الأمريكتان

هل تسعى الولايات المتحدة للوقيعة بين الصين وبريطانيا عبر شركة “هواوي”؟

تصف التحليلات العلاقة بين الولايات المتحدة والصين بالديناميكية التي تحدد مواقع القوة العالمية في القرن الحادي والعشرين. وعلى هذا ترى الولايات المتحدة أن الهيمنة الأمريكية معرضة الآن للخطر أكثر من أي وقت مضى، ليس من قبل روسيا أو إيران أو تنظيم داعش، بل من الصين، التي ترى فيها “التهديد الرئيسي” الذي يتحدى المبادئ الغربية.

وتوازيا مع وجهة النظر الأمريكية فتحت المملكة المتحدة فصلاً جديداً من المواجهة مع بكين ضد التكنولوجيا الصينية وشبكات الاتصالات التي تصنعها شركة هواوي. إزاء ما وصفته الولايات المتحدة بـ”التجسس الصيني” و”التهديدات الأمنية الصينية” وتأثيرات “الحزب الشيوعي الصيني على هواوي”.

في يناير الماضي، سمحت الحكومة البريطانية “بدور محدود” لشركة “هواوي” في تطوير شبكات الجيل الخامس للاتصالات بالبلاد. إلا أنها أوضحت في الوقت نفسه أنها ستستبعد “الموردين الذين يمثلون مخاطر عالية”، على غرار هواوي، من “الجوانب الجوهرية الحساسة” لشبكات الجيل الخامس وشبكات سرعات الإنترنت العالية. وأن حصة هواوي ستظل محدودة بنسبة لا تتجاوز 35% من “الجوانب غير الحساسة للشبكة”.

 أثار هذا القرار مخاوف أمنية متعددة لدى الولايات المتحدة، وتعرضت لندن لضغوط أمريكية شديدة لاستبعاد التعاون، مهددة بخفض مستوى تبادل المعلومات مع الدول التي تستخدم “شركات غير معتمد عليها” في خططها لاعتماد التقنية الجديدة.

وأثار أيضا نهج تعامل الصين مع جائحة فيروس كورونا دعوات من قبل أعضاء بارزين في حزب المحافظين الحاكم في بريطانيا، لإعادة النظر في توجه المملكة المتحدة لتعزيز العلاقات مع الصين. وطالب النواب رئيس الوزراء بوريس جونسون بتحديد تاريخ ملزم قانونا لإلغاء الشراكة مع شركة “هواوي”، أو مواجهة الهزيمة في البرلمان. 

وبناء عليه، قرر رئيس الوزراء خفض حجم مشاركة شركة هواوي الصينية، في شبكات الجيل الخامس للهاتف المحمول في المملكة المتحدة، وأصدر تعليمات للمسؤولين بوضع خطة من شأنها أن تصل بحجم مشاركة هواوي في البنية التحتية إلى “صفر” بحلول عام 2023، وضع خطط لإنهاء تعامل الشركات البريطانية مع هواوي، وإدراجها في ما يشبه “اللائحة السوداء”.

تأتي خطوة إعادة التقييم التي قامت بها بريطانيا، بعد عقوبات أمريكية جديدة من شأنها منع شركة الاتصالات الصينية من استخدام أي رقائق كمبيوتر مصممة من قبل الشركات الأمريكية وليس فقط تلك المصنعة في الولايات المتحدة. فيما حذرت شركة هواواى من أن تلك الخطوة قد تصعب من عملها، إذ أنها تستخدم تلك الرقائق في محطات الراديو الرئيسية والهواتف الذكية. وهذا الحظر قد يؤدي في النهاية إلى اعتماد الصين على رقائق الكمبيوتر التي طورتها بنفسها.

كما اتهمت الولايات المتحدة الحزب الشيوعي الصيني باتباع ما وصفته بـ “تكتيكات البلطجة القسرية” تجاه بريطانيا، ومن هذا المنطلق كان للولايات المتحدة الدور الأكبر في تغير الموقف البريطاني من مشاركة هواوي في شبكة الاتصالات الوطنية وذلك عبر عدد من التهديدات الأمريكية تمثل أبرزها في: 

  • تلقي لندن خلال الفترة الماضية تهديداً من الإدارة الأمريكية، بحرمان بريطانيا من التعاون في مجالات مشتركة عدة من بينها استفادة أجهزة الاستخبارات البريطانية من المعلومات المُتاحة عبر تحالف “الأعين الخمسة” Five Eyes الاستخباراتي، وتقود الولايات المتحدة تحالف “الأعين الخمسة” الذي يضم كلاً من بريطانيا، أستراليا، نيوزيلاندا وكندا.
  • إعلان الإدارة الأمريكية أن الطائرات المقاتلة الأمريكية وأطقم الطائرات المتمركزة في بريطانيا قد تواجه “خطر كبير” حال استمرار الحكومة البريطانية في خططها للسماح لشركة “هواواى” بالمساعدة في تطوير شبكة الجيل الخامس. مما يجبر واشنطن على سحب الطائرات العسكرية والأفراد من القواعد البريطانية، وإعادة نشرهم في غرب المحيط الهادئ. والتهديد بسحب طائرات التجسس طراز RC-135 من بريطانيا، وتخفيض محتمل لـ 10 آلاف جندي عسكري أمريكي مقرهم في المملكة المتحدة.

تهديدات أمنية

حذر الخبراء البريطانيون، من أن دافعي الضرائب، قد يساهموا عن غير عمد، في برنامج الدفاع الصيني، بعد ضخ الحكومة البريطانية ملايين الجنيهات من الأموال العامة لتمويل أبحاث تكنولوجية أجريت بالتعاون مع جامعات صينية معروفة بصلاتها العسكرية. إذ خصص مجلس أبحاث الهندسة والعلوم الفيزيائية في بريطانيا أكثر من 6.5 مليون جنيه إسترليني لجامعات بريطانية، بما في ذلك جامعة مانشستر للدراسات التكنولوجية، التي تتعامل مع تلك المؤسسات الصينية. وعلى الرغم من تركيز برامج البحث على التقنيات التي يمكن استخدامها في أغراض مدنية، حذر الخبراء من إمكانية استخدامها أيضًا في التطبيقات العسكرية أو السيطرة العسكرية، وهو ما أثار المخاوف من امكانية استغلال بكين لتلك الأبحاث.

كما دعمت شركة “هواوي” سلسلة من المشاريع البحثية التي تربط جامعات بريطانية بمؤسسات الدفاع الصينية، والتي ركزت على ما يسمى بتقنيات “الاستخدام المزدوج”، وكشف تقرير نشرته صحيفة ديلي تليجراف” عن مضمون سبع أوراق بحثية أجرتها مؤسسات بريطانية بالشراكة مع جامعات صينية، كجزء من برامج بحثية حصلت على تمويل  EPSRC. كما شارك باحثان في دراستين لصالح ما يسمى في الصين بـ”سبعة أبناء للدفاع الوطني”، فضلاً عن إجراء ستة دراسات بالتعاون مع الأكاديمية الداخلية لجيش التحرير الشعبي.

بالإضافة إلى ما سبق، يرى بعض نواب مجلس العموم البريطاني، أن شركة هواوي كان لها دوراً في تسهيل اضطهاد بكين لمسلمي الإيغور، عبر نظام المراقبة الذي نشرته هواوي في شينجيانغ لقمع الأقلية الإيغورية. وفي عام 2014 ، شاركت هواوي في مؤتمر لمكافحة الإرهاب تحت عنوان “رمز آمن من شينجيانغ” وهو نظام مراقبة للشرطة. وحظيت هواوي بالثناء في ذلك الوقت على يد رئيس قسم شرطة مقاطعة شينجيانغ، لأنه وصف النظام بأنه قادر على معالجة وتحليل اللقطات بسرعة وإجراء عمليات بحث دقيقة. وهو ما يعد دليلاً على وجود روابط بين جهاز الأمن وأكبر شركات التكنولوجيا في الصين.

تحالف الديمقراطيات العشر “D10 Club”

بعد تدهور العلاقات البريطانية الصينية، تكثف بريطانيا حاليًا اتصالاتها مع  الولايات المتحدة لتشكيل تحالف من عشر دول يمكنه أن يعمل على تطوير تقنية خاصة به من الجيل الخامس بهدف تقليص الاعتماد على شركة هواوي الصينية. يضم التحالف دول مجموعة السبع بالإضافة إلى أستراليا وكوريا الجنوبية والهند. يشمل الاقتراح تقديم الدعم المالي لشركات التكنولوجيا داخل التحالف. وبحسب المُقترح البريطاني ستعمل هذه الدول مجتمعة على دعم موردين للإستغناء عن هواوي، وسيكون على الموردين الجُدد تقديم تقنيات ومعدات الجيل الخامس وغيرها من التكنولوجيات لتجنب الاعتماد على الصين.  

في الواقع، قد يكون من الصعب تشكيل تحالف الديمقراطيات العشر، خاصة وأن مشغلي الاتصالات في الدول الأوروبية غير راغبين في استبدال مكونات هواوي بأنظمة أخرى نظراً للتكلفة العالية التي سيتحملونها. كما لا يزال الموقف الألماني والفرنسي والإيطالي غير واضح فيما يتعلق باستبعاد هواوي من شبكات 5G الخاصة بهم. وبعد تهديد الولايات المتحدة بأنها ستخفض من مستوى التعاون المعلوماتي، قالت ألمانيا إنها تريد أن تضمن أن بنيتها التحتية في مجال الاتصالات تستوفي أعلى الشروط والمواصفات الأمنية. 

بالإضافة إلى ذلك، فإن نجاح تحالف الديمقراطيات العشر يقضي بتمركز الاستثمارات في شركات اتصال موجودة في الدول العشر الأعضاء. والشركتان الوحيدتان حاليا الموجودتان في أوروبا والقادرتان على التزويد بتجهيزات للجيل الخامس، هما الشركة الفنلندية نوكيا والشركة السويدية إريكسون. وفي الوقت الحالي الشركتين غير قادرتين على جذب ما يكفي من رأس المال لمنافسة البنية التحتية لشبكة 5G الضخمة من هواوي والمدعومة من الحكومة الصينية. 

في المقابل، أعلن حلف شمال الأطلسي (ناتو) دعمه الخطوة البريطانية بتقليص الاعتماد على هواوي وتشكيل تحالف الديمقراطيات العشر. وقال الأمين العام للحلف “ينس ستولتنبرغ” إنه لا يمكن للغرب تجاهل “صعود نجم” الصين.

وأضاف أن الصين “تقترب من الغرب على أصعدة مختلفة، في القطب الشمالي، وفي الفضاء الإلكتروني، والبنية التحتية التي تتسم بالحساسية، بما في ذلك الاتصالات”، وشدد على أن الناتو على ثقة من أن حكومة المملكة المتحدة “ستصمم شبكاتها بطرق تحمي الشبكات، وتضمن للمملكة المتحدة امتلاك شبكات جيل خامس آمنة”. 

واستخدام منبر الناتو في المواجهة مع الصين ليس جديداً، إذ سبق أن وصف ستولتنبرغ في نوفمبر 2019 التكنولوجيا الصينية بأنها “خطر وتهديد للأمن العالمي”، واعتبر ستولتنبرغ أن التكنولوجيا الصينية ومن ضمنها شبكات الـ 5G وتقنية التعرف على الوجه Face Recognition و”انترنت الأشياء” IoT، وغيرها “خطراً وتهديداً”، وفي فبراير الماضي، قال وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر إن السماح لشركة هواوي ببناء شبكة الجيل الخامس قد “يهدد حلف شمالي الأطلسي”.

ختامًا، إن وقف تعامل بريطانيا مع هواوي نهائيًا بحلول عام 2023، من شأنه أن يهدد العلاقة تماما بين لندن وبكين، في وقت يبحث جونسون عن شركاء تجاريين جدد بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. والخوف الحقيقي من هواوي ليس تقنياً فقط بل أمنياً واقتصادياً، فقد أصبحت الشركة عملاق التكنولوجيا في العالم في وقت قصير بفضل الدعم الحكومي المقدم لها، كما تتلقى دعمًا حكوميًّا مباشرًا وهائلًا لأعمال البحث والتطوير. وهو ما يعد أمر غير قانوني في أوروبا. وما زاد الأمور تعقيداً هو تصديق الحزب الشيوعي الصيني في يونيو 2017 على قانون الاستخبارات الوطني، الذي يتضمن تعريفا هلاميا للاستخبارات مما يفتح الباب لجمع المعلومات بأي شكل من الأشكال. وتشعر الدول الغربية بقلق ازاء المادة 7 من هذا القانون بالتحديد. فهذه المادة تجبر المنظمات والمواطنين على دعم ومساعدة والتعاون مع العمل الاستخباري الوطني بموجب القانون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى