الأمريكتانالعراق

انسحاب تدريجي.. قراءة في أبعاد ودلالات زيارة الكاظمي لواشنطن

أعلنت واشنطن وبغداد، خلال زيارة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي للبيت الأبيض، إنهاء الوجود الأمريكي في العراق بحلول نهاية العام الجاري، لينهي بذلك الرئيس جو بايدن المهام القتالية الأمريكية في الحربين اللتين بدأهما الرئيس السابق جورج دبليو بوش. ويؤكد على وجود انسجام مع السياسة التي انتهجها سلفه دونالد ترامب، الذي أمر بسحب القوات من العراق وأفغانستان في الأشهر الأخيرة لولايته، وتقليص عدد الجنود في البلدين إلى 2500 جندي.

منذ مقتل قائد فيلق القدس الإيراني، الجنرال قاسم سليماني، ونائب قائد قوات الحشد الشعبي العراقية الموالية لإيران، أبو مهدي المهندس، على الأراضي العراقية في يناير 2020، لا يزال القادة والمواطنون العراقيون منقسمين بشأن انسحاب القوات الامريكية. ولا تزال الميليشيات العراقية المتحالفة مع إيران ملتزمة بهدف طرد القوات الأمريكية من البلاد باستخدام أي وسيلة تحت تصرفها، بما في ذلك اتباع العنف. ويريد الكاظمي، رئيس حكومة دولة تمزقها أعمال العنف وتعاني من الفقر ويتفشى فيها الفساد، أن تتعهد واشنطن، رسمياً على الأقل، بإعادة تقييم وجودها في العراق.

قرار الانسحاب الأمريكي، يأتي فيما تتعرض القوات الأمريكية في العراق بشكل شبه يومي لهجمات صاروخية تنسب إلى فصائل شيعية مسلحة مرتبطة بإيران. وتقوم واشنطن بضربات رداً على تلك الهجمات، كان آخرها في 29 يونيو الماضي، حينما قصفت مواقع فصائل عراقية مدعومة من إيران عند الحدود السورية-العراقية.

لذا، ترى واشنطن أن انتقال القوات الأمريكية والدولية من العمليات القتالية إلى التدريب والتجهيز ومساعدة قوات الأمن العراقية يعكس نجاح شراكتهما الاستراتيجية ويكفل دعما للجهود المتواصلة لقوات الأمن العراقية للتأكد من عدم قدرة تنظيم “داعش” على تهديد استقرار العراق.

أهداف زيارة الكاظمي

تأتي زيارة الكاظمي لواشنطن، في ظل وقت يسعى فيه إلى الحفاظ على توازنه “غير المستقر” بين الولايات المتحدة وإيران، الداعمين الرئيسيين للنظام السياسي العراقي منذ عام 2003. وفي ظل تحديات مهولة يواجهها بغداد، حيث يعيش العراق حالة مزاجية سيئة فأكثر من 160 شخًصا قتلوا في حريقين بمستشفى، بالإضافة إلى هجوم انتحاري مروع في مدينة الصدر أسفر عن مقتل 35 شخًصا على الأقل. فضلاً عن الموجة الثالثة المدمرة من كوفيد-19، والتي يحاربها العراق حاليًا.

كما لم تتوان الفصائل الموالية لإيران عن تكثيف ضغوطها مؤخراً على الكاظمي الذي ضعف موقفه في مواجهة أزمات تتزايد تعقيداً في البلاد على المستوى المعيشي والاقتصادي على وجه الخصوص، لا سيما أزمة الكهرباء التي يعتمد العراق على إيران للتزود بما يكفيه منها، خصوصاً في فصل الصيف. وقبل ثلاثة أشهر من الانتخابات التشريعية، يأمل رئيس الحكومة العراقي أن يستعيد بعضاً من النفوذ في مواجهة الفصائل النافذة والمعادية جداً لوجود الأمريكيين في البلاد.

وبالتالي، فإن أهداف زيارة الكاظمي بعيد عن مناقشة الانسحاب الأمريكي من العراق، سعت إلى:

  • ضمان الاستقرار الدائم للعراق الذي يقع في قلب الشرق الأوسط.
  • مساعدة الحكومة العراقية على إدارة الأزمات الاقتصادية ووباء كوفيد-19.
  • التأكد من أن العراق لا تصبح وكيلاً لإيران في الصراعات الإقليمية.
  • تعزيز الحلول الدائمة للنزوح الداخلي في العراق.
  • المساعدة في إجراء انتخابات حرة ونزيهة.
  • تعزيز الشراكات بين الحكومة العراقية والشركات الأمريكية لتطوير صناعات النفط والغاز والمياه في العراق، وبالتالي الحد من اعتمادها على واردات الغاز والكهرباء الإيرانية.

الاستراتيجية الأمريكية في العراق

غزت القوات الأمريكية العراق في 2003 للإطاحة بصدام حسين من سدة الحكم والقضاء على أسلحة دمار شامل اتضح بعد الغزو أنه لا وجود لها. ووعد الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش بأن تنعم العراق “بالحرية والسلام”، لكن البلاد منذ ذلك الحين غرقت في صراعات طائفية دموية. ورحلت القوات القتالية الأمريكية بالفعل من العراق في 2011، لكنها عادت مرة أخرى بناء على طلب الحكومة العراقية بعد ذلك بثلاث سنوات عندما سيطر تنظيم “داعش” على أجزاء كبيرة من البلاد.

وبعدما فقد داعش آخر معاقله في العراق أواخر عام 2017، احتفظت الإدارة الأمريكية بحوالي 5000 جندي في العراق، وزودت القوات الأمريكية نظراءها العراقيين بالتدريب، والقوة الجوية، والاستخبارات، واللوجستيات، لمنع عودة التنظيم. ولكن قرار ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015 وإعادة فرض العقوبات وضع الشرق الأوسط في مسار تصادمي جديد، بما ذلك في العراق. بعدما حظرت الولايات المتحدة جميع صادرات النفط الإيرانية، بدأت طهران حملة واسعة من الهجمات العنيفة ضد المصالح الأمريكية في العراق. وتصعيد الهجمات الصاروخية التي تستهدف أفرادًا أمريكيين بتوقيع ميليشيات موالية لإيران وتابعة لقوات الحشد الشعبي.

وتصاعدت الهجمات بشكل كبير في أعقاب حركة احتجاجية حاشدة مناهضة للحكومة اندلعت في أكتوبر 2019 في بغداد وجنوب العراق. لم تركز التظاهرات على فساد الحكومة وفشلها في تقديم الخدمات والوظائف الأساسية فحسب، بل ركزت أيضًا على إخضاع سيادة العراق لإيران. وتواطأت حكومة عادل عبد المهدي مع إيران والميليشيات التابعة لها، لفرض قمع وحشي للتظاهرات، ثم أجبر عبد المهدي على الاستقالة.

تبع ذلك سلسلة أحداث دفعت العلاقات الأمريكية – العراقية إلى مستوى متدنٍ جديد.

أولًا: هاجمت قوات الحشد الشعبي بعنف السفارة الأمريكية.

ثانيًا: قتلت غارة أمريكية قاسم سليماني، أهم جنرال إيراني، وأبو مهدي المهندس، القائد الفعلي لقوات الحشد الشعبي.

ثالثًا: أصدرت العناصر الموالية لإيران في البرلمان العراقي قرارًا غير ملزم يطالب بطرد القوات الأمريكية.

رابعًا: شنّت إيران هجومًا صاروخيًا باليستيًا على قاعدتين تستضيفان القوات الأمريكية وأسفرت عن  100 إصابة.

ظلت التوترات تتصاعد طوال العام 2020، وتجسدت بالضربة الأمريكية الثانية الانتقامية ضد كتائب حزب الله، بعد قتل سليماني والمهندس، والعقوبات الأمريكية، وأزمة كورونا، وكلها عوامل أضعفت بشكل واضح يد إيران في العراق. في مايو 2020، أذعنت طهران لتعيين رئيس وزراء جديد، مصطفى الكاظمي، رئيس المخابرات العراقية الذي تربطه علاقات طويلة الأمد مع واشنطن.

بدأت الولايات المتحدة حوارًا استراتيجيًا مع حكومة الكاظمي على أمل تنشيط الشراكة الثنائية، واستضافت الكاظمي في البيت الأبيض. ثم أعلنت الولايات المتحدة أنها ستخفض عدد القوات في العراق من 5200 إلى 3000. الأمر الأكثر إثارة للدهشة، في خطوة فاجأت الكاظمي، أن الإدارة هددت بإغلاق السفارة الأمريكية في بغداد وشن ضربات جوية مكثفة ضد وكلاء إيران إذا لم ينه الكاظمي هجمات الميليشيات. أثار التحذير موجة من النشاط السياسي العراقي، دفع بالميليشيات للإعلان عن وقف مؤقت لإطلاق النار. بعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية، أعلنت الإدارة أنها ستسحب 500 جندي إضافي، ما يترك 2500 جندي عشية تنصيب بايدن.

وبعد أكثر من 18 عاما على إرسال القوات الأمريكية للعراق. وقع الرئيس الأمريكي، ورئيس الوزراء العراقي في 26 يوليو الجاري، اتفاقا ينهي رسميا المهام القتالية للقوات الأمريكية في العراق بنهاية 2021. وأكد بايدن أن الدور الأمريكي في العراق سيركز على المساعدة في مجال التدريب، إضافة إلى مكافحة تنظيم داعش الإرهابي، والدعم الاستخباراتي. وقال، خلال اجتماع له مع الكاظمي، إن التعاون الأمريكي لمكافحة الإرهاب سيستمر مع إنهاء الولايات المتحدة مهمتها القتالية في العراق.

ومن المتوقع من إدارة بايدن خلال الفترة المقبلة تنفيذ عدد من الاستراتيجيات متمثلة في:

  1. إعطاء الأولوية للمبادرات التي تعزز اقتصاد العراق وتقوض النفوذ الإيراني: العديد منها الآن على جدول الأعمال، منها صفقات للشركات الأمريكية لتوسيع قطاعي الكهرباء والغاز الطبيعي في العراق، وبالتالي إنهاء اعتمادها الشديد على إيران. كما ستشجع الولايات المتحدة الخليج على الاستثمار في البنية التحتية للطاقة والغاز مع التحرك بسرعة لربط العراق بشبكات الكهرباء الخليجية. في المجال المالي، سيتم دعم صفقة مع صندوق النقد الدولي لتخفيف العجز الهائل في الميزانية العراقية، شرط أن تنفذ الحكومة إصلاحات هيكلية في اقتصادها القائم على النقد، وإغلاق سبل الفساد التي تستفيد منها إيران ووكلاؤها.
  2. تطبيق استراتيجية سرية ومركزة لمساعدة الكاظمي على مقاومة الضغط الإيراني: وضمان انتخابات حرة ونزيهة، وتعزيز حركة الاحتجاج السلمية في العراق، وتشجيع تحالف من الفصائل الأكثر اعتدالًا في البرلمان العراقي لدعم إصلاحات الكاظمي الاقتصادية، وتقديم الدعم للكاظمي لإجراء انتخابات حرة ونزيهة، ودعم أقصى قدر من مراقبة الأمم المتحدة للانتخابات لضمان شفافية وشرعية العملية.
  3. إبقاء الضغط الأمريكي على وكلاء إيران من خلال معاقبة الجهات العراقية الخبيثة: لا تشمل فقط شخصيات الميليشيات الموالية لإيران، بل أيضًا القادة السياسيين البارزين والمتورطين في فساد واسع النطاق وانتهاكات حقوق الإنسان وخرق العقوبات والإرهاب وتقويض استقرار العراق. كما يجب تحديد وضبط الأصول في مناطق الاختصاص الأجنبي وإعادتها إلى الشعب العراقي، وعلى الولايات أن تؤيد بقوة دعم جهود الحكومة العراقية لمواجهة التهديدات الخطيرة الموجهة ضد الأفراد الأمريكيين.

ماذا يعني الانسحاب الأمريكي من بغداد؟

من الطبيعي مقارنة انسحابات بايدن العسكرية المتزامنة في العراق وأفغانستان. ولكن على النقيض من الانسحاب الكامل من أفغانستان، فإن الانسحاب من العراق هو بمثابة إعادة التوازن، وخروج القوات المقاتلة واستبدالها بالمدربين الذين سيواصلون بناء قدرات أجهزة الأمن العراقية. ويشكل العراق جزءاً مهماً من الإطار الاستراتيجي للولايات المتحدة التي تقود عمليات التحالف الدولي لمكافحة الإرهابيين في سوريا والعراق. ومن غير الوارد بالنسبة لواشنطن أن تتخلى عن البلد ذي التأثير الإيراني، في خضم ارتفاع مستوى التوتر بين إيران والولايات المتحدة، حتى لو كانتا لا تزالان تعتزمان إنقاذ الاتفاق الدولي حول الاتفاق النووي الإيراني المبرم عام 2015.

بالنسبة لبغداد، فإن إعلان انسحاب القوات الأمريكية، جاء في الوقت المناسب قبل عقد الانتخابات البرلمانية العراقية المقرر إجرائها في أكتوبر المقبل، وتجنب وضع الكاظمي في مأزق بتصويت برلماني يهدف إلى طرد القوات الأمريكية، وبالتالي فإن هذا الاتفاق سيحافظ على مكانة رئيس الوزراء ويسمح للولايات المتحدة بتشكيل انسحابها بما “يرضي” القيادة المركزية الأمريكية والقوات العراقية. كما أن تنحية القضايا الخلافية المتعلقة بالوجود العسكري الأمريكي في البلاد جانباً ستحسن العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة والعراق، والوصول إلى تعاون ثنائي أفضل في مجالات الاقتصاد والتعليم والتبادل الثقافي.

بالنسبة للأحزاب الشيعية، فإن الإعلان عن انسحاب القوات الأمريكية قد يؤدي يؤدي إلى استرضاء الأحزاب الشيعية، لكنه لن يكون له تأثير يذكر على الأرض، فقد انتهت المهمة القتالية للتحالف فعليا في نوفمبر الماضي عندما خفض البنتاجون القوات الأمريكية في البلاد إلى 2500 جندي، وقالت الأحزاب الشيعية إنها لا تعترض على المدربين أو المستشارين الذين قد يبقون جزءا من الائتلاف.

أما إقليم كردستان العراق، فيرفض هذا الانسحاب تمامًا، مؤكداً أن لا أحد ينتظر بقاء القوات الأمريكية والتحالف الدولي في العراق للأبد، وهو وجود مؤقت بطبيعة الحال، لكن في غمرة الحديث عن انسحاب القوات القتالية مع الإبقاء على مدربين ومستشارين أمريكين، يجب أن نؤكد أن القدرات القتالية الجوية والاستخباراتية واللوجيستية العالية للولايات المتحدة لا يستطيع أحد إنكارها، والعراق بحاجة ماسة لها ويرتكز عليها، وعلينا التفكير في جملة الأخطار المحدقة بنا، لا سيما من قبل داعش.

بالنسبة لروسيا والصين، فهي لا ترى في الانسحاب الأمريكي على أنه انتصار، بل تراه “خفة يد دبلوماسية” وتقليص محدود للوجود الأمريكي، دون تقليص في حجم التأثير الأمريكي في العراق. وبالتالي لن تبدي الحكومتين الروسية والصينية استعداداً للعب دور بديل للولايات المتحدة في بغداد، فهم يفضلون أن تكون الأجهزة الأمنية في الدول التي يعملون بها ضعيفة بحيث يصعب أن تتحدي نفوذهم وأهدافهم لاستغلال موارد البلاد.

وفيما يتعلق بتنظيم داعش: فقد حذر تقرير للأمم المتحدة استند إلى تقييمات استخباراتية من أن تنظم داعش لم ينته وقد يعود للنشاط بقوة مع انسحاب القوات الأمريكية من العراق. وأشار التقرير الصادر عن فريق مراقبة العقوبات التابع للأمم المتحدة إلى أنه على الرغم من الانتكاسات، فإن داعش على وشك أن يكون مشكلة لبعض الوقت في العراق وأيضا في سوريا المجاورة. واستند تقرير اللجنة إلى معلومات استخباراتية للدول الأعضاء وأنه حذر من تطور عمل داعش إلى تمرد راسخ، مستغلا نقاط الضعف في الأمن المحلي للعثور على ملاذات آمنة واستهداف القوات المشاركة في عمليات مكافحة داعش.

ختامًا، بعد عقودًا من الغزو الأمريكي للعراق، والعنف الذي ترك بنيته التحتية في حالة يرثى لها، ورغم ما تقدمه الولايات المتحدة من مساعدات مالية وصلت إلى 3 مليارات دولار منذ عام 2014، وأكثر من 200 مليون دولار خلال عام 2020، واعتزام إدارة بايدن تقديم 155 مليون دولار كمساعدات إنسانية إضافية للعراق، إلا إن واحد من كل اربعة عراقيين يعيشون تحت خط الفقر رغم ثروة البلاد النفطية. ويكافح نظام الرعاية الصحية في العراق من جائحة فيروس كورونا، الذي كان له تداعيات سلبية على اقتصاد البلاد. وتراجع الطلب على النفط بسبب عمليات الإغلاق في جميع أنحاء العالم، وانخفاض الأسعار، مما أثر على إيرادات الحكومة وحتى قدرتها على دفع رواتب الموظفين والمتقاعدين. وبعد أربع سنوات من هزيمة تنظيم داعش، لا يزال مقاتلي التنظيم قادرين على شن هجمات في العاصمة والتجول في المنطقة الشمالية الوعرة من البلاد. ففى الاسبوع الماضى هاجم داعش سوقا مزدحما في بغداد أسفر عن مقتل 30 شخصا. وبالتالي فإن انسحاب الولايات المتحدة من العراق في الوقت الحالي سيتسبب في زعزعة استقرار الشرق الأوسط، ويخلق أفغانستان جديدة، فالعراق بدون المساعدات الأمنية الخارجية لن يتمكن من السيطرة على الأمن، ومنع الاعتقالات والاغتيالات التعسفية، وردع العصابات المسلحة عن إطلاق الصواريخ، وغزو المطارات والمخيمات والسفارات ومنازل المواطنين، والحفاظ على هيبة الدولة وسيادة القانون، وحماية السيادة الوطنية، واستعادة إمدادات المياه التي استولت عليها إيران وتركيا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى