الصحافة الدولية

هل دخلت العلاقات الأمريكية الصينية مرحلة الحرب الباردة؟

ترى الولايات المتحدة في الصين منافس قوي، يختلف عن التحدي الذي واجهته مع الاتحاد السوفيتي السابق في ثمانينات القرن الماضي. حالة من المنافسة المشتعلة بين البلدين في كافة المجالات، بداية من التنافس على صناعة السيارات، مرورًا بإنتاج الأفلام وغزو الفضاء الخارجي، وانتهاءً بالتسابق على تصنيع الغواصات. 

اندمجت الصين في الاقتصاد العالمي، وهو مالم يكن للاتحاد السوفيتي من قبل. حيث بلغ حجم التجارة المشتركة المعلنة بين بكين وواشنطن نحو بليوني دولار في اليوم الواحد، مقارنة بحجمها بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي والذي كان يبلغ بليوني دولار في العام. 

واليوم تخوض الولايات المتحدة والصين معركة تجارية حادة. ففي العام الماضي، تبادل أكبر اقتصادين في العالم فرض رسوم جمركية على بضائع بعضهما البعض تصل قيمتها إلى مليارات الدولارات. وظل الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، يتهم الصين منذ فترة طويلة بممارسات تجارية غير عادلة وبسرقات في مجال حقوق الملكية الفكرية. وفي الصين، ثمة تصور بأن الولايات المتحدة تحاول كبح نهوضها.

وقدمت واشنطن ثلاث جولات من التعريفات العام الماضي، إذ فرضت رسوما تصل إلى 25% من قيمة السلع، على عدد من المنتجات الصينية، من الحقائب اليدوية إلى معدات السكك الحديدية. وردت بكين بتعريفات جمركية تتراوح بين 5 و 25% على السلع الأمريكية بما في ذلك المواد الكيميائية والفحم والمعدات الطبية. وهدد كلا الجانبين باتخاذ المزيد من الإجراءات من خلال فرض تعريفات جديدة ورفع الضرائب الحالية

لقد أثر هذا النزاع على الاقتصاد العالمي وأضر بالأعمال التجارية في جميع أنحاء العالم. وفي خطوة نحو تسوية الحرب التجارية التي بدأت قبل 15 شهراً، وعصفت بالأسواق المالية وعطلت قطاع الصناعات التحويلية وأبطأت النمو العالمي. اتفقت الولايات المتحدة والصين على المرحلة الأولى من اتفاق للتجارة تشمل المشتريات الزراعية والعملة وبعض جوانب حماية الملكية الفكرية.

وكان للحرب التجارية، التي استمرت لأكثر من عام، تأثيرا سلبيا كبيرا. فمع تصاعد حدة التوترات التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم وبدء تنفيذ جولة جديدة من التعريفات الجمركية بين الطرفين، كيف كان أداء الأسواق الأمريكية وما هي القطاعات الأكثر تأثرا؟ 

أولاً: تسببت الاضطرابات بين بكين وواشنطن في هبوط الأسهم الأمريكية واضطراب سوق الأوراق المالية، مما تسبب في حالة من الذعر بين المستثمرين. 

ثانيًا: تراجع الاستثمار، بسبب اضطرابات السوق، توقفت العديد من الشركات في التوسع أو الاستثمار في مشاريع جديدة. وهذا بدوره أدى إلى انخفاض معدلات النمو، مما يعني المزيد من المشاكل الاقتصادية وزيادة في نسب البطالة.

ثالثًا: انخفاض الصادرات الزراعية الأمريكية إلى الصين (القمح والذرة ولحم الخنزير) الأمر الذي أثر على آلاف المزارعين الأمريكيين لعدم وجود أسواق بديلة لمنتجاتهم. ويذكر أن حجم التجارة الزراعية بين الولايات المتحدة والصين قد وصل إلى 20 مليار دولار سنويًا، وانخفض الآن إلى حوالي مليار دولار. 

رابعًا: انخفاض الواردات الأمريكية إلى الصين بنسبة 4.5 ٪، وهو أكبر انخفاض في الواردات الفعلية للسلع والخدمات.

الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تجاه الصين

ما زالت الولايات المتحدة تفتقر إلى استراتيجية واضحة وشاملة تجاه الصين. لكن الإجماع حول العلاقة الأمريكية الصينية الجديدة بعد توقيع الاتفاق لم يتم تشكيله بعد، في ظل المخاوف الأمريكية من التقارب الصيني الروسي الذي وصل إلى أعلى مستوى منذ حوالي 60 عاما. خاصة أن الصين وروسيا تواجهان حالياً ضغوطاً اقتصادية من الولايات المتحدة. وإذا كان التحالف الصيني الروسي واقعاً بالفعل، فإن الولايات المتحدة سوف تغير بالكامل خطة واستراتيجية الأمن القومي، بعد أن توغلت مخاوف الأمن القومي تقريبًا في جميع جوانب العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين.

وترى الولايات المتحدة الأمريكية أن السياسة الجديدة تجاه الصين بعد الحرب التجارية تتمثل في ضرورة تعزيز العلاقات مع الحلفاء المقربين في التجارة والاستثمار والتعاون وتبادل المعلومات الاستخباراتية. وتعزيز تدابير الدفاع، والحد من صادرات التكنولوجيا إلى الصين، والإشراف على السلع والصناديق والأفراد الصينيين الذين يدخلون الولايات المتحدة، بالإضافة إلى زيادة الاستثمار العام والخاص في الابتكار والتكنولوجيا والتعليم

ختامًا، تحتاج البلدين إلى إطار جديد للعلاقات يعكس المصالح المتغيرة لكلا الطرفين، ويرى المحللون أن العلاقة بين البلدين لم تدخل حقبة عدائية جديدة من الحرب الباردة. والتجارب التاريخية شاهدة على ذلك. أثناء الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة كان لا يوجد للولايات المتحدة سوى القليل من التجارة مع الاتحاد السوفياتي ولا يوجد أي تفاعل اجتماعي. ولكن يوجد اليوم حجم تجاري ضخم وروابط اجتماعية واسعة بين الولايات المتحدة والصين. فهناك أكثر من 370،000 طالب صيني يدرسون في الولايات المتحدة وثلاثة أو أربعة ملايين سائح صيني كل عام، وبالتالي لا يمكن أن نسمي ما يحدث بين الصين والولايات المتحدة بالحرب الباردة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى