الصحافة الدولية

تصدع ائتلاف الحكم في إيطاليا يشعل المشهد مجددا ويفتح الباب أمام سيناريوهات ثلاثة

من جديد تعود إيطاليا إلى قلب المشهد السياسي، الذي قد يكون الأعنف في تاريخها الحديث، مع إعلان رئيس الوزراء “جوزيبي كونتي” استقالته إثر خلافات مع شريكه في الائتلاف الحاكم “ماتيو سالفيني”، إذ كتبت هذه الخلافات نهاية سريعة للائتلاف الحكومي المكون من حركة “خمس نجوم” ذات الميول اليسارية، و”حزب الشمال رابطة اليمين المتطرف” (ليغا)، وفتحت الباب لتشكيل ائتلاف حاكم جديد، أو إجراء انتخابات مبكرة.

اصطدمت توجهات “سالفيني” مع شريكه في الحكم، زعيم حركة “خمس نجوم”، ونائب رئيس الوزراء “لويجي دي مايو”، نحو إنهاء ثنائية الحكم. وتم توجيه دعوة إلى أعضاء مجلس الشيوخ لقطع اجازتهم  لعقد اجتماع استثنائي، يناقش خلافات “حليفي الحكم”. فحركة “خمس نجوم”، رغم أنها شعبوية الطابع، لم يعد يروق لها التطرف القومي الذي يقوده “سالفيني”. بعد أن فاز حزبه “ليغا”، في انتخابات البرلمان الأوروبي، في مايو الماضي، وتقدمه على شريكه في الحكم، وأصبح ينظر إليه على نحو متزايد كزعيم فعلي لإيطاليا. 

جوهر الخلافات بين حليفي الحكم 

بدأت حالة من عدم الاستقرار السياسي في الدولة صاحبة ثالث اقتصاد في الاتحاد الأوروبي. بعد أن حققت حركة “الخمس نجوم” الشعبيوية، وحزب “رابطة الشمال” اليميني المتطرف، نجاحاً تاريخياً في الانتخابات التشريعية الإيطالية، التي عقدت في مارس 2018. لتفوز القوى المعادية لهيئات النظام في الاتحاد الأوروبي، وتصبح إيطاليا من مؤيدي “بريكسيت” في بريطانيا، ووصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وصعود اليمين المتطرف في أنحاء أخرى من أوروبا.

خلال فترة اضطرار الطرفين للتحالف بعد الانتخابات وتولي حكم البلاد لمدة خمس سنوات، بدأت فرص التقارب بين الطرفين تتضاءل حد التلاشي، وفقدت علاقة “دي مايو” و”سالفيني” كثيرا من تقاربها، بسبب بلوغ الخلافات بين الجانبين نقطة اللاعودة. بعد معارضة حركة “خمس نجوم” لمشروع سكة حديدية يربط بين “تورينو “الإيطالية و”ليون” الفرنسية، بمبالغ طائلة مضاعفة عن السعر الأساسي. وأدخلت الحركة عامل “الحفاظ على البيئة” وصرف الأموال “لحل مشاكل اجتماعية”، كلواء لمعارضة حماسة “سالفيني” في البرلمان. 

بالإضافة إلى خروج مئات الآلاف إلى شوارع روما في أكبر تظاهرة شهدتها إيطاليا منذ أربع سنوات في فبراير الماضي، قادتها النقابات التي تطالب الحكومة الشعبوية بوضع سياسات تعزز النمو الاقتصادي. وبدأت الأزمة الإيطالية في الظهور أكثر مع انسحاب “سالفيني” من الائتلاف الحاكم. وتراشق الطرفين الاتهامات المتبادلة، حيث اتهم “سالفيني” حليفه بالمعارضة المنهجية لمشاريعه الاقتصادية وطالب بإجراء انتخابات برلمانية مبكرة. في حين وصف رئيس الوزراء جوزيبي كونتي في كلمته الأخيرة بمجلس الشيوخ “سالفيني” بأنه “انتهازي” و”غير مسؤول”.

تداعيات استقالة رئيس الوزراء 

 في أعوام 1994، و1996، و2008، تسببت الأزمات السياسية التي عصفت بإيطاليا في الدعوة لعقد انتخابات مبكرة، إلا أن الدعوة لعقد انتخابات مبكرة هذه المرة، قد يفتح المجال أمام حصول “سالفيني” على “غالبية مطلقة في البرلمان” حيث تعطيه استطلاعات الرأي ما بين 36 و38% من الأصوات. ونتيجة من هذا النوع ستشكل خطرا على إيطاليا، فأفكار سالفيني اليمينية المتشددة قد تدفع نحو خروج إيطاليا من الاتحاد الأوروبي، على الرغم من أن “سالفيني” صرح مرارا بأنه يريد بقاء ايطاليا في الاتحاد الأوروبي، لكن مواقفه السياسية تشير إلى أنه قد يقول اليوم أنه يريد أوروبا، ليقول في الغد العكس تماما، وأن “البريكست” الايطالي ليس شيئا مستحيلا مع “سالفيني”.

الاضطرابات السياسية في إيطاليا، قد يكون لها بالفعل عواقب على الاقتصاد الإيطالي. حيث تعد ديون إيطاليا هي الأكبر في منطقة اليورو بما يتناسب مع ناتجها بعد اليونان. وحالة عدم اليقين السياسي ستكلف البلاد أكثر من 5 مليارات يورو في صورة فوائد على ديونها. كما تجاوز الدين العام 2.3 تريليون يورو، أي 134% من الناتج المحلي الإجمالي لإيطاليا. وانخفضت كذلك قيمة السندات الإيطالية بسبب حالة التوتر السياسي، واحتمالات عقد انتخابات مبكرة. كما توقف اقتصاد البلاد، على الرغم من نمو الهامش في الربع الأول من العام، إلا أنه في الفترة ما بين أبريل ويونيو ، فقد كان راكدًا.  وكانت الحكومة الإيطالية تتوقع حتى الآن نسبة نمو 1% للعام الجاري، في حين أعلنت أبرز منظمات أصحاب العمل في إيطاليا “كونفيندستريا” أنه لا نمو لهذا العام، في حين أن النمو للعام المقبل 2020 لن يتجاوز 0.4%..

مستقبل الائتلاف الحاكم.. ماذا بعد؟

أدى انهيار التحالف بين حزب الرابطة اليميني المتشدد المناهض للمهاجرين، بقيادة “سالفيني”، وحركة خمس نجوم المناهضة للمؤسسة، إلى دفع إيطاليا إلى فترة جديدة من الأزمة والفوضى السياسية. بعد أن اتخذ “سالفيني” خطوات نحو إسقاط الحكومة والدعوة إلى انتخابات مبكرة، الأمر الذي ترتب عليه عدد من السيناريوهات:

السيناريو الأول:

الاستقالة ورغم انعكاسها السلبي على الاقتصاد الإيطالي، رفعت حجم الرهان على ظهور ائتلاف بعيد عن رابطة الشمال اليميني المتطرف وزعيمها “سالفيني” الذي طالما أثارت مواقفه الشعبوية المتشددة قلق المستثمرين، لكنها فتحت الباب أيضاً على احتمال اللجوء إلى انتخابات برلمانية مبكرة في أكتوبر المقبل، في حال فشل تشكيل ائتلاف حكومي. هذا الخيار هو الأخطر على الأسواق. ” سالفيني ” الذي يتصدر استطلاعات الرأي حاليا قد يتمكن من الوصول لمنصب رئيس الوزراء إثر هذه الانتخابات وهو أمر قد يضع إيطاليا على مسار تصادمي مع الاتحاد الأوروبي بشأن الانفاق والموازنة، ومن جهة أخرى تهدد هذه الاضطرابات السياسية مسار الاتفاق على الموازنة مع الاتحاد الأوروبي لأنها تأتي في الوقت الذي يتعين فيه على البرلمان الإيطالي الموافقة على مشروع الموازنة وتقديمه إلى قادة الاتحاد في بروكسل منتصف أكتوبر، كما تأتي هذه الاضطرابات في وقت لم يسجل فيه الاقتصاد الإيطالي أي نمو في الربع الثاني وبات مهدد بالعودة إلى دائرة الانكماش من جديد.

السيناريو الثاني:

قد يكون هناك تقارب بين حركة “خمس نجوم” و”الحزب الديمقراطي” اليساري، ما يطرح إمكانية أن يكون الخيار حكومة ائتلافية بعيداً عن حزب “سالفيني”. وتجنب إجراء انتخابات مبكرة، ويسعى الحزب الديمقراطي للتوصل إلى تفاهم مع حركة خمس نجوم على برنامج قابل للتنفيذ يتشارك به أيضا مع غالبية برلمانية واسعة. ووضع الحزب الديمقراطي خمسة شروط على حركة خمس نجوم، هي “التمسك بالانتماء إلى أوروبا واعتراف كامل بالديمقراطية التمثيلية وبالدور المركزي للبرلمان والعمل على تنمية قائمة على احترام البيئة وتغيير كيفية إدارة تدفق المهاجرين مع المطالبة بدور أكبر لأوروبا بهذا الصدد وتعديل السياسية الاقتصادية والاجتماعية في البلاد بشكل يتيح مزيدا من الاستثمارات”.

السيناريو الثالث:

في حال عدم التوصل إلى اتفاق بين “حركة خمس نجوم” و”الحزب الديمقراطي، لتشكيل ائتلاف حكومي، من المحتمل أن يتم تشكيل حكومة يقودها رئيس أي من غرفتي البرلمان، وهما فيكو رئيس مجلس النواب، أو إليزابيتا كاسيلاتي، الرئيسة الحالية لمجلس الشيوخ الإيطالي، وذلك لدفع الإصلاحات الاقتصادية وتحقيق الاستقرار في البلاد. ومن المتوقع أن لا تجد هذه الحكومة من يدعمها. وفي هذه الحالة من الممكن أن يتم تشكيل حكومة تكنوقراط، وسيكون الهدف من هذه الحكومة هو الحفاظ على استقرار إيطاليا، وذلك عن طريق تمرير الميزانية، والدعوة بعد ذلك إلى إجراء انتخابات عامة في وقت لاحق من هذا العام. أو قد يلجأ الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا إلى الدعوة لعقد انتخابات عامة مبكرة، إذا لم يحصل أي من الخيارات السابقة على دعم الأغلبية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى