أوروباإيران

استعادة الدور.. الوساطة الأوروبية في الملف النووي الإيراني ومحفزات عديدة تدعم الاتفاق

برز نهج الاتحاد الأوروبي تجاه الملف النووي الإيراني كواحد من النجاحات القليلة للسياسة الخارجية الأوروبية التي جمعت بين الدبلوماسية الصبورة والسير في مفاوضات شاقة لما يقرب من عقدين، والبرجماتية بألا تصل العلاقات مع طهران إلى مرحلة القطيعة التامة. ذلك مع إدراك أوروبا بأنها القوّة الوحيدة التي بإمكانها أن تقدم لإيران المنافع الاقتصادية التي تسعى إليها للحيلولة دون تهاوي الاقتصاد ثم النظام الإيراني بالكامل.

اتبع الاتحاد الأوروبي في استراتجيته التفاوضية مع طهران سياسة “العصا والجزرة”، والتي انتصرت على خيار التدخل العسكري الذي كان موضع تفكير في توقيت معين من قبل الولايات المتحدة، ومن بعض دول منطقة الشرق الأوسط مثل إسرائيل. وانتهج الاتحاد الأوروبي سياسة تقوم على بُعدين: الأول تفاوضي والآخر عقابي. 

فلم يكتف الاتحاد بتوجيه وتنفيذ عقوبات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وإنما سعى نحو فرض عقوبات ذاتية على طهران بالتنسيق مع الولايات المتحدة، وهي عقوبات تم تعزيزها بداية من 2010 – 2012 وكان لها تأثيرها المباشر ليس فقط على الاقتصاد الإيراني، ولكن أيضًا على دوائر السلطة هناك.

ونجحت أوروبا في تأكيد وتعزيز موقفها كوسيط نزيه بين الشركاء الدوليين الأساسيين روسيا والصين من جانب، والولايات المتحدة من جانب آخر؛ في محاولة منها لإيجاد مكانة مناسبة لها في الملف التفاوضي مع إيران واحترام التوازنات الجغرافية الأخرى في المنطقة. وعملت على خلق حالة من الحوار البنّاء مع إيران، منذ بدء المفاوضات في عام 2003 وحتى الآن عبر عدة مراحل نستكشفها فيما يلي:

المرحلة الأولى: مفاوض مستقل (2003- 2004)

كان الاتحاد الأوروبي مفاوضًا مستقلًا مع إيران في ظل رفض الولايات المتحدة الأمريكية فكرة التفاوض من الأساس. ونجحت الدول الأوروبية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا) في توقيع اتفاق مع إيران في بروكسل في 23 فبراير 2004، تعهدت بموجبه طهران تعليق عمليات بناء واختبار أجهزة الطرد المركزي اللازمة لتخصيب اليورانيوم، وتعليق عمليات تصنيع قطع غيار لأجهزة الطرد المركزي. في المقابل، تعهدت الدول الأوروبية بقبول عضوية إيران في منظمة التجارة العالمية.

المرحلة الثانية: منسق للمواقف الدولية (2005- 2010)

أدى تجاهل واشنطن عروض التفاوض الإيرانية إلى قيام حكومة أحمدي نجاد التي وصلت إلى الحكم في أغسطس 2005، باستئناف العمل بالبرنامج النووي، مستفيدة من الصعوبات التي تواجها الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان. وأعلنت إيران انضمامها إلى النادي النووي والبلدان التي تمتلك التكنولوجيا النووية. عقب هذه التطورات، أصبح دور الاتحاد الأوروبي منسقًا للمواقف بعد دخول مجموعة 5+1 في الأزمة، ومحاولة التفاوض بشكل جماعي مع إيران والضغط عليها بعقوبات من مجلس الأمن الدولي. 

المرحلة الثالثة: واضع للعقوبات (2010 – 2013)

تحول دور الاتحاد الأوروبي وأصبح فاعلًا رئيسًا في سن العقوبات بشكل متناغم مع الولايات المتحدة الأمريكية، وأقر الاتحاد في يناير 2012 تجميد أموال البنك المركزي الإيراني. وكان لقرار الاتحاد الأوروبي فرض حظر نفطي في 1 يوليو 2012 ومنع استيراد النفط والغاز من إيران ووضع قيود على التعاملات المالية الإيرانية دور قوي في دفع إيران إلى التفاوض بجدية مع واشنطن بهدف إبرام اتفاق.

المرحلة الرابعة: مسهل للتوصل إلى اتفاق (2013 – 2018)

كان انتخاب حسن روحاني في عام 2013 بمثابة تحول في الموقف الخارجي لإيران. وخلال هذه الفترة، سهل الاتحاد الأوروبي الوصول إلى الاتفاق النووي في عام 2015 والتوصل إلى تسوية شاملة تضمن الطابع السلمي للبرنامج النووي الإيراني، وإلغاء جميع العقوبات على إيران بشكل تام، وإنهاء كل الحظر الاقتصادي والمالي المرتبط بالبرنامج النووي، تزامنًا مع تنفيذ إيران لالتزامتها النووية الرئيسة عبر مراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وأسهم الاتحاد الأوروبي في تنفيذ بنود الاتفاق حتى 2018 وانسحاب الولايات المتحدة منه.  

المرحلة الخامسة: مفاوض متمسك بالاتفاق (2018- 2020)

 بعد قرار الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي بشكل أحادي، أعاد الاتحاد الأوروبي تأكيده التمسك بالاتفاق وأهمية قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2231، الذي تم التصويت عليه بالإجماع في 2015، لكي يصبح الاتفاق النووي مع إيران نافذًا بإرادة المجتمع الدولي ككل. وصمم الاتحاد الأوروبي على العمل به وفقًا لمصالحه الأمنية وحماية استثماراته الاقتصادية في إيران. 

في المقابل، فرض ترامب سياسة “الضغط الأقصى” من العقوبات من أجل أن ترضخ طهران وتعود للتفاوض على اتفاق جديد مُرضٍ للولايات المتحدة الأمريكية. لكن إيران قابلت ذلك بسياسة خفض الالتزام النووي التي دفعتها إلى رفع مستوى تخصيب اليورانيوم وزيادة حجم المخزون من الوقود النووي وتطوير أجهزة الطرد المركزي، ما أهل إيران إلى الاقتراب من العتبة الحرجة لصناعة السلاح النووي.

وبعد انسحاب الإدارة الأمريكية، أصدر الاتحاد الأوروبي عددًا من القرارات للحفاظ على الاتفاق النووي، شملت:

  • موافقة البرلمان الأوروبي في 4 يوليو 2018 على إضافة إيران إلى قائمة الدول المؤهلة للدخول في الأنشطة الاستثمارية التي يقوم بها بنك الاستثمار الأوروبي. وأصدرت اللجنة المشتركة الخاصة بتنفيذ بنود الاتفاق النووي مع إيران بيانًا تؤكد فيه استمرار باقي أطراف الاتفاق في تنفيذ التزاماتهم في: الحفاظ على تطوير العلاقات الاقتصادية مع طهران، والاستمرار في استيراد النفط والغاز الإيراني، ومحاولة تطوير غطاء مالي للصادرات والواردات الإيرانية، وحماية الشركات التي تتعامل مع إيران من العقوبات الأمريكية. 
  • قررت دول الاتحاد الأوروبي في أغسطس 2018 تمرير مشروع قانونBlocking Statute، ويمنع هذا القانون المواطنين الأوروبيين والشركات الأوروبية من الانصياع إلى العقوبات الأمريكية، ويتيح للشركات الأوروبية مقاضاة الحكومة الأمريكية أمام المحاكم الأوروبية والحصول على تعويضات في حال تقويض مصالحها أو تعرضها لخسائر اقتصادية. وأي شركة أوروبية ستقرر الانسحاب من السوق الإيرانية بدون الحصول على موافقة من المفوضية الأوروبية ستواجه خطر مقاضاتها من قبل الدول الأوروبية.
  • أصدرت بقية أطراف الاتفاق النووي في 25 سبتمبر 2018 بيانًا مشتركًا يرحب بمبادرة آلية التعامل الخاص Special Purpose Vehicle لتسهيل نظام الدفع المالي المتعلق بالصادرات والواردات الإيرانية، بما يساعد في اتمام المعاملات المالية مع طهران، وهي وسيلة تسمح للدول الأوروبية الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بوضع كيان قانوني يسهل التعاملات المالية مع إيران بشكل يسمح للشركات الأوروبية بالاستمرار في التبادل التجاري مع إيران بما يتوافق مع القوانين الأوروبية. 
  • أعلن الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وروسيا والصين، في 28 يونيو 2019، تفعيل اتفاقية تجارة خاصة مع إيران لتفادي العقوبات الأمريكية، وهي آلية التجارة “إنستيكس” التي تسمح 

للاتحاد الأوروبي بالتجارة مع إيران وتفادي العقوبات الأمريكية. 

المرحلة السادسة: منقذ للاتفاق النووي (2021 وحتى الآن)

استغل الاتحاد الأوروبي الزخم السياسي للإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة جو بايدن، وتم إطلاق عملية دبلوماسية في أبريل 2021 بمشاركة غير مباشرة من الولايات المتحدة وبتسهيل من الاتحاد الأوروبي. تهدف إلى عودة الولايات المتحدة للاتفاق المبرم في 2015، وإعادة إيران إلى الوفاء الكامل بالتزاماتها مقابل رفع العقوبات الأمريكية عنها. وذلك بعد أن أعلنت إيران أنها بدأت تخصيب اليورانيوم بنسبة 60% أي أعلى بكثير من عتبة 3,67% المنصوص عليها في الاتفاق الدولي، مقتربة من نسبة 90% الضرورية لصنع قنبلة ذرية مع أنها تنفي أن تكون لديها نية بذلك.

وتزامن قبول إدارة بايدن إجراء المفاوضات والعودة إلى المحادثات مع تولي الرئيس الإيراني المحافظ إبراهيم رئيسي السلطة. وضمانًا لتسيير الرجوع إلى الاتفاق بسرعة نسبية، لم يضع القادة الأوروبيون شروطًا مسبقة لإحياء الاتفاق. وحث القادة الأوروبيين إيران على عدم تبديد الفرصة التي تمثلها إدارة بايدن، وألا تمضي قدمًا في مزيد من التخفيف من التزاماتها بالاتفاق.

وبعد 17 شهرًا من المفاوضات المكثفة في فيينا، واتصالات لا تعد ولا تحصى مع المشاركين في خطة العمل والولايات المتحدة؛ قدم الممثل الأعلى لشؤون السياسة الخارجية والأمنية بالاتحاد الأوروبي “جوزيب بوريل” اقتراح تسوية “نهائي”، داعيًا طهران وواشنطن اللتين تتفاوضان بشكل غير مباشر إلى الرد عليه؛ أملًا في تتويج مباحثات بدأت قبل عام ونصف باتفاق.

مسودة المقترح الأوروبي لإحياء الاتفاق النووي مع إيران حددت 165 يومًا كإطار زمني قبل تنفيذ الاتفاق، ولن يدخل حيز التنفيذ إلا بعد 4 جولات لإرساء الثقة بين إيران والولايات المتحدة: المرحلة الأولى، التي يطلق عليها “اليوم صفر”، هي اليوم الذي يتم فيه توقيع الاتفاق، والمرحلة الثانية، سيتم فيها وضع الصفقة على طاولة الكونجرس لمدة أقصاها خمسة أيام من تاريخ التوقيع لدراستها. وبخصوص المرحلة الثالثة، فستدخل حيز التنفيذ بعد 60 يومًا من موافقة الكونجرس. أما المرحلة الرابعة والأخيرة ستكون بعد 60 يومًا أخرى، ثم يأتي التنفيذ الكامل للمعاهدة.

وبعد توقيع الاتفاق، سيتم رفع العقوبات عن 17 بنكًا و150 مؤسسة اقتصادية، على أن تبدأ إيران من اليوم الأول لتنفيذ الاتفاق بالتراجع التدريجي عن خطواتها النووية. وسيتزامن تنفيذ الاتفاق مع الإفراج عن 7 مليارات دولار من أموال إيران المجمدة في كوريا الجنوبية. ويتضمن الاتفاق المقترح تصدير طهران 2.5 مليون برميل نفط يوميًا بعد 120 يومًا من التوقيع. وخلال فترة الـ120 يومًا، تصدر إيران 50 مليون برميل كجزء من آلية التحقق. وينص الاتفاق كذلك على دفع واشنطن غرامة مالية في حال انسحبت مجددًا من الاتفاق النووي.

لماذا تدعم أوروبا مخطط عودة إحياء الاتفاق النووي؟

تفادي سباق نحو التسلح النووي في الشرق الأوسط: تسعى أوروبا من خلال التوصل إلى اتفاق حول البرنامج النووي الإيراني إلى عدم تحول منطقة الشرق الأوسط إلى ساحة للسباق النووي؛ لأن دولًا وقوى إقليمية أخرى في المنطقة ستسعى -بدافع شعورها بالتهديد وبرغبتها في ردع القوة الإيرانية- إلى امتلاك قدرات نووية سواء في السر أو في العلن، وإذا أدركت هذه الدول أن إيران يمكنها أن تتحمل بعض العقوبات في مقابل تحولها إلى قوة نووية، فستصل إلى نتيجة مفادها أن نفس الأمر يمكن أن ينطبق عليها طالما كانت هذه العقوبات يمكن تحملها في سبيل مكسب أكبر يتمثل في امتلاكها القدرة على الردع النووى. 

ومن شأن سباق التسلح النووي في الشرق الأوسط أن يوجه ضربة قاتلة إلى معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية (NPT)، وهي إحدى ركائز الأمن الدولي التي انضمت إليها جميع دول المنطقة (ما عدا إسرائيل). ولهذا فقد أدرك الاتحاد الأوروبي أن الاتفاق يمثل انجازًا تاريخيًا غير مسبوق للسياسة الخارجية والأمنية الأوروبية المشتركة، ويؤكد على غلبة المنطق الأوروبي (الدبلوماسية متعددة الأطراف) على المنطق الأمريكي (القوة العسكرية) في التعامل مع الملف النووي الإيراني.

تجنب مواجهة عسكرية في المنطقة: تسعى أوروبا إلى الحفاظ على النسيج المجتمعي للمنطقة التي تشهد حالة من عدم التوازن على خلفية الأزمات في العراق وسوريا وليبيا واليمن. ويرى الاتحاد الأوروبي أن خطة العمل الشاملة المشتركة تهدف إلى تجنب قيام الولايات المتحدة وإسرائيل شن ضربة استباقية على المشآت النووية الإيرانية في بلد يبلغ عدد سكانه 80 مليون نسمة، لكبح برنامج إيران النووي وهو ما سترد عليه إيران من خلال استهداف الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين، وتنشيط وكلائها في العراق ولبنان وسوريا واليمن، وهو ما ينذر بصراع يبتلع المنطقة بأكملها ويضيف بُعدًا آخر للأزمات التي يواجهها الغرب بعد غزو أمريكا الفاشل للعراق وأفغانستان. وتشير التقديرات إلى أن قادة أوروبا الذين يكرهون الصراع يخشون العمل العسكري الأمريكي أكثر مما يخشون طموحات إيران النووية، ويعتبر الاتحاد الأوروبي الأمن والسلام في الشرق الأوسط مطلبًا أوروبيا مرتبطًا بالأمن الاستراتيجي الأوروبي المباشر.

الحفاظ على المصالح الغربية: إن تحول إيران إلى دولة نووية بالتزامن مع عداء إدارتها السياسية للغرب والولايات المتحدة الأمريكية مقابل تقارب علاقاتها مع الصين وروسيا، يعني صعود إيران كدولة إقليمية كبرى تتحدى وتعترض مصالح الدول الغربية في الشرق الأوسط؛ فمنذ رحيل حسن روحاني استدارت إيران عن الغرب إلى الشرق بحثًا عن حلفاء في موسكو وبكين، وكذلك سعيها إلى كسب ود فلاديمير بوتين منذ الغزو الروسي لأوكرانيا، وتزويد القوات الروسية بمئات الطائرات بدون طيار لاستخدامها في الحرب. 

ويخشى الغرب تقويض نفوذه الإقليمي عبر تهديد طهران بالسيطرة على مضيق هرمز وعلى منطقة الخليج العربي أيضًا بما يمثله ذلك من تهديد مباشر لتدفق النفط إلى الدول الغربية، فيمر ثلث النفط المنقول بحرًا إلى أوروبا عبر مضيق هرمز. وبالتالي، فإن البوصلة الوحيدة التي تقود المبادرة الأوروبية هي العمل على خفض التوترات، والحرص على حماية المصالح الأوروبية. ويعتقد الأوربيون أن إيران تستطيع أن تلعب دورًا في الكثير من المجالات التي تخص منطقة الشرق الأوسط، وأن إيران أسهمت كثيرًا في مواجهة الحركات الإرهابية في العراق وسوريا، ويمكن الاستفادة من دورها في مواجهة الإرهاب وتنظيم داعش. 

ويعتقد الأوربيون كذلك أن إيران يمكن التفاهم معها من أجل إدارة الكثير من الملفات الأمنية في المنطقة، أبرزها محاربة الإرهاب ومكافحة المخدرات ومكافحة الهجرة غير الشرعية، وهي القضايا الثلاث التي تتأثر بها الأوضاع الأمنية والسياسية الأوروبية التي تتأثر بها المصالح الغربية.

استقرار أسعار النفط العالمية: تُعد إيران ثاني أكبر منتجي الغاز الطبيعي في العالم، بعد روسيا، ورابع أكبر مالك للنفط في العالم، بعد فنزويلا والسعودية وكندا. ومع توصل طهران والقوى العالمية إلى اتفاق، يتوقع الشركاء التجاريون أن تُعوض الإمدادات الإيرانية عن فقدان بعض الخام الروسي الذي تم سحبه من الأسواق نتيجة العقوبات أو المقاطعة. وستحفز الاتفاقية عودة كميات كبيرة من الخام الإيراني إلى السوق، مما سيكون عاملًا يساعد في انخفاض الأسعار. 

وبدأت إيران تكثف إنتاجها بالفعل، حيث نقلت وكالة أنباء وزارة النفط الإيرانية “شانا” في 22 أغسطس، تصريحات خوجاسته مهر، الرئيس التنفيذي للشركة الوطنية الإيرانية للنفط، التي قال فيها إنه من المتوقع أن ترتفع قدرة الإنتاج بنسبة 6% لتبلغ أربعة ملايين برميل يوميًا في نهاية السنة المالية الإيرانية شهر مارس عام 2023. ويتزامن التعجيل بتوفيع الاتفاق النووي مع اقتراب الموعد النهائي الذي حددته أوروبا بنفسها في الخامس من ديسمبر لحظر استيراد النفط الروسي المنقول بحرًا. وكذلك تفرض ألمانيا وبولندا حظرًا على خطوط الأنابيب.

إجمالًا، ستشهد أوروبا نقصًا بنحو مليوني برميل يوميًا بحلول نهاية عام 2022، أي ما يعادل حوالي 11٪ من الطلب. ويرى بعض محللي السوق أن أحد المكاسب المحتملة للاتفاق النووي هو أن إيران يمكن أن ترفع صادرات النفط بما يتراوح بين مليون و1.5 مليون برميل يوميًا، أو ما يصل إلى 1.5 في المائة من الإمدادات العالمية، ربما في غضون ستة أشهر. وقد يؤدي هذا -إلى جانب عوامل مثل أي ضعف اقتصادي مستمر في الصين والاقتصاد العالمي الأوسع نطاقًا والمتباطئ- إلى انخفاضات كبيرة في أسعار النفط. 

حجم الميزان التجاري بين إيران والاتحاد الأوروبي: يمثل الاتحاد الأوروبي ثاني أكبر شريك تجاري مع إيران، حيث بلغ التبادل التجاري بين إيران ودول أوروبا في الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري أكثر من ملياري يورو، ونمت واردات المنطقة من طهران في الفترة ذاتها بنسبة 39%. وكشفت إحصاءات “يوروستات”، عن نمو التبادل التجاري بين البلدان أعضاء الاتحاد الأوروبي مع إيران في غضون 5 أشهر بنسبة 12% قياسًا بالفترة نفسها من العام الماضي. 

وقال مكتب الإحصاءات الأوروبي إن حجم التبادل التجاري بين الجانبين خلال الفترة من يناير إلى مايو 2021 بلغ مليار و845 مليون يورو، لينمو في نفس الفترة من هذا العام إلى مليارين و75 مليون يورو. وفي السياق نفسه، حققت واردات الدول الاوروبية من إيران خلال الفترة ذاتها 465 مليون يورو، لتنمو بنسبة 39% قياسًا بالعام الماضي. وأظهرت البيانات أن ألمانيا كانت أكبر شريك تجاري لإيران في المنطقة، حيث استحوذت على 37% من إجمالي التبادل التجاري الإيراني الأوروبي خلال الفترة المشار إليها.

ختامًا، تكمن مصلحة الاتحاد الأوروبي الاقتصادية والجيوسياسية في عدم رؤية انهيار عملية التفاوض مع إيران حتى إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق هذا العام؛ لإدراك القوى الغربية أن طهران لاعب إقليمي مهم يجب احتواؤه في منطقة الشرق الأوسط. أقله بهدف تفادي تدفق المزيد من اللاجئين إلى أوروبا نتيجة عدم استقرار الدول وانهيارها، وتنويع إمدادات الاتحاد الأوروبي من الطاقة من خلال زيادة الواردات الإيرانية وتخفيض اعتماد أوروبا الكبير على الطاقة من روسيا، وتعزيز صادرات سلعه الصناعية من خلال توسيع العلاقات الاقتصادية مع إيران في وقت سجلت معدلات النمو الأوروبية أرقامًا منخفضة على مدى العقد الماضي. ويرى الاتحاد الأوروبي في الاتفاق النووي أنه إنجاز تاريخي للسياسة الخارجية والأمنية الأوروبية في مجال منع الانتشار النووي في العالم ودليل عملي على غلبة المنطق الأوروبي الذي يقوم على التعددية الفاعلة في العلاقات الدولية على المنطق الأمريكي الذي يرتكز على استخدام القوة الصلبة في التعامل مع الدول المارقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى