أوروبا

زيارة “ميركل” للولايات المتحدة.. هل تفتح “فصلا جديدا” للعلاقات؟

عندما خرج دونالد ترامب من البيت الأبيض، تنفست ألمانيا “الصعداء” بعد توتر شاب علاقات “واشنطن وبرلين” خلال السنوات الأربع التي قضاها رئيسا للولايات المتحدة.

وبعد سنوات من الخلاف والقطيعة، وأشهر من الإغلاق بسبب وباء “كوفيد”، سعت المستشارة “أنجيلا ميركل” مع قرب نهاية حقبتها، لإعادة الاكتشاف السياسي لأمريكا، ورسم مسار لمستقبل العلاقات “الألمانية – الأمريكية”، والتوصل لاتفاق بشأن خط أنابيب الغاز الألماني الروسي “نورد ستريم 2″، في خطوة اعتبرت إيذانا لبداية عهد جديد في العلاقة بين الجانبين.

وفي هذا السياق، قامت المستشارة الألمانية “أنجيلا ميركل” بزيارة إلى العاصمة الأمريكية واشنطن في الخامس عشر من يوليو الجاري.

  “أسباب الخلاف”

قادت ميركل التي استمرت ولايتها 16 عاما في السلطة، علاقات مضطربة مع الولايات المتحدة. عندما انتخبت لأول مرة عام 2005، كانت حرب العراق وتداعياتها أبرز الخلافات مع واشنطن، بسبب رفضها الحرب الأمر الذي تسبب في جمود العلاقات.

وأعقب ذلك الأزمة المالية العالمية التي انطلقت من أمريكا في عام 2008 وفرضت تداعياتها على العالم وخاصة أوروبا، وقتها وضعت ميركل أجندة تقشفية ساعدت في خروج القارة من الأزمة. وبعد ست سنوات، ضمت روسيا شبه جزيرة القرم بصورة غير قانونية وغزت شرق أوكرانيا.

وردا على ذلك، حثت ميركل الاتحاد الأوروبي على تنفيذ عقوبات قوية ضد روسيا واستبعادها من مجموعة السبع، بعد ذلك طالب ترامب بتوسيع مجموعة السبع وإعادة روسيا إلى المجموعة. كما اجتازت العلاقة الثنائية بين الولايات المتحدة وألمانيا فضيحة التنصت على المكالمات الهاتفية والإهانات المتعددة من الرئيس ترامب للمستشارة ميركل طوال فترة حكمه ووصفها بـ”الغبية”.

“الإدارة الأمريكية الجديدة”

أكد بايدن أن “أمريكا عادت” وأنه منفتح للتعامل مع الحلفاء الأوروبيين، وعلى الرغم من مظاهر الود والتقارب لا تزال ألمانيا متشككة في الولايات المتحدة، فالقررات الهوجاء لترامب والتلاعب بتقاليد السياسة الخارجية الأمريكية وقواعدها تركت بصمات ثقيلة على كل مسارات العلاقات الخارجية لواشنطن.

وما زاد من ضبابية الأجواء أن ستة أشهر من ولاية بايدن لم تشهد تحولاً جوهرياً في السياسة الأمريكية على مستوى الممارسة الفعلية. وترى ألمانيا أن “الترامبية” باقية وليس من المستبعد أن يفوز ترامب أو من يسيرون على ضربه في الانتخابات المقبلة 2024. ويجب على ألمانيا بشكل خاص وأوروبا بشكل عام الاستعداد لمثل هذه النتيجة. وتأمين أمنهم وازدهارهم بغض النظر عمن يتولى البيت الأبيض.

وأهم ما دفع بايدن بشكل كبير نحو تعزيز العلاقات الثانئية مع ألمانيا، هو حرص الولايات المتحدة على الاعتماد على حليف أوروبي مؤثر ومستقر خلال أوقات التحولات الجيوسياسية. ورغبته في  إشراك ألمانيا، التي تمتلك أكبر اقتصاد في أوروبا، في تحقيق بعض أهدافه الخاصة قبل أن تبدأ الحملة الانتخابية لانتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة. فضلاً عن الرؤى المشتركة بين بايدن وميركل حول قضايا حقوق الإنسان والحريات.

ولأن القضايا العالقة بين البلدين مستمرة وليست طارئة، فقد أحرزت العلاقات بين واشنطن وبرلين تقدماً في عدد محدود من المجالات بداية من الدفع باتجاه إحياء مفاوضات الاتفاق النووي الإيراني، والتعاون في مجال المناخ، وفرض عقوبات مشتركة ضد مسؤوليين صينيين، والتوصل إلى اتفاق لحل الخلاف القديم حول الإعانات غير القانونية الممنوحة لشركتي إيرباص وبوينغ لصناعة الطائرات، بعد نزاع استمر 17 عاما. بالإضافة إلى إنشاء مجلس للتجارة والتكنولوجيا عبر الأطلسي. فضلاً عن تعليق أي انسحاب للقوات الأمريكية من ألمانيا، وهو القرار الذي اتخذه ترامب في السابق بسحب حوالي 12 ألف من أصل 36 ألف جندي أمريكي موجودين في ألمانيا.

التوصل لاتفاق بشأن نورد ستريم 2

توترت العلاقات بين الولايات المتحدة وألمانيا على وقع مشروع خط أنبوب الغاز الروسي “نورد ستريم 2” الذي شارف على الانتهاء إذ من المقرر أن ينقل الغاز الروسي إلى ألمانيا. ويعد هذا الخط – من وجهة نظر ميركل البراجماتية- ليس سوى خطوة للبدء في نشاط تجاري مع روسيا وليس أكثر. بيد أن بايدن يخشى أن يجعل هذا الخط ألمانيا وأوروبا تعتمدان على روسيا على حساب إضعاف أوكرانيا التي يمر من خلالها الغاز الروسي الذي يصدر لدول أوروبية.

ورغم الانتقادات الحادة لخط الأنابيب، ألغى بايدن معظم العقوبات المرتبطة بخط أنابيب “نورد ستريم 2” والتي طالب بها الكونجرس، بذريعة أن الوقت قد فات لوقفه وأنه من الأفضل التعاون مع ألمانيا. ومن المتوقع إلغاء العقوبات التي وافق عليها الكونجرس ضد الشركة المسجلة في سويسرا والتي تقف وراء المشروع، “نورد ستريم آ غي” ، ورئيسها التنفيذي كجزء من الاتفاقية.

وتم الانتهاء من مشروع “نورد ستريم 2” بنسبة 98٪ تقريباً بتكلفة بلغت أكثر من 9 مليارات يورو حتى الآن. وسيضاعف المشروع سعة خط أنابيب “نورد ستريم” الحالي، والذي يعمل منذ عام 2011 عندما كانت روسيا لا تزال عضواً في مجموعة الثماني (الآن مجموعة السبع) قبل ضم شبه جزيرة القرم والصراع في أوكرانيا.

وقد توصل بايدن وميركل لاتفاق حول نورد ستريم يقضي بفرض عقوبات على روسيا في حال استخدمت الطاقة سلاحا ضد أوكرانيا. وبموجب الاتفاق تعهدت ألمانيا باتخاذ خطوات على المستوى الوطني وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي أيضا، في حال أقدمت روسيا على مثل هذه الأعمال، دون ذكر أي خطوات محددة.

ويتضمن الاتفاق أيضا مساعدات لأوكرانيا، حيث تعتزم واشنطن وبرلين استثمار ما لا يقل عن مليار دولار في ما يسمى بـ “الصدوق الأخضر” لمساعدة أوكرانيا في الانتقال إلى الطاقة الخضراء. وتعهدت ألمانيا بتقديم 175 مليون دولار بمثابة الشريحة الأولى من تلك الاستثمارات. كما ستعين ألمانيا مبعوثا خاصا لدعم مشاريع الطاقة مع أوكرانيا، بتمويل يقدر بـ70 مليون دولار.

وبموجب الاتفاق تعهدت برلين أيضا بحث روسيا على تمديد اتفاق ترانزيت الغاز مع أوكرانيا، والذي ينتهي سريانه في 2024. ومن المخطط لإطلاق مفاوضات بهذا الصدد في موعد لا يتعدي الأول من سبتمبر المقبل.

وفي إظهار “لدعم حازم” لكييف، أعلنت واشنطن أن بايدن سيستقبل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في البيت الأبيض في 30 أغسطس. وتوجه مسؤول كبير آخر في وزارة الخارجية، إلى كل من أوكرانيا وبولندا من أجل مناقشة الاتفاق بشأن خط الأنابيب.

تحديات أمام عودة العلاقات الأمريكية الألمانية

لقد حظيت التحركات المبكرة التي اتخذها بايدن، مثل الانضمام مرة أخرى إلى اتفاقية باريس للمناخ ومنظمة الصحة العالمية، وإعادة تأكيد التزام الولايات المتحدة بالمادة الخامسة لحلف شمال الأطلسي (الهجوم على إحدى دول الحلف سيُعامل على أساس أنه هجوم على بقية الأعضاء) بالقبول من برلين. ورحب الألمان بموافقة بايدن على تمديد المعاهدة الجديدة لخفض الأسلحة الاستراتيجية مع روسيا، فضلا عن استعداد إدارته للعودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة بشأن البرنامج النووي الإيراني وإعادة الانخراط مع لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة. ومع ذلك، فإن هناك ملفات وقضايا شائكة قادرة على تكدير صفو العلاقة بين واشنطن وبرلين، أبرزها:

برجماتية التعامل مع الصين: تتبنى ألمانيا نهجا أقل “صدامية” من الولايات المتحدة إزاء تصاعد القوة الصينية، وتدعو ميركل إلى اتباع نهج التعاون مع بكين بصفتها الشريك التجاري الأكثر أهمية، فقد أعلن مكتب الإحصاء الاتحادي، أنه تم تداول سلع بقيمة 1. 212 مليار يورو بين البلدين في عام 2020. وبينما تراجعت الصادرات إلى الصين بشكل طفيف بنسبة 1. 0% إلى 9. 95 مليار يورو مقارنة بالعام السابق، ارتفعت الواردات بنسبة 3% إلى 3. 116 مليار يورو على الرغم من الجائحة. وبلغت قيمة فائض الواردات 4. 20 مليار يورو.

وقبل تنصيب بايدن في شهر يناير الماضي، سارع الاتحاد الأوروبي، الذي كانت ميركل القوة الدافعة له، إلى إبرام معاهدة الاستثمارات مع الصين، مما أثار خيبة إدارة بايدن، التي كانت تأمل في التنسيق والتشاور حول هذه المعاهدة. وعقدت ميركل وماكرون خلال الشهر الجاري قمة عبر الفيديو مع الرئيس شي جين بينغ وهو الاجتماع الثاني هذا العام لمناقشة كيفية الدفع باتفاقية الاستثمارات بين الصين وأوروبا قدما، وناقشوا قضايا تتعلق بالمناخ والتحديات الصحية واستئناف الرحلات الجوية. وأرادت ميركل من هذا الاجتماع طمأنة الرئيس الصيني بأن التعاون معه سوف يستمر.

وفيما يتعلق بتكنولوجيا الجيل الخامس، فقد حذرت واشنطن ألمانيا من منحها “هواوي” عقوداً لمد شبكات الجيل الخامس، بحجة أنها تهديد خطير للأمن القومي الأوروبي والأمريكي. وعلى الرغم من تلك التحذيرات قالت ألمانيا إنها لن تستبعد الشركة الصينية من العمل على توفير شبكة G5، قائلة إنها تريد توفير”مساحة تنافس متكافئة” لمزودي هذه التكنولوجيا.

في المقابل، تسعى برلين لموازنة مصالحها مع الولايات المتحدة، واتفقا على فرض عقوبات منسقة على الصين، شملت حظر سفر وتجميد أصول كبار المسؤولين في شينجيانغ الذين اتهموا بارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان ضد مسلمي الأويجور، وتبنت مع الولايات المتحدة في ختام مجموعة السبع بيان يدين انتهاكات الصين. وفي سياق موازي، اظهر استطلاع الرأى اجراه المجلس الاوروبى للعلاقات الخارجية حول ما يجب أن تفعله المانيا حال وجود خلاف بين واشنطن وبكين، أن 16 فى المائة يؤيدون الوقوف إلى جانب الولايات المتحدة، بينما أيد 8 فى المائة الصين، واختار 66 فى المائة الحياد. ومما يثير القلق بالنسبة لجهود واشنطن في الحفاظ على جبهة موحدة عبر الأطلسي ضد روسيا، أظهر الاستطلاع أرقاما متطابقة عند استبدال الصين بروسيا.

العلاقات الألمانية الروسية: بعد فترة وجيزة من القمة التي عقدت بين بايدن وبوتين في جنيف، أعلنت ميركل وإيمانويل ماكرون بأنهما سيعقدان قمة بين الاتحاد الأوروبي وبوتين، الأمر الذي رفضه قادة الاتحاد الأوروبي. وأوضحت ميركل أن هذه المبادرة تهدف إلى أن تكون حدثاً منافساً لاجتماع بايدن وبوتين، وأنها نابعة من تعطش أوروبي للهيبة، والتحدث مع الرئيس الروسي وجهاً لوجه حول كل المسائل الخلافية بين الطرفين كما فعلت واشنطن. وإذا كان للرئيس الأمريكي الحق في الحديث مع بوتين، ومناقشة القضايا المشتركة بينهما، فينبغي على الأوروبيين أن يفعلوا نفس الشيء من أجل الدفاع عن مصالحهم الخاصة. كما أبدت برلين اهتمامًا بالشراكة في إنتاج لقاح سبوتنيك V الروسي. وهي خطوة رفضتها العديد من الدول الأوروبية.

زيادة الإنفاق العسكري: لا تزال الولايات المتحدة تطالب ألمانيا بزيادة إنفاقها العسكري إلى 2 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي تماشيا مع هدف حلف شمال الأطلسي (الناتو) بزيادة الإنفاق العسكري لبلدانه. وكانت بوادر هذه العاصفة، انتفاد ترامب ألمانيا عدم التزامها بالمستويات المستهدفة للإنفاق الدفاعي التي حددها حلف الناتو، وقرر سحب نحو 12 ألف جندي أمريكي من أصل 36 ألفًا من ألمانيا، بحجة أنه طالما كانت ألمانيا تعتمد على روسيا للحصول على الطاقة، يجب ألا تدفع الولايات المتحدة للدفاع عن ألمانيا من روسيا. وقد أنفقت ألمانيا ما يقدر بنحو 1.38٪ على الإنفاق الدفاعي في عام 2019، وفقا لتقديرات حلف شمال الأطلسي، في حين أنفقت الولايات المتحدة 3.42٪. وقالت ألمانيا إنها تهدف إلى تحقيق هدف ال 2٪ بحلول عام 2031.  كما ترغب واشنطن أن تلعب ألمانيا دورا استباقيا في الأزمات الخارجية وإظهار استعدادها للانخراط العسكري.

الانتخابات الألمانية: وهي أحد العوامل المعقدة أمام دفع العلاقات بين واشنطن وبرلين، فقد تجد واشنطن أن العمل مع برلين أكثر صعوبة بسبب اقتراب نهاية ولاية المستشارة الألمانية في سبتمبر حيث ستنتخب ألمانيا حكومة جديدة ومستشار جديد، وسوف تضع سياسات ميركل العلاقات بين واشنطن وبكين وموسكو على المحك. ويتطلع أرمين لاشيت، وهو الفائز النهائي في حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي الألماني والمرشح الأول لمنصب المستشار خلفا لميركل، محاولة اتباع نهج ميركل، وقال “أنا أؤيد استراتيجية الحكومة الصينية”. ويجب أن نتحدث عن مخاوفنا بشأن حقوق الإنسان في الصين، ولكن ليست هناك حاجة لتغيير سياستنا تجاه الصين، وأكد علي أنه يريد علاقات أكثر ليونة مع الجانب الروسي. وأعلن الحزب الديمقراطي الأشتراكي، أنه لا توجد مشاكل مع الصين، وأعرب أولاف شولتس مرشح الحزب في الانتخابات، عن تفضيله التعاون مع بكين في المجال الرقمي. في المقابل، قد يكون تشكيل حكومة ائتلافية مكونة من حزب الخضر، هو السيناريو الأكثر قبولاً لواشنطن، فهم ضد مشروع أنابيب الغاز “نورد ستريم2″، ويدعمون بشكل علني المعارضة في روسيا والصين وبيلاروسيا. لذا يمكن توقع موقف واضح وصريح منهم تجاه الصين فيما يتعلق بأقلية الإيجور.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى