الأزمة الأوكرانيةالأمريكتان

انعكاسات سياسية.. تداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا على إدارة “بايدن” الداخلية

من تصفيق حار في الكونجرس إلى تراجع في استطلاعات الرأي، يواجه الرئيس “جو بايدن” ضغوطًا متزايدة وتحديات داخلية وخارجية مع دخول الغزو الروسي لأوكرانيا شهره الثاني. ما ينذر بأزمة جديدة للرئيس الذي يسعى وحزبه إلى الاحتفاظ بالسيطرة على الكونجرس في انتخابات التجديد النصفي في 8 نوفمبر من العام الجاري.  

بعد خمسة أشهر من انتهاء الحرب في أفغانستان، الأطول بالتاريخ الأمريكي، يدخل الأمريكيون أرضًا معقدة مع الغزو الروسي لأوكرانيا، حتى بدون إرسال قوات أمريكية، وهو ما كان له تداعيات قاسية على قطاع كبير من الأمريكيين، مقارنة بما فعلته حربا أفغانستان والعراق اللتين لم يكن لهما نفس التأثير المباشر على الأمريكيين.

فالقتال في أفغانستان والعراق أسقط أكثر من 6900 من القوات الأمريكية وأكثر من 7500 من المتعاقدين، ووصل الإنفاق الأمريكي إلى 2.3 تريليون دولار. ولكن هاتين الحربين لم يكن لهما تأثير أكبر على الكيفية التي كان بها أغلبية الأمريكيين يعيشون حياتهم اليومية، وكانت تلك فترة 20 عامًا شهد فيها الأمريكيون الركود الأكبر والتوسع الاقتصادي الأمريكي الأطول، وهما حدثان كبيران لم يتأثرا كثيرا بحربين طاحنتين. 

وبينما وعد “بايدن” بأنه لن تكون هناك قوات أمريكية على الأرض في الأزمة الروسية الأوكرانية، إلا أنه اعترف أن الحرب التي شنها الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” يمكن أن يكون لها تأثير حقيقي على جيوب الأمريكيين. وبعد أيام قليلة من بداية الحرب، باتت الآثار المالية لأكبر حملة عسكرية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية محسوسة بالفعل. وحذر “بايدن” الأمريكيين من تداعيات الأزمة الأوكرانية وتأثيرها على الولايات المتحدة، مؤكدًا أن من شأنها رفع أسعار البنزين في أمريكا، وأن إدارته تبذل جهودًا للتخفيف من حدة اضطراب الأسواق العالمية للطاقة. ويُمثل هذا اعترافًا بالمخاطر التي يُواجهها “بايدن” نفسه قبل الانتخابات النصفية.

تراجع شعبية بايدن

شهدت معدلات تأييد الرئيس “بايدن” انتعاشًا في أعقاب خطابه حول “حال الاتحاد”، في الأول من مارس، وحديثه عن الغزو العسكري الروسي لأوكرانيا، بعد أن كانت قد هبطت إلى أدنى مستوياتها. لكن الرأي العام بعد ما يقرب من شهر من اندلاع الحرب، أظهر في استطلاع للرأي أجرته رويترز / إبسوس، أن 54% من الأمريكيين لا يوافقون على أداء “بايدن” الوظيفي حيث تكافح البلاد مع ارتفاع معدلات التضخم والتدخل العسكري الروسي لأوكرانيا ما دفع المخاوف الجيوسياسية إلى الواجهة. فما هي الأسباب التي أدت إلى انخفاض شعبية الرئيس “بايدن” عقب توليه الرئاسة؟

زيادة الاستقطاب

يصف مشرعو الكونجرس عزمهم المشترك على دعم أوكرانيا في قتالها ضد روسيا بأنه الإجماع الأبرز في الكونجرس منذ هجمات 11 سبتمبر 2001. وأن الحرب الأوكرانية لم تتمكن من توحيد نتيجة مباشرة لرد فعل إدارة “بايدن”، الذي كان بطيئًا ومحدودًا للغاية، ومتأخرًا عن موعده، وأن البيت الأبيض في عهد “بايدن” هو سبب قيام هذه الحرب. بسبب انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، والفشل في مهاجمة سوريا بعد استخدام رئيسها للأسلحة الكيماوية، واستيلاء روسيا على شبه جزيرة القرم، وهو ما حدث عندما كان “جو بايدن” يشغل منصب نائب رئيس أو رئيس الولايات المتحدة. 

وما زاد من حدة الاستقطاب ارتفاع تكلفة معيشية الأمريكيين، وما أعقبه من ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي في السوق العالمية، وارتفاع معدلات التضخم إلى مستويات لم تشهدها الولايات المتحدة منذ أربعة عقود. بالإضافة إلى الكشف عن تورط “هانتر بايدن” في قضايا فساد لتضيف المزيد من الأزمات على كاهل الحزب الديمقراطي. مثل هذا الانقسام كشف الاستقطاب العميق الذي يواجهه “بايدن” في الداخل، في ظل محاولات الجمهوريين إلقاء اللوم عليه في جميع التحديات التي تواجهها الولايات المتحدة.

بالإضافة إلى ما سبق، فقد أدت عرقلة تمرير أجندة “بايدن” المتعلقة بالبنية التحتية واضطراره إلى تعديلها، ثم عرقلة تشريع “إعادة البناء للأفضل”، إلى انخفاض شعبيته، وتعكس تلك الحالات شكوكًا متزايدة في قدرات “بايدن” على قيادة وتوحيد الديمقراطيين في ظل استمرار الاقتتال الداخلي بين تيارات حزبه، خاصة بين الأعضاء التقدميين والأغلبية التقليدية. وهو ما نجم عنه تراجع شعبية “بايدن” بين أعضاء حزبه، وتراجع دعم الديمقراطيين له، وكشف استطلاع للرأي أجراه مركز بيو للأبحاث أن أقل من 50% من الديمقراطيين يؤيدون بقوة الأداء الوظيفي لبايدن.

في المقابل، يتمتع الجمهوريون بوحدة حزبية قوية، ونجحوا في عرقلة محاولات متعددة لتمرير مشروعات قوانين لإصلاح حقوق التصويت العام الماضي، وهو ما دفع “بايدن” إلى التهديد بإجراء تغييرات في “قاعدة التعطيل” التي تتطلب أغلبية 60 صوتًا من أعضاء مجلس الشيوخ المئة لتمرير معظم التشريعات. من ناحية أخرى، مثل فوز المرشح الجمهوري “غلين يانغكين” بمنصب حاكم فرجينيا على حساب الديمقراطي “تيري ماكوليف” في نوفمبر الماضي ضربة قوية للديمقراطيين، ويعد “يونغكين” أول جمهوري يُنتخب لمنصب على مستوى الولاية في فرجينيا منذ عام 2009.

التأثير على فرص الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي

مع تدهور الأجندة التشريعية للبيت الأبيض قبل أقل من سبعة أشهر من انتخابات التجديد النصفي، يدق الديموقراطيون الإنذارات من أن حزبهم قد يواجه خسائر أعمق مما كان متوقعًا دون تحول كبير في الاستراتيجية، وأن التاريخ لن يقف إلى جانبهم في انتخابات التجديد النصفي لعام 2022، للحفاظ على أغلبيتهم الهشة في مجلسي النواب والشيوخ. وبالنظر إلى أن الحزب الحاكم تاريخيًا يخسر مقاعد خلال فترة ولاية الرئيس الأولى، فقد خسر الجمهوريون 41 مقعدا في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب في انتخابات عام 2018 لصالح الديمقراطيين، وتكرر السيناريو قبل ذلك في عهد باراك أوباما الذي خسر حزبه الديمقراطي 63 مقعدا بمجلس النواب، وعلى نحو مماثل في انتخابات 2010.

وعلى الرغم من أن منحنى انتخابات التجديد النصفي يميل إلى الخسارة، لكن ذلك لم يمنع من وجود استثناءات؛ مثلًا، في عام 1998 تحت إدارة بيل كلينتون، وفي عام 2002 تحت إدارة جورج بوش الابن، فقد تمكن الحزبان الديمقراطي والجمهوري على التوالي من الحصول على مقاعد إضافية في الانتخابات النصفية. ففي انتخابات عام 1998، حصل الديمقراطيون على خمس مقاعد في مجلس النواب، وبقيت المقاعد كما هي في مجلس الشيوخ. أما في انتخابات عام 2002، فقد أضاف الجمهوريون إلى أغلبيتهم في المجلسين، لكن الفارق في هاتين الدورتين من الانتخابات النصفية أن نسبة التأييد الشعبي لسياسات الرئيسين حينها كانت أعلى من 60%، في حين أن نسبة التأييد التي يحظى بها “بايدن” الآن لا تتجاوز 42%.

ولا يحتاج الجمهوريون سوى الفوز بستة مقاعد إضافية في مجلس النواب، ومقعد واحد إضافي في مجلس الشيوخ لتؤول الأغلبية إليهم. وترجح استطلاعات الرأي تقدم الجمهوريين بنسبة كبيرة في التنافس على مقاعد مجلس النواب الذي يسيطر عليه الديمقراطيون حاليًا بأغلبية عشرة مقاعد (222 من أصل 435). أما في مجلس الشيوخ، فتتساوى مقاعد الحزبين (50+50)، مع صوت نائبة الرئيس مرجحًا. وتتفاوت هوامش التفوق الجمهوري على الديمقراطيين التي تقدمها استطلاعات الرأي؛ إذ تصل في بعضها إلى 12.5% (54.4% للحزب الجمهوري مقابل 41.9% للديمقراطيين)، في حين يتقلص الهامش في استطلاعات أخرى كثيرًا (45.1% للجمهوريين مقابل 42.6% للديمقراطيين). 

ومن ثم، سيكون المناخ القومي غير المستقر في صالح الجمهوريين، والذي استفاد من الغزو الروسي لأوكرانيا، محملين إدارة بايدن مسؤولية تمهيد الطريق للنزاع الروسي الأوكراني عبر الأخطاء الفادحة في السياسة الخارجية. وفشل الديمقراطيين في الوفاء بوعد حملة الرئيس “بايدن” المركزية بإعادة تشكيل واشنطن المحطمة.

ومن شأن سيطرة الجمهوريين، سواء على أحد مجلسي الكونجرس أو الاثنين معًا، أن يسمح لهم بإحباط أجندة “بايدن” أكثر مما هو حاصل الآن جراء انقسامات الديمقراطيين، وتحديدًا في مجلس الشيوخ، ما يحول دون تمرير بعض من أهم القوانين التي وعد بها، وتحديدًا مشروعي قانوني إصلاح نظام التصويت الانتخابي لحماية حقوق الأقليات، ودعم الطبقة الوسطى “البناء مرة أخرى بشكل أفضل”.

أسعار الوقود والتضخم

ارتفعت أسعار الوقود إلى مستويات قياسية خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، حيث تجاوزت 4 دولار للجالون. وكانت آخر مرة وصلت فيها أسعار الوقود إلى هذه المستويات في عام 2011 والتي تزامنت أيضًا مع الاضطرابات السياسية في الشرق الأوسط. ونظرا لأن كل جانب من جوانب سلسلة التوريد والبنية التحتية للنقل يستخدم الوقود، فقد تمخض عن ذلك زيادة الضغط على الأسعار، مما دفع التضخم إلى مستويات لم تشهدها الولايات المتحدة منذ أكثر من 40 عامًا. 

ولكون السلاح الأساسي المتاح لمجلس الاحتياطي الفيدرالي لمكافحة التضخم هو رفع أسعار الفائدة قصيرة الأجل، فقد استخدمه بالفعل من خلال رفع سعر الصندوق الفيدرالي بنسبة 0.25%، وقد يؤدى ذلك أيضًا إلى وضع معاكس للنمو الاقتصادي، الأمر الذي يخلق خطر حدوث ركود.

وارتفعت كذلك أسعار السلع الاستهلاكية في الولايات المتحدة إلى أعلى مستوياتها منذ 40 عامًا، ويأتي ارتفاع الأسعار جراء المشاكل التي تواجه سلاسل الإمداد والنقص في المكونات واليد العاملة والطلب الكبير للمستهلكين الأمركيين، بعد تعافي الاقتصاد الأمريكي من الأزمة التي نجمت عن كوفيد-19 ومساهمة الإنفاق الحكومي في زيادة مداخيلهم.

وفي مقارنة مع شهر يناير، ارتفع مؤشر أسعار السلع الاستهلاكية في فبراير بنسبة 0,8%، علمًا بأن هذا المعدل كان ضمن الهامش المتوقع، وبأنه أعلى بنسبة 0.2% مقارنة مع الشهر السابق. فيما سجلت أسعار المواد الغذائية والبقالة ارتفاعًا نسبته 1.4%، وهو الأعلى للفئتين منذ أبريل 2020. كذلك ارتفعت كلفة الإسكان على غرار الإيجارات بنسبة 0.5% مقارنة بيناير، علمًا بأنها ارتفعت بنسبة 4.7% على أساس سنوي، وفق التقرير.

الدين القومي

تجاوز الدين القومي للولايات المتحدة مؤخرًا 30 تريليون دولار. وحتى في ظل الانخفاض التاريخي لأسعار الفائدة على مدار العقد الماضي، فإن نفقات الفائدة على هذا الدين في طريقها كي تتجاوز 600 مليار دولار في السنة المالية 2022، على الرغم من أن بعضًا منها هي ممتلكات داخل الحكومة. 

وتعني زيادة فائدة الصندوق الفيدرالي أن الديون الجديدة والمتجددة ستتطلب مدفوعات أعلى لمعدلات الفائدة، مما يدفع بنفقات الفائدة إلى المستويات التي تحركها على مسار خطير نحو أعلى فئة من النفقات الفيدرالية. ومع استمرار الأحداث الجارية في أوكرانيا، فهناك العديد من الأحداث والقضايا التي تتسلل في الولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن البعض يود الاعتقاد بأن جائحة (كوفيد-19) قد انتهت، حتى لو كانت البلاد تنتقل إلى المرحلة المتوطنة فسوف تستمر إصابة الناس بالعدوى وستحدث الوفيات بين أكثر الفئات ضعفًا. وهذا يسلط الضوء أيضًا على الحاجة إلى علاجات آمنة وفعالة، وهو أمر تسعى إليه صناعة الأدوية بقوة.

مسارات متعددة

تتباين الاتجاهات بين مدى قدرة الرئيس “جو بايدن” على تجنب خسائر التجديد النصفي التي أربكت العديد من أسلافه، أم أن حزبه مقدم على خسارة لا يمكن تجنبها خاصة مع ضيق الفارق بين الحزبين في مجلسي النواب والشيوخ. ووسط تلك الأمور القاتمة، برز مساران لمستقبل الرئيس “بايدن” وحزبه في انتخابات التجديد النصفي:

المسار الأول: يستند إلى العملية التي نفذتها القوات الخاصة الأمريكية في سوريا، وأدت إلى مقتل زعيم تنظيم داعش الإرهابي “إبراهيم القرشي”، والتي كان لها تأثير إيجابي لصالح الرئيس “بايدن” على صعيد الأمن القومي، خاصة بعد الانسحاب الفوضوي من أفغانستان. ومن ثم، هناك فرصة أمام بايدن لتصحيح المسار واستعادة شعبيته من خلال ايجاد أرضية مشتركة مع الجمهوريين بشأن بنود جدول الأعمال الرئيسة مثل الهجرة، على غرار مشروع قانون البنية التحتية من الحزبين، بدلًا من مضاعفة الخطاب الحزبي الانقسامي.

كما لاقى بايدن حفاوة بالغة من الديمقراطيين والجمهوريين في الكونجرس عندما شدد خلال خطابه عن حال الاتحاد على دعم الولايات المتحدة الثابت لأوكرانيا. ويعد الوفاق الذي جمع بين الحزبين الأمريكيين المتنافسين من اللحظات القليلة المهمة التي يطلق عليها الـ”تجمع حول تأثير العلم“، وهو مفهوم طرحه عالم السياسة “جون مولر” في عام 1970، يشير إلى أنه خلال الأزمات الدولية، يميل الأمريكيون إلى تبني وجهات نظر أكثر إيجابية تجاه قائدهم الأعلى. 

المسار الثاني: من المرجح أن تستمر شعبية بايدن في الانخفاض، ومن ثم سيسيطر الجمهوريون على نتائج انتخابات نوفمبر المقبلة وربما الانتخابات الرئاسية في 2024، ما لم تحدث تحولات مفاجئة، وخصوصًا بعد بدء روسيا غزوًا واسع النطاق ضد أوكرانيا، مما أدى إلى ارتفاع في أسعار النفط وزيادة معدلات التضخم. فالاقتصاد يُشكل محورًا أساسيًا بالنسبة للناخب الأمريكي. أضف إلى ذلك، تعطل المفاوضات في فيينا في التوصل إلى اتفاق لإجياء الاتفاق النووي، مما يشكل ضربة كبيرة للرئيس “بايدن” في الوقت الذي تتسم سياسته الخارجية بالضعف والهوان.

وفى ظل ما يواجههه الديمقراطيون من تقلبات تاريخية ورئيس يفتقر للشعبية، فإن الأغلبية الجمهورية فى مجلس الشيوخ تبدو سهلة. ومما يشير إلى شعور الديمقراطيين بحجم الأزمة أن 28 نائبًا ديمقراطيًا أعربوا عن عزوفهم عن خوض الانتخابات هذا العام، مقابل 13 نائبًا جمهوريًا فقط. ولكن، مع تنامى احتمالات أن تشهد انتخابات الكونجرس القادمة انتصارات للجمهوريين، فإن سلسلة من العثرات التى يواجهها الحزب، والتى تشمل ضعف جمع التبرعات والخلافات الداخلية التي محورها الرئيس السابق، “دونالد ترامب”، الذي ما زال يحظى بنفوذ واسع بين قواعد الحزب. ويتمحور الخلاف حاليًا حول إصرار ترامب على الانتقام من أعضاء الكونجرس الجمهوريين الذين رفضوا تأييد جهوده في الانقلاب على نتيجة الانتخابات الرئاسية التي خسرها عام 2020.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى