أوروبا

قمة مجموعة الدول الصناعية السبع.. توافق بلا اتفاق

تمكنت قمة مجموعة الدول الصناعية السبع (G7) التي عقدت لمدة ثلاثة أيام متواصلة (في الفترة من 11- 13 يونيو) في بريطانيا من خفض حدة التوتر بين القوى الدولية، إذ جاء انعقاد القمة في خضم توافق وجهات النظر حول التجارة والتعددية السياسية والأمن وحقوق الإنسان، ومحاولة الخروج من تداعيات فيروس كورونا على الاقتصاد العالمي، والتركيز على التعافي وتوفير اللقاح في جميع أنحاء العالم. وعلى الرغم من إظهار وحدة صف حول الملفات الكبرى التي تواجه العالم، إلا إن القمة لم تتمكن من تحقيق تقدم بين مختلف الدول في المواضيع الثنائية الخلافية، وفي طليعتها قضايا مثل ميزانية الدفاع لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، والتوتر الناجم عن ترتيبات ما بعد بريكست المتعلقة بإيرلندا الشمالية.

كما لم تحقق القمة تقدما كبيرا خاصة في ملفات متعلقة بكيفية التعاطي مع التحديات التي تطرحها كل من الصين وروسيا، حيث توجد خلافات جوهرية بين الدول الأعضاء في كيفية مواجهة نفوذ بكين، فألمانيا تتبنى نهجا أقل “صدامية” إزاء تصاعد القوة الصينية، وهو نهج الاتحاد الأوروبي بشكل عام، والذي لا يرغب في التنازل عن مصالحه مع الصين بعد توقيعه اتفاق للاستثمار في ديسمبر الماضي. ومع ذلك يسعى الاتحاد الأوروبي لموازنة مصالحه مع الولايات المتحدة، واتفقا على فرض عقوبات منسقة على الصين، شملت حظر سفر وتجميد أصول كبار المسؤولين في شينجيانغ الذين اتهموا بارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان ضد مسلمي الأويجور.

 أما روسيا فقد تبنت دول الاتحاد الأوروبي جبهة موحدة ردا على الاستفزازات الروسية، وأخذت العلاقات بينهما منحى تصاعديا بعد فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات جديدة على موسكو، على خلفية قضية المعارض الروسي أليكسي نافالني. وهو ما ردت عليه موسكو بمنع ثمانية مسؤولين أوروبيين من دخول أراضيها.

ووسط تصاعد الخلاف الأوروبي مع روسيا، تحاول ألمانيا جاهدة الحفاظ على مصالحها مع روسيا لكونها مستوردا رئيسيا للغاز الطبيعي الروسي. وهو ما أكده تصريحات وزير الخارجية الألماني هايكو ماس “آمل ألا يجبرنا الروس على أن نغير موقفنا بشأن نورد ستريم 2”.

على جانب آخر، تبدي الولايات المتحدة بشكل خاص معارضة صريحة للمشروع، وتهدد بفرض عقوبات على الشركات الأوروبية العاملة فيه.

وفي الوقت الذي يوجد اتفاق أوروبي على الرد الحاسم ضد أي تحركات عدوانية من جانب موسكو، فقد حرصت العديد من الدول الأوروبية الفاعلة على تحقيق التوازن بين هذه السياسة ومواصلة الحوار بشأن القضايا المتعلقة بأوكرانيا والشؤون ذات الاهتمام المشترك. ويلخص هذا الموقف السياسة الفرنسية المعلنة وهي “الحوار والحزم”. حيث تحتفظ فرنسا بعدد من قنوات الاتصال المفتوحة مع روسيا، فقد علقت التعاون الدفاعي العسكري مع روسيا، غير أنها أبقت على التعاون العلمي والاقتصادي والثقافي وأي مجال لا تسري عليه العقوبات.

في المقابل، لا تبدى موسكو وبكين اهتماماً يذكر بمخرجات قمة السبع، فقد حذرت بكين زعماء الدول السبع من أن العصر الذي تقرر فيه مجموعة “صغيرة” من الدول مستقبل العالم قد انتهى. وقال المتحدث باسم السفارة الصينية في بريطانيا، “لقد ولت الأيام التي كانت تملى فيها القرارات العالمية من قبل مجموعة صغيرة من الدول. لا يوجد سوى نظام واحد في العالم، وهو النظام الدولي الذي تقع الأمم المتحدة في جوهره، النظام الدولي القائم على القانون الدولي، وليس ما يسمى بالنظام الذي تدعو إليه حفنة من البلدان”.

أما روسيا، وبعد خروجها من المجموعة على خلفية الأزمة الأوكرانية وضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا إثر استفتاء شعبي في 2014. تؤكد أنها تركز اهتمامها على صيغ أخرى للتعاون، وأنها لم تطلب أبدا إعادتها إلى مجموعة السبع أو تهتم كثيرًا بمخرجاتها، وتعتبر أن “مجموعة العشرين” هي الشكل الأنسب والواعد. كما أن روسيا حاليا مهتمة أكثر بالتقارب وتوطيد التعاون مع الصين وإيران.

قراءة في البيان الختامي للقمة

واجهت قمة السبع انتقادات بسبب عدم تضمن البيان الختامي أي جدول زمني مبكر للقضاء على انبعاثات الفحم الحجري، ولم تقدم كذلك سوى مليار لقاح إضافي لفيروس كورونا يتم تخصيصها لفقراء العالم على مدار الاثني عشر شهرا القادمة، على الرغم من تقديرات منظمة الصحة العالمية بأن هناك حاجة إلى ما لا يقل عن 11 مليار جرعة لنيل فرصة التغلب على كوفيد-19.

وفيما يتعلق بتغير المناخ، اتفق القادة على اتخاذ إجراءات صارمة بشأن محطات الطاقة التي تعمل بالفحم، وأكدوا على جمع 100 مليار دولار أمريكي سنويا لمساعدة الدول الأقل تقدما على خفض الانبعاثات. وقد أثارت الخطة افتقارها الواضح للاتفاقيات والجداول الزمنية الملزمة انتقادات شديدة. كما تعهد البيان الختامي، بإعادة تنشيط الاقتصاد بخطط تخلق فرص عمل وتستثمر في البنية التحتية وتحفز على الابتكار. وإنشاء صندوق لتطوير البنية التحتية في البلدان النامية.

كما اتفق البيان الختامي على فرض ضريبة 15% على الشركات متعددة الجنسيات وعمالقة التكنولوجيا كفيسبوك وأمازون وجوجل، على أن ينجز الاتفاق النهائي خلال انعقاد قمة العشرين الشهر المقبل في إيطاليا. وفيما يتعلق بالعلاقة بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا حث قادة المجموعة لندن على الالتزام ببروتوكول إيرلندا الشمالية، والذي ينص على خضوع الإقليم لبعض قوانين الاتحاد الأوربي لتفادي وجود حدود بينه وبين جمهورية إيرلندا. يعني ذلك، في المقابل، فرض بعض الاجراءات على المنتجات القادمة من باقي أقاليم المملكة المتحدة.

وفيما يتعلق بالصين، لم يقدم البيان الختامي أي التزامات مُلزمة جديدة لتحدي انتهاكات الصين لحقوق الإنسان في شينجيانغ وهونج كونج وتايوان وبحري الصين الشرقي والجنوبي، ودعا البيان الصين إلى التمسك بالنظام الدولي القائم على القواعد والقانون الدولي، على الرغم من تعهده بالتعاون مع الصين لمواجهة التحديات العالمية المشتركة مثل تغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي.

وفي ظل تزايد التحديات التي تواجه العالم لم يستطع قادة المجموعة التوصل إلى حلول نهائية وملزمة بشأنها وأكتفوا بتصريحات طنانة حول عدد من القضايا أبرزها:

الوضع في ميانمار

أدانت مجموعة السبع الانقلاب العسكري في ميانمار، ودعوا الجيش إلى الإنهاء الفوري لحالة الطوارئ وإعادة السلطة للحكومة المنتخبة ديمقراطيا. والإفراج عن جميع المعتقلين تعسفياً، بمن فيهم مستشارة الدولة أونغ سان سوتشي، والرئيس وين مينت، والمدافعون عن حقوق الإنسان والصحفيون وأعضاء المجتمع المدني والأكاديميون والمدرسون والطاقم الطبي والزعماء الدينيون والمواطنون الأجانب. وعبّرت   المجموعة عن استعدادها لاتخاذ مزيد من الإجراءات إذا لم يغير الجيش مساره.

الملف السوري

أدان الوزراء الجرائم المستمرة التي يرتكبها نظام الرئيس بشار الأسد وداعموه ضد الشعب السوري، ومحاولاته عرقلة وصول المساعدات الإنسانية إلى سوريا. كما أدانو تسييس وصول المساعدات إلى السوريين المتضررين من الأزمة التي دخلت عامها الـ11. ودعوا إلى وصول المساعدات الإنسانية بشكل كامل ودون عوائق إلى سوريا، وهو أمر حيوي للتخفيف من تأثير الأزمة.

محادثات البرنامج النووي الإيراني

حذر قادة مجموعة الدول السبع من أن المفاوضات مع إيران لإنقاذ الاتفاق النووي لا تزال بحاجة إلى مزيد من الوقت، وأكدوا التزامهم بمنع إيران من بناء أسلحة نووية. دعا القادة إيران إلى وقف جميع أنشطة الصواريخ الباليستية التي تتعارض مع قرار مجلس الأمن رقم 2231، والامتناع عن الأعمال المزعزعة للاستقرار.

برنامج كوريا الشمالية النووي

وبخصوص كوريا الشمالية، ترى مجموعة السبع أن على بيونج يانج العودة إلى المحادثات حول إنهاء برامجها النووية، والدخول في حوار مع جارتها الجنوبية. وأبدوا تأييدهم للجهود الأمريكية لنزع الأسلحة النووية من شبه الجزيرة الكورية دبلوماسيا، ودعو جمهورية كوريا الشمالية إلى الامتناع عن الأعمال الاستفزازية والانخراط في عملية دبلوماسية، بهدف صريح هو نزع السلاح النووي. وشددت المجموعة على ضرورة التنفيذ الكامل لقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بشأن كوريا الشمالية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى