العالم

قمة القادة حول المناخ.. ترسم خارطة طريق لعمل مناخي أقوى

بعد أن عادت واشنطن لاتفاقية باريس للمناخ، قرر الرئيس الأمريكي “جو بايدن” تنظيم قمة افتراضية للمناخ تحت عنوان “قمة القادة حول المناخ”، تعقد يومي 22 و23 أبريل الجاري، بحضور قادة وزعماء أكثر من أربعين دولة، أبرزهم زعيمي الصين وروسيا. ويمهد الحدث، الذي ينطلق وسط اهتمام كبير، لقمة عالمية أخرى للمناخ من المقرر أن تعقد في نوفمبر المقبل بإسكتلندا. ومن المفارقات التي تشهدها القمة أن من بين الأربعين دولة المشاركة، هناك 17 بلدا مسؤولا عن نحو 80% من الانبعاثات العالمية والناتج المحلي الإجمالي العالمي.
ويتزامن توقيت انعقاد القمة مع اليوم العالمي للأرض، والذكرى الخامسة لاتفاقية باريس للمناخ الخاصة بخفض انبعاثات الكربون العالمية، كما أنها القمة الأولى من نوعها بعد عودة الولايات المتحدة إلى اتفاقية باريس، والتي كان الرئيس السابق دونالد ترامب قد انسحب منها. وتعكس القمة عودة واشنطن إلى خط المواجهة في مكافحة تغير المناخ بعد تراجعها عن التزاماتها.
ويشارك في القمة الأربعة الكبار من حيث الانبعاثات، وهم الصين والولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي والهند يساهمون في أكثر من 55% من إجمالي الانبعاثات. وقد تعهدت الولايات المتحدة في وقت سابق بخفض للانبعاثات الحرارية تصل نسبته نحو 50% بحلول عام 2030. أما الصين التي تعد أكبر مصدر في العالم لانبعاثات الغازات الملوثة، فتعهدت بأن تحد من هذه الغازات بنسبة تصل إلى 60% بحلول العام ذاته. وتأتي الهند في مركز متقدم بعد الصين وكانت قد تعهدت بتقليص انبعاثات الكربون، بنسبة 35 % بحلول عام 2030. كذلك اتفق قادة الاتحاد الأوروبي على خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في أوروبا بحلول عام 2030 إلى 55%.
وتشير الدراسات إلى أن الانبعاثات الضارة الناتجة عن حرق الوقود الأحفوري تتسبب سنويا في وفاة 4 ملايين فرد حول العالم. ويدق هذا الرقم ناقوس خطر يدفع لبذل مزيد من الجهد للحفاظ على حياة الملايين من البشر، التي باتت مهددة بالأوبئة والتلوث المناخي. كما تعد الولايات المتحدة والصين أكبر ملوث لظاهرة الاحتباس الحراري في العالم.

هدف القمة



تعقد القمة بهدف تنشيط جهود الحفاظ على هدف ألا يتجاوز ارتفاع درجة حرارة الكوكب 1.5 درجة مئوية. وتقول الأمم المتحدة إنه لتحقيق هذا الهدف يجب خفض الانبعاثات بنسبة 7.6% كل عام حتى عام 2030. كما تأتي القمة بعد أن وافق الاتحاد الأوروبي على اتفاق يهدف إلى خفض صافي انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري في الاتحاد بنسبة 55٪ بحلول عام 2030 عما كان عليه عام 1990.
ويسعى بايدن خلال هذه القمة إلى إعادة تأكيد قيادة الولايات المتحدة بشأن قضية المناخ وتشجيع الدول الأخرى على التعهد بخفض الانبعاثات قبل عام 2030. وحث قادة الدول على استخدام هذه القمة كفرصة للإعلان عن خططهم المناخية، والإجراءات التي سيتخذونها للحد من الانبعاثات الكربونية. ومن المتوقع أن تكشف الولايات المتحدة عن خطتها الوطنية لخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري على مدى السنوات العشر المقبلة. وتشمل قرارات بايدن البيئية التي بدأت في يناير الماضي، خطة بقيمة تريليوني دولار تعنى بالبنية التحتية والنقل النظيف والوظائف والتسريع في مكافحة التغير المناخي، فيما تشمل موازنة العام المقبل 14 مليار دولار لدعم مبادرات المناخ.
وتستهدف القمة تحفيز التقنيات التحويلية التي يمكن أن تساعد في تقليل الانبعاثات والتكيّف مع تغيّر المناخ، مع خلق فرص اقتصادية جديدة هائلة وبناء صناعات المستقبل، وكذلك مناقشة فرص تعزيز القدرة على حماية الأرواح وسبل العيش في ظل تأثيرات تغيّر المناخ والتصدي للتحديات الأمنية العالمية التي يفرضها تغيّر المناخ وتأثيره في الجاهزية ومعالجة دور الحلول القائمة على الطبيعة في تحقيق هدف صفر انبعاثات بحلول عام 2050.
ومن الأهداف الرئيسية الأخرى للقمة:
• تحفيز الاقتصادات الرئيسية في العالم على تقليل الانبعاثات خلال العشر سنوات المقبلة مع إشراك القطاعين العام والخاص.
• التأكيد على أن العمل المناخي له فوائد اقتصادية واجتماعية، ويساهم في بناء أعمال تجارية وصناعات جديدة.
• استخدام التكنولوجيا المتاحة للتكيف مع تغير المناخ، والحد من الانبعاثات، واستخدام الحلول القائمة على الطبيعة لتحقيق انبعاثات صفرية صافية بحلول عام 2050.
• حماية الأرواح وسبل العيش من خلال إيجاد طرق للتكيف مع تغير المناخ.
• الحفاظ على ارتفاع درجة الحرارة العالمية إلى “أقل بكثير” من 2 درجة مئوية (3.6 فهرنهايت) مع وضع هدف إيصالها إلى 1.5 درجة مئوية (2.7 فهرنهايت).
• الالتزام بضخ مليارات الدولارات لمساعدة البلدان الفقيرة على التعامل مع تأثير تغير المناخ.
وتشمل المواضيع الرئيسة للقمة، تحفيز الجهود التي تبذلها الاقتصادات الكبرى في العالم لتقليل الانبعاثات خلال هذا العقد الحرج للحفاظ على حد الاحترار عند 1.5 درجة مئوية وتعبئة تمويل القطاعين العام والخاص لدفع التحوّل إلى الطاقة النظيفة ومساعدة البلدان الضعيفة على التعامل مع تأثيرات المناخ، مع التركيز القوي على خلق فرص العمل وأهمية ضمان استفادة جميع المجتمعات والعمال من الانتقال إلى اقتصاد الطاقة النظيفة الجديد.

عودة واشنطن


تمثل قمة البيت الأبيض للمناخ، عودة أول اقتصاد عالمي، وثاني أكبر ملوث بثاني اكسيد الكربون، لاتفاقية باريس للمناخ مرة أخرى في 19 فبراير الماضي وهذا يعني أن معظم دول العالم تقريباً هي اليوم أطراف في الاتفاقية الموقعة في 2016. ويعد تغيير المناخ مجال يعتقد المسؤولون الأمريكيون أن بوسع الولايات المتحدة التعاون فيه مع الصين وروسيا، برغم الخلافات الشديدة حول عدد من القضايا الأخرى.
خلال فترة حكم الرئيس السابق دونالد ترامب، وصلت العلاقات الثنائية بين واشنطن وبكين إلى أدنى مستوياتها منذ تأسيس العلاقات الرسمية في يناير 1979. وتزايدت المخاوف من “حرب باردة” جديدة في ظل المنافسة المحمومة والطبيعة المتعارضة للأنظمة السياسية في البلدين. وتثير قمة المناخ تساؤلا حول ما إذا كانت الدعوة المشتركة بين واشنطن وبكين لمعالجة أزمة المناخ تمثل تغييرًا إيجابيًا في علاقتهما المتوترة، حيث يلتقي الزعيمان للمرة الأولى منذ أن أدى جو بايدن اليمين الدستورية.
ولم يُظهر بايدن حتى الآن أي علامة على تغيير المسار في سياسته تجاه الصين، خاصة أن نقاط الخلاف الرئيسية هي السياسة الصينية في هونج كونج ومعاملة الأويجور في شينجيانغ، التي أثارت انتقادات أمريكية تندد بها بكين باعتبارها محاولات للتدخل في شؤونها الداخلية، وهناك أيضًا الحرب التجارية ومسألة تايوان.
وترى واشنطن وبكين تغير أن المناخ مجالًا تتداخل فيه مصالحهما المتباينة. ففي الولايات المتحدة، أظهر استطلاع حديث للرأي أن ستة من كل 10 أمريكيين يريدون من بايدن التعاون مع الصين بشأن تغير المناخ. وفي غياب الولايات المتحدة خلال رئاسة ترامب، لعبت الصين دورًا رئيسيًا إلى جانب الاتحاد الأوروبي في مكافحة تغير المناخ، حيث تعهد الرئيس شي العام الماضي بتحقيق حياد الكربون بحلول 2060.
وتشير التقديرات أن القمة ستكون نقطة انطلاق جديدة في العلاقات بين واشنطن وبكين، وهذا الاجتماع من شأنه أن يعمل على استقرار العلاقة من أن تزداد سوءًا، فالمناخ هو الخطوة الأولى لمزيد من التعاون في قضايا مثل الوباء والبنية التحتية. كما تحاول الولايات المتحدة إعادة تأكيد قيادتها العالمية بشأن العمل المناخي. لكن بكين لا ترى واشنطن على أنها القائد الوحيد وهو ما أكدته تصريحات المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية إن عودة الولايات المتحدة إلى اتفاق باريس “ليست عودة الملك، بل هي عودة إلى الصف”.
وفيما يتعلق بروسيا، يبدو أن قضايا المناخ هي واحدة من آخر مجالات التعاون الممكنة بين موسكو وواشنطن. ووفقًا للعديد من العلماء، تعد سيبيريا الروسية والمنطقة القطبية الشمالية من بين المناطق الأكثر تعرضًا لتغير المناخ، لقد سجلوا في السنوات الأخيرة سجلات الحرارة والحرائق الهائلة. وفي بداية مارس، أشارت موسكو وواشنطن بالفعل إلى أنهما استأنفتا التعاون بشأن المناخ مع الإدارة الأمريكية الجديدة.
كما أعلن الرئيس فلاديمير بوتين، في خطابه السنوي للحكومة الروسية، إنه يضع هدفًا يتمثل في خفض انبعاثات روسيا المسببة للاحتباس الحراري إلى ما دون مستويات الاتحاد الأوروبي في السنوات الثلاثين المقبلة، ويخطط لزيادة الغرامات المفروضة على الملوثات الصناعية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى