كورونا

تهديد ممتد..إجراءات سنغافورة لمواجهة الموجة الثانية من وباء كورونا

في الوقت الذي يتدافع فيه العالم لــ “تسطيح منحنى” الإصابات والوفيات لاحتواء تفشي فيروس كورونا المستجد وتداعياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، قدمت سنغافورة نموذجًا يحتذى به في استجابتها المبكرة والحاسمة لمجابهة الوباء، والحد من انتشار كوفيد-19، دون الاضطرار إلى تطبيق إجراءات مشددة كالتي اتخذتها الصين وأمريكا وإيطاليا وإسبانيا. وبعد أن اتخذت الدولة الإجراءات اللازمة لحماية نفسها، تعرضت لموجة ثانية من العدوى. معلنة الإغلاق الجزئي وتطبيق تدابير لم تتخذها من قبل في دلالة منها على أننا أمام وباء لن يمكن السيطرة عليه دون التوصل للقاح.

ترتبط الصين وسنغافورة بعلاقات جغرافية واقتصادية، وتعد الصين ثالث أكبر شريك تجاري لسنغافورة، ويدخلها نحو 3.62 ملايين زائر صيني سنويًا. كما تقع سنغافورة على بعد حوالي 2100 ميل من مدينة ووهان، بؤرة تفشي الوباء. وهو ما جعلها مرشحة لأن تكون بؤرة ثانية للفيروس. وفي 31 يناير الماضي، أعلنت سنغافورة عن ظهور 13 حالة إصابة، جميعهم من المسافرين من مدينة ووهان، وكانت الدولة الثالثة التي تبلغ عن وجود إصابات بها. وبحلول منتصف فبراير كان لديها 80 حالة وهو أعلى عدد إصابات خارج الصين آنذاك.

على عكس ما أعلنته منظمة الصحة العالمية في بداية الأزمة، بأنها لا تؤيد فرض حظر السفر للصين أو التجارة معها. استبقت الجزيرة الصغيرة الواقعة في جنوب شرق آسيا فرض حظر السفر، بعد ثلاثة أيام فقط من كشف الصين عن ظهور الفيروس، وشرعت سنغافورة في إخضاع المسافرين القادمين إليها من ووهان ممن بدت عليهم أعراض الحمى وصعوبات في التنفس، لمزيد من الفحوص الطبية وفرضت عليهم عزلًا صحيًا. 

كما قامت سنغافورة بإلغاء كل الرحلات الجوية المتجهة إليها من ووهان. ووضعت السلطات المسافرين القادمين من مناطق موبوءة قيد الحجر الصحي الإجباري بعد أن حولت ثلاث مدن جامعية إلى مرافق صحية لاستضافتهم. وعوضت الحكومة الأفراد وأصحاب الأعمال عن الأيام التي توقفوا فيها عن العمل. ولمنع انتشار الفيروس بين سكان سنغافورة البالغ عددهم 5.7 مليون نسمة -والتداعيات المحتملة على الاقتصاد- خصصت الحكومة في فبراير الماضي 800 مليون دولار لمكافحة تفشي الوباء.

سياسات فعاله للحد من الفيروس

singapore coronavirus

الدول التي فوجئت بوباء كورونا، أو لم تستجب لانتشاره بشكل قوي دفعت ثمنًا باهظًا. في حين أن هناك القليل من الدول استبقت الانتشار الواسع للفيروس مثل سنغافورة. منذ اكتشاف أول حالة إصابة اتخذت الحكومة عددًا من الإجراءات للحد من انتقال حالات جديدة إليها مثل القيود على السفر، وفرض حجر صحي للحول دون انتقال محتمل للعدوى من أشخاص مصابين إلى السكان المحليين، وكبح جماح الانتقال الصامت للمرض في مجتمعاتها من خلال تقليل التواصل بين الأفراد بتبني تدابير مثل العزل الذاتي والمباعدة الاجتماعية والحرص على النظافة. ومجموعة أخرى من التدابير تمثلت في:

تدابير صحية: استطاعت سنغافورة توفير أجهزة كثيرة للكشف عن الفيروس، وحتى 20 مارس، أجرت 38 ألف اختبار، أي حوالي 6800 اختبار لكل مليون نسمة. وعلى عكس جميع دول العالم، لم تشدد الحكومة على ضرورة أرتداء المواطنين للأقنعة في بداية الأزمة، لضمان حصول الطواقم الطبية على ما يكفي لمواجهة الوباء. وأصدرت وزارة الصحة في 27 مارس، قرارًا بأن الأشخاص الذين لا يحتفظون بمسافة متر واحد والذين يلتقون في مجموعات بها عشر أشخاص أو أكثر سيواجهون عقوبة السجن أو الغرامة.

تدابير اقتصادية: أعلنت الحكومة عن تدابير اقتصادية تشمل خططًا لمساعدة قطاعات السياحة والطيران وتجارة التجزئة والغذاء والنقل، حيث تعد هذه القطاعات الخمسة الأكثر عرضة لتفشي الفيروس، بالإضافة إلى اتخاذ تدابير محددة لمساعدة الشركات على الاحتفاظ بالعمال، تشمل إدارة فواتير الأجور وخصومات على الضرائب. وخصصت الحكومة 5.6 مليار دولار سنغافوري (نحو 4.02 مليار دولار)، لمساعدة الشركات والأسر. كما خصصت800 مليون دولار سنغافوري لمكافحة الفيروس، حيث يذهب الجزء الأكبر من هذه المخصصات إلى وزارة الصحة.

تدابير تقنية: ركزت جهود سنغافورة لاحتواء الوباء على تتبع الحالات المُصابة ومحاولة التوصل إلى الأشخاص الذين تعاملوا معهم عن قرب، سعيًا لإخضاع المتعاملين مع المُصابين للعزل والحد من انتشار الإصابات. وتعتمد هذه الجهود غالبًا على شهادات المُصابين وتذكرهم للأماكن التي ترددوا عليها والأشخاص الذين تعاملوا معهم. وفي العشرين من مارس الماضي، أطلقت سنغافورة تطبيقًا للهواتف الذكية لمُتابعة الحالات المُحتملة من التعرض لفيروس كورونا.

يستخدم تطبيق تريس توجيزر (Trace Together) تقنية البلوتوث، وتتبادل الهواتف المُثبت عليها التطبيق إشارات بلوتوث قريبة المدى حين يوجد المستخدمون على مسافة قريبة. وتُخزن الهواتف هذه المعلومات لمدة واحد وعشرين يومًا. وعند اكتشاف إصابة أحد الأشخاص بفيروس كورونا يُطلب منهم قانونًا الكشف عن تحركاتهم وتفاعلاتهم في الأيام السابقة على تشخيص الإصابة بهدف الحد من انتشار العدوى على نطاقٍ واسع. وإذا كانوا من مستخدمي “تريس توجيزر”، فإنهم يسمحون لوزارة الصحة في سنغافورة بالوصول إلى بيانات التطبيق والتعرف على الأشخاص الذين تعاملوا معهم عن قرب ولفترة تصل إلى ثلاثين دقيقة.

singapore whatsapp coronavirus update

كما ترسل الحكومة للمواطنين، رسائل نصية على الواتس آب مرتين يوميًا، تتضمن معلومات عن الوباء، وعدد الحلات الجديدة التي تم أكتشافها، والحالات التي تعافت، بالإضافة إلى الأماكن المشتبه فيها تفشي الفيروس أو التي سجلت أعداد كبيرة. كما لدى سنغافورة أكبر شبكة مراقبة في العالم تشمل 86 ألف كاميرا تُغطي مساحة الدولة. ويخضع جميع زوار المباني الرئيسية للعمل لفحص درجات الحرارة، ويُطلب منهم تقديم أرقام هواتفهم ومعلومات عن سفرهم خارج البلاد.

تدابير قانونية: أعلنت سنغافورة عن تجريم انتهاك قيود السفر، ونشر المعلومات المضللة أو الشائعات الكاذبة. حيث يتم تغريم كل من تثبت إدانته بانتهاك قانون الأخبار الجديد بما يصل إلى 60 ألف دولار سنغافوري، أو يواجه عقوبة السجن لمدة تصل إلى 10 سنوات.

خبرة سارس

Singapore public hospitals in 'outbreak response mode', Health ...

لا يُعد كورونا الفيروس الأول الذي يظهر أولًا في الصين ثم ينتشر إلى عدد من دول العالم. ففي عام 2003، كانت الصين أيضًا مركزًا لظهور وانتشار فيروس سارس “SARS” في 26 بلدًا آخر. وكانت بداية سارس مشابهة لفيروس كورونا الجديد. وشهدت سنغافورة 33 حالة وفاة مما جعلها واحدة من أكثر الدول تضررا خارج الصين. وكذلك فيروس إنفلونزا الخنازير في عام 2010. ومع إعلان الصين عن ظهور فيروس كورونا المستجد في ديسمبر الماضي، قال رئيس وزارء سنغافورة “لي هسين لونج” فى خطاب سنوى بمناسبة العام الصينى الجديد “نحن مستعدون جيدًا لأننا كنا نتأهب لمثل هذا الموقف منذ تعاملنا مع سارس في 2003”.

عندما تفشى فيروس سارس في سنغافورة أدركت أن بنيتها التحتية لم تكن جاهزة لمواجهة مثل هذا النوع من الوباء. لذلك، في السنوات التي تلت الأزمة، تم بناء مستشفيات عزل وفق المعايير الدقيقة ومنها غرف ضغط سلبي، وتم إصدار العديد من التشريعات المساعدة. وعملت سنغافورة على تحديث المنشآت والمعدات الطبية، واتخاذ تدابير وقائية فعالة، كما أسست عددًا إضافيًا من منشآت العزل الحكومية، وافتتحت العام الماضي مركزًا طبيًا حديثًا بسعة 330 سرير للتعامل مع الحالات المُصابة. 

أمضت سنغافورة سنوات في بناء نظام صحي عام يشمل عيادات مخصصة للأوبئة، والرسائل الرسمية التي تحث الجمهور على غسل أيديهم أو العطس في المناديل خلال موسم الأنفلونزا، ويمنح قانون الأمراض المعدية الدولة السلطة على تحديد أولويات الصالح العام قبل مخاوف الخصوصية. كل هذه العوامل ساهمت في انخفاض عدد الوفيات في سنغافورة.

جدير بالذكر أن سنغافورة لديها نظام متطور للرعاية الصحية، وبحسب المؤشر العالمي للرعاية الصحية الذي أصدره موقع “Numbeo” لعام 2020 فإن سنغافورة جاءت في المركز 25 في المؤشر الذي تضمن 93 دولة، وذلك بالنظر إلى عدة عوامل، من بينها، امتلاكها كفاءات بشرية طبيبة متطورة، وتوافر التجهيزات والطرق التكنولوجية الحديثة في التشخيص والعلاج، بالإضافة إلى قرب المرافق الصحية وتوافرها. 

الموجة الثانية

على الرغم من نجاح تجربة سنغافورة حتى الآن في احتواء الفيروس، إلا إن المعركة لم تنته بعد. حيث تشهد موجة ثانية من الوباء وانفجار في عدد حالات الإصابة، بشكل خاص داخل المهاجع المكتظة، حيث يعيش العمال الأجانب، ويعمل في سنغافورة نحو مائتي ألف عامل بناء أجنبي، ينحدرون من جنوب آسيا، ويقيم كثير منهم في بيوت مشتركة داخل مجمعات. فبعد أن كان عدد الحالات المصابة في الأول من مارس 106 حالة، أرتفع إلى 1000 حالة في الأول من إبريل، ليصل إلى 5,050 حالة في 17 إبريل. وتؤكد هذه الأرقام على المخاطر التي يشكلها الفيروس التاجي حتى بعد أن اتخذت الدولة الخطوات اللازمة لحماية نفسها.  

كانت سنغافورة واحدة من الدول القليلة التي امتنعت عن إغلاق المدارس، مستندة إلى الأبحاث التي تشير إلى أن الأطفال ليسوا عرضة لمرض كوفيد-19 مثل البالغين، حتى مع إغلاق أكثر من 150 دولة لمؤسساتها التعليمية. الآن قامت سنغافورة بإغلاق المدارس لمدة شهر على الأقل، مما حول الطلاب إلى “التعلم المنزلي”. كما حظرت الحكومة التجمعات العامة والخاصة من أي حجم، مما يعني أن المواطنين الذين يستقبلون الضيوف يواجهون ستة أشهر من السجن أو غرامة تصل إلى 7000 دولار. وقال رئيس الوزراء السنغافوري في خطاب في 3 أبريل “لقد قررنا أنه بدلًا من التضييق التدريجي على مدى الأسابيع القليلة القادمة، يجب أن نتخذ خطوة حاسمة الآن لاستباق تصاعد العدوى”.

ختامًا

إن العوامل التي ساهمت في نجاح تجربة سنغافورة من الصعب تكرارها في أي دولة أخرى، بداية من عدد السكان البالغ 5.7 مليون نسمة، مرورًا بارتفاع مستوى الرعاية الصحية، والاستعداد المُبكر، وتطبيق إجراءات دقيقة وصارمة لمتابعة حالات الإصابة والعدوى، وانتهاء بتقبل المواطنين للإجراءات الحكومية المُقيدة، وتوظيف وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي في الترويج للتدابير الحكومية.

ويأتي ارتفاع الحالات في سنغافورة في وقت وصلت فيه الإصابات بالفيروس التاجي إلى ما يزيد عن 2.2 مليون حالة إصابة على مستوى العالم، وتسبب في أكثر من 147 ألف حالة وفاة. وبينما تعلن عدد من الدول الآسيوية تراجع عدد الإصابات فيها، تؤكد منظمة الصحة العالمية أن منطقة آسيا أبعد ما تكون عن الانتهاء من الفيروس حتى في ظل كل تلك الإجراءات، فإن خطر انتقال العدوى في المنطقة لن يزول ما دام الوباء مستمرًا، وينبغي على الجميع الاستعداد لانتقال واسع النطاق للعدوى. المعركة طويلة المدى، ولا نستطيع أن نتهاون في إجراءاتنا الاحترازية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى