الأمريكتان

هل تستعد الولايات المتحدة لـ”ديجا فو” سياسي في هايتي

دخلت جمهورية هايتي حالة من الفوضى عقب اغتيال مسلحين مجهولين لرئيسها “جوفينيل مويس”، داخل منزله في 7 يوليو. الأمر الذي زاد من تفاقم الوضع السياسي والاقتصادي والأمني “المضطرب” في البلاد، ودفع بالحكومة المؤقتة إلى مناشدة الولايات المتحدة إرسال قوات للمساعدة في حماية البنية التحتية الرئيسية كإجراء وقائي قبل إجراء الانتخابات “المحتمل” عقدها في سبتمبر المقبل. ولكن، نظرا لدور واشنطن الأخير في دعم حكم “مويس” الاستبدادي الذي لا يحظى بشعبية، وسجل التدخل العسكري الأمريكي السابق في هايتي، واحتلال البلاد بين عامي 1915 و1934، فقد بدا طلب الحكومة المؤقتة وكأنه “ديجا فو” سياسي للعودة للماضي مرة أخرى وعودة الاحتلال الأمريكي للبلاد.
أدى اغتيال رئيس هايتي دخول البلاد حالة من الصراع السياسي على السلطة، بين رئيسي وزراء متنافسين، فقد سيطر “كلود جوزيف” على السلطة، وأعلن حالة الطوارئ في البلاد، داعيا المواطنين إلى التزام الهدوء.
في المقابل، شكك البعض في سلطة “جوزيف”، حيث عين “مويس” قبل اغتياله بيوم “ارييل هنرى” رئيسا جديدا للوزراء، وكان من المفترض أن يؤدي اليمين الدستورية. وبينما كان من المفترض أن يتولى رئيس المحكمة الدستورية قيادة البلاد إذا أصبح منصب الرئيس شاغرا، أصبح هذا من غير الممكن نظرا لوفاة “رينيه سيلفستر” إثر إصابته بكوفيد-19 في 23 يونيو. ومما يزيد الوضع تعقيداً أن لدى هايتي حاليا دستورين متضاربين يعطيان تعليمات مختلفة حول ما يجب القيام به حال غياب الرئيس عن السلطة.
الأزمة السياسية التي تشهدها هايتي حالياً، تأتي في ظل دمار اقتصادي وإنساني. فهي تُعد أفقر دولة في نصف الكرة الغربي، ويعيش 80% من السكان تحت خط الفقر، وتضربها الأزمات المتلاحقة بداية من زلزال عام 2010 الذي أودى بحياة ما يقدر بنحو 250 ألف شخص ودمر بنيتها التحتية. ثم إصابة مئات الآلاف من الهايتيين بالكوليرا، بالإضافة إلى إعصار ماثيو الذي دمر أجزاء كبيرة من البلاد، والآن وباء فيروس كورونا الذي أدى إلى انهيار المنظومة الصحية المتداعية بالفعل. وعدم شروع هايتي في إعطاء اللقاح المضاد لـ”كوفيد-19″ متخلفة بذلك عن معظم دول العالم.
بالإضافة إلى ما سبق، بلغت الجريمة والعنف ذروتهما في السنوات الأخيرة. وسيطرت العصابات الإجرامية على مساحات واسعة من الأراضي. ووفقًا لتقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) في 15 يونيو الماضي، غادر نحو ثمانية آلاف و500 امرأة وطفل منازلهم، بسبب تصاعد التوترات بين العصابات المسلحة في العاصمة بورت أو برنس. كما أظهرت بيانات الأمم المتحدة أن نحو 14 ألف شخص اضطروا إلى ترك منازلهم خلال الأشهر التسعة الماضية، إثر سيطرة العصابات على بعض مناطق البلاد.

اضطرابات متلاحقة أعقبها اغتيال الرئيس

وصُفت فترة حكم “مويس” التي بدأت عام 2017 بالقمعية، واتسمت بالتكتيكات الاستبدادية وعدم القدرة على كسب ثقة الشعب الهايتي، فبعد وقت قصير من انتخابه، أحيا “مويس” جيش البلاد، الذي تم حله قبل عشرين عامًا. وأثار هذا القرار شكوكاً في بلد لا يزال يعاني من تداعيات زلزال عام 2010 الكارثي، ومخاوف من أن الجيش سوف يستنزف الموارد المحدودة للبلاد، بالإضافة إلى تاريخ الجيش الهايتي في انتهاكات حقوق الإنسان والانقلابات المتعددة التي قام بها. كما أدى قرار إعادة الجيش إلى تمهيد الطريق لرئاسة “مويس” وإحكام السيطرة على البلاد، وتغليب مصالح الرئيس على مصلحة الشعب.
شهدت الفترة التي قضاها “مويس” في منصبه صعوبات كثيرة، بسبب ضعف الأداء الاقتصادي، واتهامات بالفساد بعد تورط أعضاء حكومته في اختلاس مليارات الدولارات من المساعدات الخارجية، وخرجت احتجاجات عنيفة مناهضة له ولحكومته. واتهمت المعارضة “مويس” بمحاولة تعزيز سلطته، من خلال تقييد صلاحيات المحاكم التي تشرف على أعمال الحكومة وإنشاء وكالة استخبارات تعمل تحت قيادته. وعمت الاحتجاجات مناطق واسعة في العاصمة ومدن أخرى في وقت سابق من هذا العام مطالبة باستقالته.
وقالت المعارضة في هايتي إن فترة ولاية “مويس” البالغة خمس سنوات كان ينبغي أن تنتهي في 7 فبراير 2021. ومع ذلك، أصر “مويس” على الاستمرار في المنصب لمدة عام آخر، بحجة أنه لم يتسلم منصبه حتى 7 فبراير 2017. وكان التأخير لمدة عام ناتجا عن مزاعم بتزوير الانتخابات التي أجريت عام 2015، والتي أدت في النهاية إلى إلغاء نتائج انتخابات وإجراء انتخابات جديدة، فاز فيها.

هايتي.. المستعمرة القديمة للولايات المتحدة

على مدى عقود، سعت واشنطن إلى تأسيس موطئ قدم لها في هايتي، في محاولة للسيطرة على موانئها، ومواردها الطبيعية. وبدأ التدخل الأمريكي منذ تسعينيات القرن التاسع عشر، عندما قدمت الدعم للمستعمرين الفرنسيين في محاولة لإخضاع الجماعات المتمردة من الهايتيين المستعبدين. ومع تنامي الثورة، ازداد العداء الأمريكي لهايتي، بسبب المخاوف من أن يمتد الخطاب الثوري إلى السكان المستعبدين في الولايات المتحدة. وعلى الرغم من حصول هايتي على استقلالها في عام 1804، إلا أن الولايات المتحدة لم تعترف بها كدولة مستقلة حتى عام 1862.
في أوائل القرن العشرين، كانت الولايات المتحدة ترسل أسطولها البحري بانتظام إلى المياه الهايتية، وفي عام 1914، نزل مشاة البحرية الأمريكية على الأراضي الهايتية وشقوا طريقهم إلى بنك هايتي الوطني، حيث استولوا على 500 ألف دولار ونقلوه إلى نيويورك. في العام التالي، اقترح وفد أمريكي على الحكومة الهايتية “الحماية” العسكرية الأمريكية، وهو ما قوبل بالرفض.
تغير هذا الموقف تجاه هايتي في عام 1915، بعد اغتيال الرئيس “جان فيلبرون غيوم سام” بعد بضعة أشهر من توليه منصبه بسبب حكمه الاستبدادي وسياساته القمعية. وفي مواجهة الاضطرابات المتزايدة، أرسل الرئيس الأمريكي “وودرو ويلسون” مشاة البحرية الأمريكية إلى هايتي لبناء البلاد واستعادة الاستقرار السياسي والاقتصادي. لكن الاحتلال العسكري الأمريكي استمر لما يقرب من 20 عاما، خلال هذه الفترة سيطرت الولايات المتحدة على البلاد، وقيدت حرية الصحافة وانغمست في العنف ضد الهايتيين .
في عام 1990، أصبح “جان برتران أريستيد” أول رئيس هايتي منتخب ديمقراطيا. وأطيح به في غضون عام، في انقلاب شاركت فيه وكالة استخبارات مدربة وممولة من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية. في عام 1994، عاد إلى هايتي تحت حماية القوات الأمريكية. وأعيد انتخاب أريستيد في عام 2000، لكنه أُجبر على الرحيل مرة أخرى بعد انتفاضة مسلحة أخرى، يعتقد أنها دبرتها قوى أجنبية.
أسفر التدخل الأمريكي خلال العقود الماضية، إلى إضعاف حكومات هايتي المتعاقبة من قبل الولايات المتحدة وحلفائها، الذين قاموا بتوجيه المساعدات إلى منظمات الإغاثة والمنظمات غير الحكومية التابعة لهم. وتولت تلك المنظمات مهام الحكم في هايتي بطريقة غير فعالة ومدروسة ساهمت في تراجع البلاد وتردي الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية. ربما كان هذا التراجع مقصودا، فقد تباهى تقرير سنوي للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية صدر في عام 2004 بعد الانقلاب بأنه أنهى برامج كانت تهدف في السابق إلى “تعزيز جهاز الشرطة والقضاء والانتخابات في البلاد”، ووجه الأموال إلى منظمات خاصة وجماعات إغاثة مقرها الولايات المتحدة.
كما أن التدخل الأجنبي في هايتي لم يسفر في مجمله عن تحول إيجابي، ففي أعقاب الزلزال الذي ضرب هايتي في يناير 2010 وأودى بحياة أكثر من مائتي ألف شخص، نشرت الأمم المتحدة قوات حفظ السلام للمساعدة في جهود إعادة البناء، بميزانية قدرت بـ 200 مليون دولار، لكن هذه القوات لم تفعل الكثير لتحسين الوضع في البلاد وانتهى بهم الأمر بالتسبب في انتشار وباء الكوليرا المدمر وارتكاب سلسلة من الجرائم الجنسية.
وقد دفع هذا التاريخ، إلى جانب سجل الولايات المتحدة الطويل في إثارة الانقلابات والتخطيط لاغتيال القادة في هايتي، البعض إلى التساؤل عما إذا كان لعناصر من الحكومة الأمريكية يد في مقتل مويس. وازدادت هذه الاسئلة بسبب تقرير لصحيفة “ميامى هيرالد” يفيد بان 17 مواطنا كولومبيا ومواطنين امريكيين من مواليد هايتى تم القبض عليهم عقب القول بأنه تم تجنيدهم من قبل شركة امنية مقرها فلوريدا قيل ان مالكها ادعى ان له صلات بوكالات امريكية أو انه عمل مباشرة بها.

هل تتدخل إدارة بايدن؟

لم تصرح إدارة بايدن حتى الآن أنها ستقدم مساعدة عسكرية، لكنها أعلنت اعتزامها إرسال مسؤولين من مكتب التحقيقات الفيدرالي ووزارة الأمن الداخلي “في أقرب وقت ممكن”، للمساعدة في التحقيق الجاري في اغتيال “مويس”. كما أعلن بايدن أن الولايات المتحدة سترسل إلى هايتي عناصر المارينز لحماية السفارة الأمريكية. وليس لدى البيت الأبيض في الوقت الحالي النية للتدخل في هايتي أو إرسال بعثة لتحقيق الاستقرار في البلاد، نظراً لتركيز الإدارة الحالية على أولويات أخرى تتعلق بسياستها الداخلية والخارجية، فضلاً عن عدد من العوامل التي قد تعيق هذا التدخل أبرزها:
أنهاء الحروب الابدية: اتخذ الرئيس جو بايدن خطوات فعليه لإنهاء ما وصف بالحروب الأبدية، وإلغاء التفويض باستخدام القوة العسكرية، وبالأخص في أفغانستان التي تشير التقديرات إلى أن الولايات المتحدة أنفقت أكثر من تريليوني دولار في أفغانستان في العقدين الماضيين. وبالتالي فلن يخرج بايدن من أفغانستان للدخول في هايتي.
محاولة الابتعاد عن الشؤون الداخلية للدول: في ظل التطورات الاحتجاجية الأخيرة التي تشهدها كوبا، بسبب نقص الغذاء والدواء وانقطاع التيار الكهربائي وارتفاع التضخم، والدعوة الأمريكية إلى “الإصغاء إلى الشعب”، أدان حزب النهج الديمقراطي بقوة “التدخل الأمريكي السافر في شؤون الشعب الكوبي”. وألقت الحكومة الكوبية باللوم على الولايات المتحدة، واتهمتها بأنها المسؤولة عن الاحتجاجات التي شهدتها كوبا في 11 يوليو الجاري، بسبب الحظر التجاري المفروض منذ سنوات على البلاد والذي تم تعزيزه في ظل إدارة ترامب، واستمراره في ظل إدارة بايدن. وبالتالي ستبتعد إدارة بايدن قدر الإمكان في الوقت الحالي للدخول بشكل مباشر في هايتي حتى لا تتأكد صورتها بالتدخل في شؤون الدول.
الحد من الهجرة: أكدت إدارة بايدن بأن المهاجرين الهايتيين غير مرحب بهم، ولن يجدوا الأمان في الولايات المتحدة حتى لو لديهم طلب لجوء موثوق به. وخلال الفترة الماضية قامت إدارة بايدن، بترحيل عدد كبير من الهايتيين في غضون أسابيع قليلة مقارنة بما فعلته إدارة ترامب في عام واحد (895 شخصًا في عام 2020 مقابل أكثر من 1200 شخص في الفترة من 20 يناير إلى 22 مارس). وفي الوقت الذي أعلنت فيه الإدارة الأمريكية عن التعاطف مع المهاجرين، حزمت الهايتيين على متن طائرات وحافلات مزدحمة وأعادتهم إلى هايتي، مستشهدة بأمر الصحة العامة الذي قامت إدارة ترامب بإصداره ضد المهاجرين.
ختامًا، إن الأزمة السياسية الحالية في هايتي، تعود في جزء كبير منها للتدخلات الخارجية المتكررة في شؤون البلاد، ومن شأن أي تدخل آخر أن يخاطر بتكرار نفس الأخطاء ووقوع البلاد في مستنقع صعب الخروج منه في ظل تنامي العنف وحرب العصابات والجريمة المنظمة. ولتحقيق الاستقرار والتقدم السياسي على المدى البعيد في هايتي، فإن الولايات المتحدة وغيرها من الحكومات تحتاج إلى مقاومة الرغبة في الانخراط في الإصلاح السطحي السريع القائم على التدخل العسكري، واستبداله بتقديم مساعدات إنسانية للحكومة المؤقتة، وتهيئة الظروف التي تساعد شعب هايتي على تعزيز الديمقراطية، وضمان حقوق الإنسان الأساسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى