آسيا

التهديد الجديد.. لماذا تشكل الصين تحديًا مباشرًا لحلف الناتو؟

قديمًا، شكل الاتحاد السوفيتي السابق التهديد الأكبر للولايات المتحدة والغرب، وبسقوط الاتحاد وهيمنة القطبية الأحادية على العالم، ظنت الولايات المتحدة عدم وجود منافس لها على الصعيدين الأيديولوجي والعسكري. وخلال الجزء الأخير من القرن العشرين، والعقود الأولى من القرن الحادي والعشرين، رشحت الدوائر الإستراتيجية الصين كمنافس إيديولوجي وتقني وعسكري يهدد مستقبل القوى الغربية، وتواترت على مدى السنوات الماضية مطالب بضرورة أن تضطلع القوى الغربية بدور سياسي أكبر في الشؤون العالمية، ومساعدة دول المحيطين الهندي والهادئ على التنافس مع صعود الصين. وخلال قمة حلف شمال الأطلسي “الناتو” في لندن (ديسمبر 2019)، نص البيان الختامي صراحة، ولأول مرة في تاريخ قمم الحلف على “أن ميزان القوى يتغير، والصين تقترب منا، نراهم في الفضاء الإلكتروني، وفي إفريقيا، ونرى الصين تستثمر بكثافة في بنيتنا التحتية الحيوية نحن بحاجة للرد معًا كتحالف”.

أتاحت قمة حلف شمال الأطلسي التي عقدت في بروكسل في 14 يونيو 2021 فرصة لمواصلة الاستجابة للتحدي المتزايد من الصين. وأكد التقرير السنوي الأخير للحلف الذي صدر في مارس 2021 على أن “النفوذ المتزايد للصين في السياسات الدولية يقدم فرصًا وتحديات، نحتاج إلى مواجهتها معًا كتحالف”. وكان تقرير المجموعة الجديد، الذي حمل عنوان “الناتو 2030: متحد من أجل حقبة جديدة”، والذي صدر في نوفمبر 2020، أقل غموضا بشأن الاعتراف ببيئة استراتيجية من التنافس المنهجي، حيث نص على أنه في حين يجب أن يكون حلف شمال الأطلسي “منفتحًا على الحوار البناء مع الصين الذي يخدم مصالحها”، يجب على الحلف أن “يوفر موقعا أمنيا وقوة للمساهمة في علاقات الحلفاء مع الصين والحذر من أي محاولات من جانب بكين لاستخدام الإكراه ضدهم. وصعود الصين هو أكبر تغير ذي تبعات في البيئة الاستراتيجية للناتو، وهو تغير يجب على الحلفاء أن يحسبوا حسابه”.

وعلى الرغم من أن الصين لا تشكل تهديدًا عسكرًيا مباشرًا لحلف شمال الأطلسي، على عكس روسيا أو تهديدات الإرهاب الدولي، غير أن النفوذ الاقتصادي المتنامي لبكين ودبلوماسيتها الواثقة في أوروبا، أديا إلى تداعيات كبيرة على الأمن والاقتصاد عبر الأطلسي. والواقع أنه من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، على حلف شمال الأطلسي أن يتجنب الصين، التي تمثل تحديا كاملا للمجتمع عبر الأطلسي وهو تحد تعكس إمكاناته وقدراته، إن لم يكن يفوقه، التحدي الذي كان يشكله الاتحاد السوفيتي السابق. 

طيف كامل من التحديات

على الرغم من التباعد الجغرافي بين دول حلف شمال الأطلسي والصين، واختلاف مناطق النفوذ، إلا إن الصين تمثل طيفًا كاملًا من التحديات بالنسبة للناتو أبرزها: 

تقسيم الرأي والمواقف الأوروبية: حاولت الصين الاستفادة من علاقاتها الاقتصادية الوثيقة مع بعض دول حلف “الناتو” من خلال مبادرة “الحزام والطريق” لتقويض تماسك الحلفاء ووحدتهم في محاولة لعرقلة انتقاد انتهاكات بكين لحقوق الإنسان وانتهاكاتها للقانون الأساسي في هونج كونج.  وتستغل الصين علاقاتها الثنائية ببعض الدول لعرقلة المواقف الموحدة داخل الاتحاد الأوروبي، مما يجعل من السهل جدا تقليص المواقف المشتركة في حلف شمال الأطلسي بشأن القضايا المناهضة للمصالح الصينية. 

تمدد عسكري: أرسلت الصين سفنًا إلى البحر الأبيض المتوسط وعبر القطب الشمالي، كما أجرت مناورات عسكرية مع روسيا في الفناء الخلفي لحلف شمال الأطلسي، وأنشأت قواعد في أفريقيا، وامتلكت بنية تحتية كبيرة في أوروبا، بما في ذلك ميناء بيرايوس اليوناني. كما اخترق الجيش الصيني أجهزة الكمبيوتر لسرقة الأسرار الصناعية والعسكرية في جميع أنحاء العالم وشارك في معلومات مضللة في مجتمعات حلف شمال الأطلسي. 

اختراق تكنولوجي: مع جهودها لنشر شبكات الجيل الخامس في جميع أنحاء أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا، خلقت هواوي، عملاق الاتصالات الصينية، قلقا جديدا من أنها يمكن أن تسيطر على البنية التحتية للاتصالات التي يحتاجها حلف شمال الأطلسي. وهذه خصوصية ذات صلة بالنقاش الدائر في أوروبا حول الجيل الخامس من التكنولوجيا اللاسلكية. كما تستثمر الصين في أسلحة مضادة للفضاء قد تهدد أي قمر صناعي تابع لحلف “الناتو”، بالإضافة إلى أن دول الحلف هم بانتظام أهداف للهجمات الإلكترونية التي تنشأ من قراصنة مقرهم الصين.

تقارب صيني روسي: يتركز في التعاون العسكري بين البلدين. وعلى الرغم من أن هذا التعاون لا يزال محدودًا في الوقت الراهن، لكن يجب مراقبته عن كثب، ففي عام 2015، انضمت ثلاث سفن من البحرية التابعة لجيش التحرير الشعبي الصيني (PLAN) إلى ست سفن من البحرية الروسية في شرق البحر الأبيض المتوسط للمشاركة في المناورات البحرية المشتركة والتي استمرت خمسة أيام. وكانت هذه هي المرة الأولى التي تجري فيها مثل هذه العملية بين البلدين، وحتى كتابة هذه السطور، كانت هذه هي المناورة الوحيدة المشتركة بين البلدين في البحر الأبيض المتوسط. ويزداد التعاون بين الصين وروسيا قوة في القطب الشمالي، حيث يستثمر البلدان في مشاريع الغاز الطبيعي وكذلك في ممرات النقل كجزء من جهد يعرف باسم “طريق الحرير القطبي” أو “الطريق البحري الشمالي”. وفي حين يتعين على الحلف مراقبة التعاون العسكري الروسي الصيني، إلا أنه يتعين على الحلف أن يدرك أن أولويته الأولى هي روسيا.

الاستثمار في البنى التحتية: تعمل الصين على زيادة استثماراتها في البنية التحتية الحيوية وخاصة الموانئ. في فبراير 2021، سلط الأدميرال” روبرت بيرك”، قائد قيادة القوات المشتركة للحلفاء في نابولي، الضوء على هذا التحدي قائلا: “اليوم، يملك الصينيون السيطرة على 12 ميناء في أوروبا. إذا، هل ستتمكن دول حلف شمال الأطلسي من الاعتماد على تلك الموانئ من أجل التجارة الحرة، وإذا كان على حلف شمال الأطلسي الدفاع عن أوروبا، فهل سيسمحون لنا بدخول تلك الموانئ للتزود بالوقود، والقيام بالإصلاحات، والأعمال اللوجيستية، وإعادة التسلح، لا نعرف إن كان بإمكاننا الاعتماد على ذلك إنه تحد مقلق لأمننا ومستقبلنا”. 

السيطرة على سوق الدفاع: حققت الصين نجاحًا كبيرًا في سوق الدفاع الأوروبية. وفي الآونة الأخيرة، أعلن الرئيس الصربي ألكسندر فوسيتش شراء بلاده ست طائرات من دون طيار صينية الصنع من طراز CH-92A (UCAVs، وسيجعل هذا الجيش الصربي أول جيش أوروبي يستخدم الطائرات القتالية الصينية من دون طيار. وتعمل بكين أيضًا على تطوير القدرات العسكرية الحديثة، بما في ذلك الصواريخ بعيدة المدى، وحاملات الطائرات، والغواصات النووية الهجومية، والتي تحمل تداعيات أمنية على الناتو، نظرًا للمدى العالمي لهذه القدرات.

توسيع النفوذ وتعزيز علاقات التبعية

في السنوات القليلة الماضية، استثمرت الشركات الصينية الحكومية بشكل كبير في المناطق الضعيفة هيكليًا في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وجنوب شرق أوروبا. ولا تزال معظم دول الحلف غير مستوعبة للسرعة التي نفذت بها حكومة الصين وشركاتها مئات المشروعات في أوراسيا في إطار مبادرة “الحزام والطريق” التي أطلقها الرئيس شي جين بينغ في عام 2013. وفي أوروبا، تمول الصين مشروعات في البلقان، حيث تشارك الصين في عدد من مشروعات البنية التحتية. وقد حصلت شركة الطرق والجسور الصينية (CRBC) على تكليف بتمويل مشروعات طرق سريعة وخطوط سكك حديدية بين دول البلقان والمجر.

ومن المتوقع أن تؤدي هذه المشاريع إلى تزايد عبء الديون على الدول النامية والناشئة، فالصين الآن أهم دائن دولي لتلك الدول. والديون المستحقة أكبر من تلك الخاصة بالبنك الدولي أو بصندوق النقد الدولي. ووفقًا للمكتب الوطني الأمريكي للبحوث الاقتصادية، فإن الاعتماد الاقتصادي لصربيا على الصين يقتصر حاليًا على 3.7% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تبلغ النسبة للبوسنة والهرسك 11%، والجبل الأسود 16.2% .

ووفقا لدراسة أجرتها جمعية التجارة الخارجية الألمانية للتجارة والاستثمار (GTAI)، فإن الجبل الأسود مدين بالمليارات للصين لبناء قطاع من الطريق السريع بطول 41 كيلومتر، ولمواجهة هذه الديون أصدر الجبل الأسود في ديسمبر 2020 سندات بقيمة 750 مليون يورو. ويخشى صندوق النقد الدولي من زيادة الدين الوطني في الجبل الأسود إلى حوالي 90% من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بـ 79.4% في العام السابق. وفي أبريل 2021، طلب الجبل الأسود من مفوضية الاتحاد الأوروبي المساعدة في خدمة القرض، ويخشى الجبل الأسود من الاضطرار إلى التنازل عن جزء من بنيته التحتية للصين لفترة طويلة، وهي النتيجة المعتادة إذا لم يعد بإمكان شركاء الصين تمويل القروض لمشاريع طريق الحرير.

استراتيجية حلف شمال الأطلسي تجاه الصين

على الرغم من تزايد التقارب بين الولايات المتحدة وأوروبا حول كيفية التعامل مع الصين، إلا أن إحدى العقبات الرئيسية هي مدى قدرة حلف شمال الأطلسي على تحديد استراتيجية تجاه الصين بسبب الافتقار إلى التماسك السياسي بشأن هذه القضية. وعلى الرغم من أن الاتحاد الأوروبي بدأ في تأطير الصين بعبارات جيوسياسية، حيث وصف بكين بأنها “منافس نظامي” في عام 2019، ولم يرحب بالنهج المثير للانقسام المفرط للإدارة الأمريكية السابقة تجاه الصين. إلا إن العدوانية الدبلوماسية الصينية المتزايدة والعقوبات الصينية ضد مواطني الاتحاد الأوروبي، اضطر الأوروبيون إلى تبني موقف أكثر صرامة تجاه بكين ردا على أفعالها المزعزعة للاستقرار وانتهاكاتها لحقوق الإنسان.

في مايو 2019، وقعت اللجنة العسكرية لحلف الناتو، التي تتكون من قادة دفاع الحلفاء، استراتيجية عسكرية جديدة وهي أول وثيقة من نوعها يكتبها حلف شمال الأطلسي منذ أواخر الستينيات. ثم قدمت اللجنة العسكرية وثيقتين ثانويتين ترسمان خريطة لكيفية تنفيذ استراتيجية التحالف. الوثيقة الأولى، هي وثيقة الدفاع عن الديمقراطية، وتحدد كيف سيستخدم الحلف قوته العسكرية للتصدي للتهديدات الرئيسية التي تواجه مصالح الحلفاء في أوروبا. وتدعو إلى استخدام القوة العسكرية للحلف لردع تهديديه الرئيسيين – روسيا والإرهاب الدولي والدفاع عنهما – في جميع أنحاء أوروبا وخارجها في جميع المجالات. 

الوثيقة الثانية، وهي مفهوم كابستون لمكافحة الحرب في حلف شمال الأطلسي، وتوضح رؤية مدتها عشرون عامًا لقدرات الحلف وخصائصه الحربية. ويركز برنامج العمل على التهديدات القصيرة الأجل، في حين تنظر اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد في المدى الطويل. ومن المفترض أن تساعد هذه المفاهيم حلف الناتو على مواءمة أدواته وعملياته وأنشطته الحالية بشكل أفضل لضمان قيام الحلف بتأمين واستقرار المنطقة الأوروبية الأطلسية.

ويمكن لاستراتيجية حلف شمال الأطلسي تجاه الصين أن تركز على خطوط العمل التالية:

  • وقوف حلف الناتو على الأنشطة الصينية التي قد تؤثر على الأمن عبر الأطلسي. وهذا يتطلب زيادة تبادل المعلومات الاستخباراتية بين الحلفاء، وبناء الخبرة الداخلية لحلف شمال الأطلسي، وتحسين مراقبة الأنشطة العسكرية الصينية في أوروبا.
  • التنسيق السياسي بين الحلفاء وشركاء الناتو. وذلك بأن يعمل حلف الناتو كمنصة سياسية للنقاش بين الحلفاء حول تصرفات الصين وردود الفعل عليها. وسيكون ذلك جزء من جهد أوسع لاستعادة حلف شمال الأطلسي كمنتدى سياسي. والانخراط بشكل أكبر مع شركاء الحلف الأربعة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ (اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا). ومن شأن إجراء مناقشات أكثر انتظاما في شكل “حلف شمال الأطلسي +4” أن يعزز الوعي المشترك بقدرات الصين وأنشطتها.
  • توسيع التعاون بين الناتو والاتحاد الأوروبي لمساعدة الحلفاء على الصمود في وجه نفوذ الصين المتنامي. والتعاون مع الاتحاد الأوروبي لفحص وتدقيق وتقييم الاستثمارات الصينية في البنى الأساسية الحيوية، وتأمين شبكات الاتصالات السلكية واللاسلكية من شبكات  G5، ومواجهة حملات التضليل الصينية، وتحفيز الإبداع المشترك للحفاظ على التفوق التكنولوجي لحلف شمال الأطلسي في السباق ضد الصين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى