الانتخابات الرئاسية الأمريكية 2024الأمريكتان

المأزق الانتخابي.. رؤية تحليلية للمناظرة الرئاسية الأولى بين “بايدن” و”ترامب”

شهدت الولايات المتحدة أول مواجهة بين مرشحي الرئاسة الأمريكية، الرئيس الحالي جو بايدن، والرئيس السابق دونالد ترامب، في مناظرة نظمتها شبكة CNN الإخبارية، مع بدء العد التنازلي لموعد الانتخابات الرئاسية المقررة في الخامس من نوفمبر 2024. ولكن أثار أداء بايدن الهزيل مخاوف ليس فقط بشأن حظوظه الانتخابية التي تراجعت كثيرًا، ولكن أيضًا بشأن قدرته على أداء مهامه كرئيس خلال الأشهر الخمسة المقبلة.

 نتائج الاستطلاع قبل هذه المناظرة كانت تميل لصالح ترامب بفارق بسيط يتراوح بين 2%-4%. ولكن بعد أداء بايدن، فإن ما يصل إلى 72% من الأمريكيين يعتقدون أن الحالة العقلية للرئيس الأمريكي لا تسمح له بالترشح لإعادة انتخابه. وانقسمت آراء المواطنين الأمريكيين بشأن الرئيس السابق، دونالد ترامب، إذ يعتقد 50% أن الحالة العقلية للرئيس السابق تسمح له بمواصلة السباق، فيما يعارض ذلك 49%.

وقد انطلقت المناظرة الرئاسية الأولى في أجواء تاريخية تميزت باختلافات واضحة عن المناظرات السابقة، واتضحت في:

مناظرة مبكرة: عُقدت أول مناظرة على طريق السباق الانتخابي مبكرًا، خاصة وأن بايدن وترامب لم يُرشحا رسميًا بعد، حيث ينتظران المؤتمر الحزبي لكل منهما. ومنذ المناظرات التلفزيونية الأولى في عام 1960 بين جون كينيدي وريتشارد نيكسون، أقيمت جميع المناظرات في سبتمبر أو أكتوبر. ومن المقرر أن يعقد المرشحان مناظرتين فقط بدلًا من ثلاثة، كانت الأولى في 27 يونيو، والأخرى ستُعقد في 10 سبتمبر المقبل على شبكة ABC.

شعبية منخفضة: تعد المناظرة الرئاسية خطوة مهمة مع احتدام المعركة الانتخابية في أجواء متوترة وغير مسبوقة وحالة استقطاب عميقة لم يشهدها التاريخ الأمريكي من قبل. وتزيد من أهمية هذه المناظرة رفض أكثر من نصف الأمريكيين للمرشحين الرئاسيين لأسباب مختلفة، إلا أنهم لا يملكون خيارات أخرى مع انعدام أي فرص لمرشحي الأحزاب الأخرى أو المرشحين المستقلين. وعلى الرغم من تفوق ترامب في أغلب استطلاعات الرأي خاصة في الولايات السبع المتأرجحة، فإن شعبية كلا المرشحين منخفضة مقارنة بأي مرشحين رئاسيين على مدار التاريخ الأمريكي.

إدارة المناظرة: تُعد هذه المناظرة الأولى التي تُعقد دون تنظيم “لجنة المناظرات الرئاسية”، والتي كانت تُشرف على هذه الفعاليات منذ عام 1988. وأدار المناظرة جيك تابر ودانا باش من سي إن إن، عوضًا عن مجموعة من الصحفيين تجعل اللقاء يشبه مؤتمرًا صحفيًا ويسرق الأضواء عن المرشحين.

غياب الجمهور: غاب الجمهور عن هذه المناظرة كما حصل في عام 1960 عندما ترشح جون كينيدي ضد ريتشارد نيكسون. ومن التحديثات الجديدة في هذه المناظرة، إغلاق الميكروفونات تلقائيًا عند انتهاء وقت مداخلات المرشحين، وهو إجراء لم يُستخدم من قبل.

خصوصية المناظرة: كشفت المناظرة عن تناقضات بايدن وترامب الصارخة لأول مرة وجهًا لوجه، واختار الأمريكيون بين رؤيتين متعارضتين تمامًا لأمريكا. فخلال فترة رئاسته بين عامي 2017 و2021، تعهد ترامب بوضع “أمريكا أولًا” مع نظرة قتالية وأحيانًا انعزالية للعالم، بينما تولى بايدن منصبه في عام 2021، تحت شعار “أمريكا عادت”، ما أعاد إحياء العلاقات مع الحلفاء.

الكشف عن القدرة البدنية والعقلية: كانت المناظرة فرصة للمشاهدين لتقييم اللياقة البدنية والعقلية لكلا المرشحين، حيث يبلغ بايدن 81 عامًا وترامب 78 عامًا. وكانت هناك فترات إعلانية خلال البث المباشر الذي استمر لمدة 90 دقيقة، مما مكّن المشاهدين من ملاحظة قدرة كل مرشح على التحمل. وكانت المهمة الأكثر أهمية لبايدن هي تهدئة مخاوف الناخبين بشأن أكبر نقاط ضعفه – عمره – وتحويل الانتخابات إلى استفتاء على ترامب، ولكنه فشل في ذلك.

نسبة المشاهدة: على الرغم من أن نسبة مشاهدة المناظرات كنسبة من إجمالي جمهور التلفزيون قد انخفضت على نطاق واسع على مر العقود، إلا أنها لا تزال قادرة على جذب المزيد من الناس. ووفقًا لشركة “نيلسن ميديا ريسيرش”، فقد شاهد أكثر من 73 مليون شخص على الأقل بعضًا من مناظرة ترامب وبايدن الأولى في عام 2020. فيما تابع المناظرة الحالية أكثر من 50 مليون شخص فقط.

رسائل الداخل الأمريكي

حاول مرشحا الرئاسة الأمريكية كسب تأييد الناخبين، بالتركيز على القضايا الداخلية واستعراض إنجازاتهما فيها، وكشفت المناظرة عن رؤيتهما لهذه القضايا عبر:

القضايا القانونية: استغل بايدن قضايا ترامب القانونية، مثل إداناته الجنائية وتهمه الفيدرالية المتعلقة بالتلاعب بنتائج انتخابات 2020. في المقابل، هاجم ترامب بايدن بشأن قضايا ابنه هانتر الذي اتهم بحيازة السلاح بشكل غير قانوني عندما كان مدمنًا وكذلك بالتهرب الضريبي. وجاءت المناظرة في الوقت الذي تستعد فيه المحكمة العليا الأمريكية لإصدار قرارها بشأن ما إذا كان سيتم منح ترامب الحصانة القانونية من الملاحقة القضائية عن أي شيء فعله أثناء خدمته كرئيس وهو قرار بالغ الأهمية بالنسبة للسباق الانتخابي.

مستقبل الديمقراطية الأمريكية: نجح بايدن في تحويل النقاش إلى قضية الديمقراطية الأمريكية، مشيرًا إلى رفض ترامب الاعتراف بنتائج انتخابات 2020 وهجوم 6 يناير 2021 على الكابيتول. في المقابل، تحرك ترامب بشكل مباشر لتغيير الموضوع، وكان الاختلاف في ردود المرشحين أكثر وضوحًا عبر المناظرة بأكملها. ولم يتطرق ترامب للرد بشكل مباشر، بل وصف كيف كانت البلاد، في ذلك الوقت “تتمتع بحدود عظيمة”، وأننا “كنا مستقلين في مجال الطاقة”، وأن الولايات المتحدة كانت تتمتع “بأدنى الضرائب على الإطلاق”.

الاقتصاد: بالرغم من تحسن المؤشرات الاقتصادية المختلفة، لا يشعر أغلب الأمريكيين بتحسن الأوضاع الاقتصادية في عهد بايدن بسبب ارتفاع الأسعار وارتفاع تكاليف الاقتراض وضعف نسبة نمو الاقتصاد الأمريكي في ظل نسبة تضخم مرتفعة أثرت بشكل ملموس في زيادة أسعار السلع والطاقة، مما جعل الشعب الأمريكي في وضع صعب. وانتقد ترامب بايدن على إدارته للاقتصاد، مشيرًا إلى التضخم والتكاليف العالية للمعيشة. وقال بايدن إنه استقبل من سلفه بلدًا يعاني من أزمة اقتصادية واجتماعية عميقة، وذلك بفضل الإدارة غير الكافية للمراحل الأولى لجائحة كوفيد-19.

أما الرئيس السابق فله رأي مخالف، إذ يدعي أن النتائج الاقتصادية والتوظيفية التي تحققت قبل تفشي الوباء، ويلقي باللوم على الإدارة الحالية في الإنفاق الخارج عن السيطرة ومستوى التضخم المرتفع للغاية. كما ادعى ترامب أن التخفيضات الضريبية التي تمت الموافقة عليها خلال فترة رئاسته والتي انتهت صلاحيتها تقريبًا. واتهم الرئيس السابق بايدن بأنه “يريد زيادة الضرائب عليكم جميعًا أربع أو خمس مرات”.

وكان اللافت للانتباه في هذا المناظرة عدم تطرق مرشحي الرئاسة للديون الخارجية على الولايات المتحدة والتي وصلت إلى رقم قياسي قارب 35 ترليون دولار. وتأثير تحالف بريكس وصعوده اقتصاديًا لمنافسة الولايات المتحدة، مما قد يؤدي إلى التأثير على الدولار مستقبلًا من خلال إلغاء التعامل به في التبادلات التجارية والنفطية بين دول أعضاء تلك المجموعة والذين هم في ازدياد، إضافة إلى محاولة تغيير طريقة الدفع SWIFT ليحل محلها CIPS، ومحاولة إصدار عملة جديدة.

معدل البطالة: وفي الدفاع عن سجله الاقتصادي، ادعى الرئيس جو بايدن أنه عندما تولى منصبه، كان الاقتصاد ضعيفًا والبطالة بنسبة 15%. وقال إن ترامب دمر الاقتصاد ولهذا السبب لم تكن هناك وظائف. والحقيقة أن ادعاء بايدن بأن معدل البطالة في الولايات المتحدة كان 15% عندما تولى منصبه غير صحيح. في يناير 2021، بلغ معدل البطالة 6.4%، وفقًا لبيانات مكتب إحصاءات العمل.

وقد كان معدل البطالة قريبًا من 15% خلال رئاسة ترامب، لكن هذا حدث خلال أبريل 2020، عندما أثرت جائحة كوفيد-19 على الاقتصاد العالمي والوطني. في أبريل 2020، فقد الأمريكيون أكثر من 20 مليون وظيفة، مما أدى إلى ارتفاع معدل البطالة من 4.4% في مارس 2020 إلى 14.8% في أبريل 2020. بعد بلوغه ذروته في أبريل 2020، انخفض معدل البطالة بشكل كبير حيث تمت استعادة الوظائف المفقودة وبلغت مستويات ما قبل الوباء في يونيو 2022، واكتسبت ملايين الوظائف الأخرى.

الإجهاض: كان الإجهاض نقطة خلافية في الانتخابات الرئاسية لعام 2024، حيث حاول بايدن التأكيد على دور ترامب في إيجاد تعقيدات في هذه القضية دون النظر للمشكلات التي قد تواجهها الأمهات. وقال ترامب إنه لن يمنع الوصول إلى الأدوية الخاصة بالإجهاض، وإنه “يؤمن بالاستثناءات” للإجهاض، بما في ذلك الاغتصاب وحماية حياة الأم. وانتقد بايدن ترامب لدوره في إلغاء حكم “رو ضد ويد”، حيث لا يزال الغضب يحرك الناخبين الديمقراطيين بسبب إلغاء القضية. وأعلن بايدن أنه يدعم حق المرأة في الإجهاض، مطالبًا السياسيين بألا يكونوا حاجزًا أمامه. وأن ترامب ألغى قانون الإجهاض الذي كان معمولًا به منذ 51 سنة.

الهجرة: كان موضوع الهجرة في المناظرة الأكثر حدة بسبب تعثر بايدن، بعد أن أشار ترامب إلى أن إدارة بايدن شهدت أكثر من 7.9 مليون مواجهة على الحدود الأمريكية المكسيكية، وهو ما يقرب من ثلاثة أضعاف العدد الذي حدث في عهد ترامب. وأن المهاجرين فروا من منازلهم لأسباب متعددة، بما في ذلك تأثير الجائحة على اقتصادات أمريكا الوسطى والكوارث الطبيعية. ورد بايدن بمهاجمة إرث ترامب المتعلق بالهجرة، الذي تضمن “فصل الأطفال عن أمهاتهم، ووضعهم في أقفاص” بموجب سياسة الفصل العائلي التي انتهجها الرئيس السابق.

ولم يُعطِ ترامب إجابة مباشرة على سؤال حول ما إذا كانت الحملة الصارمة ضد الهجرة التي وعد بها ستشمل ترحيل أولئك الذين كانوا في الولايات المتحدة منذ عقود، وأولئك الذين لديهم وظائف وأولئك الذين تكون زوجاتهم مواطنات أمريكيات، وبدلًا من ذلك، ركَّز على مهاجمة بايدن، بحجة أن الرئيس يتحمَّل اللوم عن الجرائم التي ارتكبها المهاجرون غير الشرعيين منذ توليه منصبه.

جذب الناخبين السود: ومع تحول النقاش إلى جذب الناخبين السود، انتهز ترامب الفرصة لتقديم عرض لاستقطاب الناخبين السود واللاتينيين وضرب بايدن بشأن التضخم. وتعتمد فرص بايدن للفوز في نوفمبر على دعم السود في ولايات ويسكونسن وميشيجان وبنسلفانيا والوصول إلى ولايات مثل جورجيا ونورث كارولينا. لكن استطلاعات الرأي أظهرت أن ترامب يحقق نجاحات متواضعة مع بعض الناخبين السود، وخاصة الرجال.

السياسة الخارجية

على عكس مناظرتهما قبل انتخابات عام 2020، والتي لم تنل السياسة الخارجية فيها اهتمامًا كبيرًا، حظيت هذه المرة باهتمام أفضل، في ظل اختلاف نهج بايدن وترامب فيما يتصل بعلاقات واشنطن الدولية. ففي حين يؤكد الرئيس الحالي أنه يسعى إلى استعادة مكانة الولايات المتحدة عالميًا وترسيخ علاقتها بحلفائها التقليديين، يتبنى خصمه عقيدة أكثر انعزالية. وبرزت ست قضايا أساسية في تحديد ملامح السياسة الأمريكية الخارجية، وهي:

الحرب الإسرائيلية على غزة: أعرب المرشحان عن تأييدهما الكامل لإسرائيل “كما كان متوقعًا” وإن بدرجات وطرق مختلفة، فقد سعى بايدن للترويج لخطة وقف إطلاق النار وشدد على أنه لا يوجد في العالم من يساند إسرائيل أكثر من الولايات المتحدة. وقال “أنقذنا إسرائيل”. وكرر ترامب زعمه أن “حماس لم يكن لها أن تهاجم إسرائيل ولا حتى بعد مليون عام” لو كان رئيسًا.

وبرز خلال المناظرة تهرب ترامب من سؤال مدير الحوار حول ما إذا كان سيدعم إقامة دولة فلسطينية، قائلًا قبل أن يغير الموضوع: “سوف أرى”. وبشكل عام تبارى الطرفان في إظهار الدعم لإسرائيل، وإن كان بشكل مدروس من قبل بايدن، والذي قال: “لقد أنقذنا إسرائيل. نحن أكبر منتج للدعم لإسرائيل من أي دولة في العالم”. ودافع بايدن عن قراره بتعليق إرسال قنابل تزن 2000 طن (أكثر من 900 كيلوجرام)، قائلًا: “من الصعب تصور أن تستخدم هذه القنابل في مناطق مأهولة”. بينما قال ترامب: “إنه يجب ترك إسرائيل لتكمل المهمة”.

وأكد بايدن أنه تم إضعاف حماس بشكل كبير، لكنه انتقد إسرائيل لاستخدامها أسلحة ذات إمكانات عالية ومنخفضة الدقة في مناطق مكتظة بالسكان، مما أدى إلى سقوط العديد من الضحايا المدنيين بين الفلسطينيين. ونفى بايدن أيضًا أن تكون إدارته قد أبطأت أو منعت شحن الأسلحة إلى إسرائيل، مجددًا دعمه الكامل لحق الدولة اليهودية في الدفاع عن نفسها ضد العدوان الخارجي.

وبينما ذكر بايدن أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أيد خطته لحل الصراع متهمًا حركة حماس بأنها تريد استمرار الحرب مما يستوجب القضاء عليها، قال ترامب إن “إسرائيل هي التي تريد في الواقع استمرارها. وعلينا أن نتركهم يكملون المهمة”، مدعيًا أن غريمه يقدم دعمًا “صامتًا” لإسرائيل، واصفًا إياه بأنه “أصبح مثل الفلسطيني”.

العلاقات مع إيران: لم تتطرق المناظرة إلى الملف النووي الإيراني الذي ما زال عالقًا، وركز ترامب خلال المناظرة على عمليتي تصفية زعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي، والجنرال الإيراني، قاسم سليماني، باعتبارهما لحظتين قويتين في قيادته. وقال: “الأشخاص الذين قتلناهم هم البغدادي وسليماني، ربما أعظم إرهابيين، أكبر إرهابيين في أي مكان في العالم”. وأشار كذلك إلى تساهل إدارة بايدن مع إيران والإفراج عن أموالها المجمدة، وذكر أن إدارته السابقة جففت كل الإيرادات لطهران، ما جعلها غير قادرة على دعم حماس أو حزب الله أو أي جماعات مسلحة في المنطقة. بينما رد بايدن بأنه في عهد ترامب هاجمت إيران مئات الجنود الأمريكيين وتسببت في إصاباتهم.

والحقيقة أن ادعاء ترامب بأن إيران لم يكن لديها أموال لحماس ولا أموال للإرهاب خلال رئاسته غير صحيح، وفقًا لشبكة سي أن أن. انخفض تمويل إيران لمثل هذه الجماعات في النصف الثاني من رئاسته، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى أن العقوبات التي فرضها على البلاد كان لها تأثير سلبي كبير على الاقتصاد الإيراني، لكن التمويل لم يتوقف تمامًا.

العلاقات مع الصين: كان التشدد تجاه العلاقات مع الصين من القضايا النادرة التي اجتمع عليها المرشحان الرئاسيان، بغض النظر عن أسباب ومبررات كل منهما لاتخاذ هذه السياسة تجاه المنافس الأكبر للولايات المتحدة. ومن اللافت للنظر أن المرشحين لم يُسألا عن موقفيهما من الصين، ومع ذلك فقد تناولاها من تلقاء نفسيهما لفترة وجيزة عند مناقشة الاقتصاد الأمريكي وتأثير الرسوم الجمركية الثقيلة التي فرضها ترامب على العديد من الواردات الصينية، والتي أبقاها بايدن إلى حد كبير. حيث اتهم ترامب الرئيس الحالي بعدم القيام بأي شيء لحماية البلاد من المنافسة غير العادلة من القوة الآسيوية الرائدة. كما أشار ترامب بأصابع الاتهام إلى الصين بسبب تدفق المواد الأفيونية الاصطناعية من الحدود مع المكسيك، وهو وباء قال إن بايدن رفض معالجته، إلى جانب الاتجار بالبشر.

الحرب الروسية الأوكرانية: دافع بايدن، خلال المناظرة، عن موقفه الداعم بقوة لأوكرانيا، في حين أوضح ترامب أن الرئيس الحالي هو من شجع روسيا على الغزو بسبب “انسحابه الفوضوي” من أفغانستان في مايو 2021. وتعهد بأنه، في حال انتخابه رئيسًا، سيعمل على تسوية الحرب بين البلدين قبل تنصيبه دون توضيح لكيفية القيام بذلك، زاعمًا أن بايدن سيقود البلاد إلى حرب عالمية ثالثة. ولم تخلُ المناظرة من الإشارة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشكل متكرر، إذ وردت الإشارة إليه أكثر من 12 مرة خلال ساعة ونصف الساعة بينما كانا يتنافسان لإظهار من هو الأكثر صرامة على صعيد السياسة الخارجية. وأظهرت المناظرة عدم قدرة مرشحي الرئاسة على إدارة الحرب الروسية الأوكرانية بالشكل الصحيح، ما أدى إلى استنزاف قرابة 200 مليار دولار دون تحقيق نتائج على الأرض الأوكرانية أو حتى الجلوس على طاولة المفاوضات بشروط أوكرانية.

الناتو: تنظر أوروبا بخوف لاحتمال فوز ترامب لعدم إيمانه بقيمة حلف شمال الأطلسي للمصالح الأمريكية، وهذا يضعه على النقيض من الرئيس بايدن الذي نجح في قيادة الحلف متحدًا ضد التدخل الروسي في أوكرانيا. وقد هيمنت على المناظرة بشأن الصراع في أوكرانيا كيفية إنهاء الحرب هناك، والجدل بشأن الدعم الأمريكي لحلف شمال الأطلسي (الناتو) وما إذا كانت الدول الأوروبية تسهم بما يكفي لدعم أوكرانيا في الحرب التي تخوضها ضد روسيا. وطالب ترامب بايدن بالضغط على الحلفاء الأوروبيين لإنفاق المزيد على دعم أوكرانيا.

الانسحاب من أفغانستان: رغم اتفاق المرشحين على ضرورة سحب القوات الأمريكية من أفغانستان، إلا أن ترامب وصف سحب بايدن للقوات الأمريكية بأنه “الأكثر إحراجًا في التاريخ الأمريكي”، وأنه كان “اليوم الأكثر إحراجًا في حياة الولايات المتحدة”. وقال ترامب: “كنت سأخرج من أفغانستان، ولكن بكرامة وعزم وقوة”. وقال بايدن إنه عندما تسلم منصبه “كانوا لا يزالون يُقتلون في أفغانستان، ولم يفعل ترامب شيئًا حيال ذلك”، قاصدًا بذلك الجنود الأمريكيين هناك.

وزعم بايدن أنه الرئيس الوحيد في هذا العقد الذي لم يسجل خلال ولايته مقتل قوات في أي مكان في العالم. وفي الحقيقة فإن بايدن مخطئ، حيث قُتل العديد من العسكريين في الخارج خلال رئاسته، بما في ذلك 13 جنديًا قُتلوا في تفجير انتحاري أثناء الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، و3 آخرون قُتلوا في الأردن بهجوم طائرة مسيرة، واثنان في يناير الماضي قبالة سواحل الصومال أثناء قيامهما بعملية مصادرة، كما قُتل عناصر آخرون في الخارج خلال حوادث تدريب.

ملاحظات رئيسة حول المناظرة

أداء مكرر: لم تكشف المناظرة الرئاسية الأولى عن أي شيء جديد حول سياسة بايدن وترامب بشأن القضايا الرئيسية مثل الاقتصاد والهجرة والسياسة الخارجية والإجهاض. وكرر كل مرشح مواقفه التي سبق أن روج لها خلال حملتيهما الانتخابيتين. وركزت المناظرة على انتقاد السياسات السابقة لبعضهما البعض وشن هجمات شخصية. وأظهر المرشحان الفروق بين أمريكا التي يعيش فيها كل منهما، وتحدث كل منهما عن الولايات المتحدة الأمريكية الخاصة به والتي يعتقد أنه يعرفها أكثر من الآخر، حيث تحدث ترامب مرارًا وتكرارًا عن فشل الولايات المتحدة، وكيف كان بايدن أسوأ رئيس في تاريخ البلاد، وكيف ينظر العالم إلى البلاد بشكل كئيب الآن.

وفيما قدم بايدن نظرة متفائلة للولايات المتحدة خلال المناظرة، قال: “نحن الدولة الأكثر إثارة للإعجاب في العالم. نحن الولايات المتحدة. لا يوجد شيء فوق قدرتنا. لدينا أرقى جيش في تاريخ العالم، أرقى جيش في تاريخ العالم. لا أحد يعتقد أننا ضعفاء. لا أحد يريد أن يعبث معنا، لا أحد”.

ضعف أداء بايدن: أظهرت المناظرة أسوأ نسخة لرئيس حالي، وأفضل نسخة لمنافسه. فقد أراد بايدن أن تُعقد هذه المناظرة في أقرب وقت في مسعى منه لكسر الجمود في استطلاعات الرأي، إلا أنها لم تحقق لحملته الانتخابية الاختراق الذي كان يأمله. وبدا بايدن منهكًا ومشوشًا، وأن بعض الكلمات خرجت بصوت أجش للغاية يتعذر سماعه بوضوح، رغم أنه قضى أسبوعًا في منتجع كامب ديفيد في تدريبات مع مساعديه بعيدًا عن مهامه الرئاسية في البيت الأبيض.

وبدا بايدن، طوال الوقت، تائهًا ويهمهم بكلام غير مفهوم وهو يرد على الأسئلة، الأمر الذي أظهر مدى تقدمه في العمر. وفي محاولة لمعالجة الأزمة، اعترفت نائبة الرئيس كامالا هاريس بأن بايدن كان بطيئًا في البداية لكنه برأيها “أنهى المناظرة بقوة”. وذهبت الجمهورية نيكي هايلي التي نافست ترامب في الانتخابات التمهيدية والتي يسعى الطرفان لاستمالة ناخبيها، إلى حد الإشارة إلى أن بايدن لن يكون “مرشح الديمقراطيين في الانتخابات”، وحضت معسكره على “توخي الحذر”.

انتاب الديمقراطيين الذعر من أداء رئيسهم، حيث اقترح العديد منهم على الحزب التفكير في ترشيح شخص آخر في مؤتمرهم العام في أغسطس القادم. غير أن سيناريو اختيار مرشح آخر يبقى في الواقع صعب للغاية. ومن المتوقع، ما لم تحدث مفاجأة كبرى، أن يعين الحزب الديمقراطي رسميًا بايدن مرشحًا له للرئاسة عند عقد مؤتمره في شيكاغو في منتصف أغسطس. ولكن ثمة عامل مجهول النتيجة قد يؤثر على مجرى الانتخابات، وهي المتاعب القضائية التي يواجهها ترامب. ورفض الرئيس بايدن آراء الديمقراطيين بشأن أدائه في المناظرة وأنه لا يخطط لإعادة التفكير في ترشيحه. وأشار إلى أن صوته الأجش كان نابعًا من مرض بسيط. فيما أعرب المانحون الديمقراطيون في نيويورك وجنوب كاليفورنيا ووادي السيليكون عن مخاوفهم العميقة بشأن جدوى حملة بايدن عقب أدائه.

ثقة أداء ترامب: تجاوز ترامب بأدائه في المناظرة كل التوقعات، حيث ظهر أكثر انضباطًا في معرض إجاباته على الأسئلة على عكس مناظرته الأولى أمام بايدن أيضًا في سباق عام 2020. ولم يقدم ترامب على مقاطعة بايدن أثناء حديثه فيما كان مفيدًا قرار المنظمين بإغلاق الميكروفون عن الرئيس الحالي عندما كان يتحدث بايدن الذي حاول السخرية من وزن ترامب. ورفض ترامب الرد على أسئلة تتعلق برعاية الطفل وعمره حيث حاول أخذ السياق إلى قضيته المفضلة ألا وهي: كيف دمر المهاجرون غير النظاميين الذين تمكنوا من دخول الولايات المتحدة بسبب سياسة بايدن، الولايات المتحدة”.

ادعاءات ترامب: أطلق ترامب سيلًا من الادعاءات “الكاذبة” و”المضللة” من قبيل أن عهده لم يشهد هجمات إرهابية، وأن بايدن يرغب في زيادة الضرائب على المواطنين أربعة أضعاف ما هي عليه. وتجنب الإجابة عن الأسئلة الصعبة، مثل السؤال حول تمرد السادس من يناير، وادعى ترامب أن عددًا صغيرًا نسبيًا من الأشخاص الذين ذهبوا إلى مبنى الكابيتول في أحداث 6 يناير، وإنه وفي كثير من الحالات تم الترحيب بهم من قبل الشرطة. ولكن في الحقيقة فإن هذا غير صحيح. كان الهجوم على مبنى الكابيتول الأمريكي هو الهجوم الأكثر دموية على مقر للسلطة الأمريكية منذ أكثر من 200 عام، ودخل الآلاف من الناس إلى مبنى الكابيتول في مشهد وحشي من العنف مع الشرطة.

زعم ترامب بأن حدود الولايات المتحدة في ظل رئاسته كانت الأكثر أمانًا “في تاريخ بلادنا”، ولم يكن ذلك صحيحًا إذ كان معدل الهجرة غير النظامية إلى الولايات المتحدة خلال حقبته أكثر مما كان عليه خلال الولايتين الرئاسيتين لسلفه باراك أوباما. وقال ترامب بشأن احتجاجات مينيابوليس بعد مقتل جورج فلويد: “لو لم أحضر الحرس الوطني، لكانت تلك المدينة قد دمرت”. وفي الحقيقة لم يستدع ترامب الحرس الوطني إلى مينيابوليس أثناء الاضطرابات التي أعقبت وفاة جورج فلويد. ونشر حاكم ولاية مينيسوتا، تيم والز، الحرس الوطني في المدينة.

رفض نتائج الانتخابات: وفي إحدى اللحظات الحاسمة في المناظرة، رفض ترامب أيضًا القطع بأنه سيقبل نتائج الانتخابات المقبلة، بغض النظر عن الفائز. وحمل الأمر في طياته تذكيرًا بما حدث بعد الانتخابات الأخيرة عقب رفضه عام 2020، قبول الخسارة أمام بايدن حيث زعم ترامب أن الحزب الديمقراطي تلاعب بالنتائج فيما وصل الأمر إلى زعمه بأنها “انتخابات مسروقة” رغم أن نتائج إعادة فرز الأصوات والقرارات القضائية دحضت مزاعمه. ولم يجب ترامب بشكل مباشر على سؤال حول ما إذا كان سيحترم نتيجة الانتخابات. وبعد تراجعه مرتين عن الرد عن هذا السؤال خلال المناظرة، قال ترامب إنه سيقبل نتائج الانتخابات المقبلة شريطة أن تتسم “بالنزاهة والقانونية”، لكن دون الخوض في تفاصيل.

الاستحواذ على الكلام: مع نهاية المناظرة بين بايدن وترامب، أحصت “سي إن إن” عدد الدقائق التي تحدث فيها المرشحان خلال تسعين دقيقة:

تحدث ترامب لمدة 38 دقيقة و13 ثانية.

تحدث بايدن لمدة 33 دقيقة و41 ثانية.

وفي الجزء الأول للمناظرة، تحدث دونالد ترامب لمدة 23 دقيقة و6 ثوانٍ، بينما تحدث جو بايدن لمدة 18 دقيقة و26 ثانية.

ختامًا، لقد تراشق الرئيسان الاتهامات فيما بينهما، وألقى كل منهما اللوم على الآخر في عدم حل المشاكل الاقتصادية والسياسية في الداخل والخارج على حد سواء وتحدى كل منهما الآخر في إدارته للأزمات التي واجهت الولايات المتحدة. كل ذلك في ظل فشل الإدارتين السابقتين برئاسة ترامب والحالية برئاسة بايدن في حل مشاكل السياسية والاقتصادية. وعدم القدرة على إدارة الحرب الروسية الأوكرانية بالشكل الصحيح، وصعود أحزاب اليمين في الدول الأوروبية خاصة في دول حلف الناتو مما يعقد خطط الولايات المتحدة المستقبلية. بالإضافة إلى الموقف اللاأخلاقي للولايات المتحدة من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة ودعمها المتناهي لدولة الاحتلال ودفع المنطقة نحو حرب إقليمية لا نهاية لها.

كما أكدت المناظرة شيئين: الأول هو أن بايدن يعاني من ضعف وعدم قدرة تمكنه من الترشح مرة أخرى، وكان ينبغي عليه أن يتمتع بالحس ونكران الذات والتنحي طواعية قبل أن يصل إلى هذه المرحلة المؤسفة. والأمر الثاني، هو أن ترامب، الذي يفتقر تمامًا إلى المبدأ واللياقة، يمثل فراغًا أخلاقيًا ينشر الكراهية ولن يهدأ حتى يتم إعادة انتخابه مرة أخرى، وفي هذه الحالة ستكون فترة رئاسته ضربًا جديدًا من ضروب التهور والانتقام، تشمل ترحيل الملايين من المهاجرين غير الشرعيين، وحربًا تجارية عالمية واسعة النطاق تفرض ضريبة بنسبة 10٪ على الواردات، والتنقيب غير المحدود عن النفط، والتخلي عن أوكرانيا وحلف الناتو.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى