلى تدهور العلاقات الأمريكية الصينية والبيئة الأمنية في شرق آسيا، وتسرع التوترات مع الصين دون الوقوع في حرب. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى