أوروباروسيا

التصديق المشروط.. لماذا علقت هيئة الطاقة الألمانية العمل في نورد ستريم2؟

في ظل الضغوط السياسية والارتفاع القياسي لأسعار الطاقة في أوروبا، يواجه “نورد ستريم 2” المعني بإنجاز مشروع “السيل الشمالي 2″، عقبة جديدة بعد أن أعلنت هيئة تنظيم الطاقة في ألمانيا تعليق إجراءات الموافقة على خط أنابيب رئيسي جديد لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا تحت بحر البلطيق، وهي خطوة من شأنها زيادة التوترات الجيوسياسية المشتعلة بالفعل بين روسيا والاتحاد الأوروبي.

جاءت هذه الخطوة رغم اكتمال تنفيذ مد الأنابيب، بحيث أصبح بمقدور روسيا إرسال الغاز الطبيعي مباشرة إلى ألمانيا. وذكرت هيئة تنظيم الطاقة في ألمانيا أن قرار التعليق مختص بالشركات المالكة للمشروع؛ وهي سويسرية وروسية، فيما يفرض القانون الألماني أن تكون الشركة المشغلة للجزء الألماني منه على الأقل ألمانية. وأنها أوقفت مؤقتًا عملية المصادقة لأن “الكونسرتيوم” الذي يقف وراء خط الأنابيب (SE:2360) نورد ستريم 2 يحتاج أولًا إلى إنشاء شركة تابعة له في ألمانيا بموجب القانون الألماني للحصول على رخصة تشغيل.

وأعلنت الوكالة الفيدرالية المسؤولة عن إصدار التراخيص لنقل الغاز إلى ألمانيا، أن المشروع لم يستوفِ هذه الشروط؛ ما استدعى تعليق النظر فيه مؤقتًا حتى يصبح وضع الشركة قانونيًا. وتنتهي المهلة التي منحتها الوكالة للمشروع لتسوية وضعه قانونيًا في يناير المقبل. وأعلنت شركة “نورد ستريم2 – أ.ج” السويسرية التي ساعدت بتشييد أنابيب الغاز تحت بحر البلطيق والتي تتخذ من سويسرا مقرًا لها، أنها فتحت شركة فرعية لها مسجلة في ألمانيا لتكون مالكة الجزء الألماني من المشروع؛ ما يجعل وضعها قانونيًا. لكن الوكالة الفيدرالية الألمانية تقول إن الشركة الجديدة عليها أن تستوفي شروطًا معينة ليصبح وضعها قانونيًا، وهو ما لم يحدث بعد. ويتعين على المفوضية الأوروبية أن تنظر أيضًا في التراخيص الممنوحة للمشروع من قبل الوكالة الألمانية وإبداء ملاحظاتها عليه.

وستبقى عملية التصديق معلقة حتى ينتهي مشغل “نورد ستريم 2” ومقره في زوج في سويسرا، من نقل أصول أساسية وموارد بشرية إلى فرع أسس في ألمانيا للجزء الألماني من خط أنابيب الغاز. ومن شأن هذا القرار أن يعلق آلية المصادقة التي يفترض أن تتم في غضون أربعة أشهر، في حين أنجز المشروع بالكامل وبدأ ضخ الغاز فيه من الجانب الروسي. 

وأوضحت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل للرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن الالتزام بالقواعد أمر حيوي لضمان استمرار الدعم السياسي لخط الأنابيب. ويعد ترخيص الوكالة الألمانية من المراحل الأخيرة قبل وضع خط الأنابيب في قاع البحر قيد الخدمة، ما سيسمح بإمداد الشبكة الأوروبية بالغاز الروسي في ظل ارتفاع أسعار الغاز في دول الاتحاد الأوروبي.

وارتفعت أسواق الطاقة في جميع أنحاء أوروبا بعد أن علقت هيئة تنظيم الطاقة الألمانية عملية التصديق، وصعدت أسعار الغاز في المملكة المتحدة للشهر المقبل بنسبة 9.3% إلى 223 بنسًا في الحرارة، وهو أعلى مستوى في ثلاثة أسابيع تقريبًا، بينما عانت هولندا التي تعد واحدة من أكبر أسواق الغاز في أوروبا من زيادة بنسبة 7.9% لتصل إلى 88.05 يورو للساعة.

هل تعليق المصادقة له دوافع سياسية؟

على الرغم من أن قرار تعليق آلية ترخيص خط أنابيب الغاز “نورد ستريم 2” الذي أصدرته هيئة تنظيم الطاقة في ألمانيا قرار بيروقراطي يتعلق بالشركات المالكة المشروع، إلا أنه يحمل في طياته توترات وأبعاد سياسية، أبرزها:

اتهام روسيا بالتلاعب في أسعار الطاقة: تواجه أوروبا أزمة طاقة غير مسبوقة، قد تؤدي إلى تباطؤ صناعي واسع النطاق بسبب إغلاق المصانع وانقطاع التيار الكهربائي المحتمل. ومن المتوقع أيضًا أن يتسبب في أزمة تكلفة المعيشة للمنازل والشركات الصغيرة. حيث وصلت أسعار الغاز إلى مستويات قياسية في الأشهر الأخيرة، مدفوعة بارتفاع الطلب العالمي بعد التباطؤ الاقتصادي لكورونا العام الماضي، وزادها إحجام روسيا عن تصدير إمدادات إضافية إلى أوروبا للمساعدة في تلبية الطلب على الرغم من ارتفاع أسعار السوق.

ودفع ارتفاع أسعار الغاز ببعض السياسيين من “حزب الخضر” الذي سيصبح في السلطة عند تشكيل الحكومة المقبلة، إلى اتهام روسيا بالتلاعب في أسعار الغاز للضغط على ألمانيا لتسريع الموافقة على بدء العمل بمشروع “نورد ستريم2”. حيث رفضت روسيا زيادة ضخ الغاز إلى أوروبا عبر أوكرانيا وبيلاروسيا معلله رفضها بأن مشروع “نورد ستريم2” يمكنه أن يؤمن ذلك. كما رفضت شركة “غازبروم” الروسية حجز سعة عبور إضافية إلى أوروبا للشهر الثالث على التوالي، مما يعني أن روسيا تنفذ الحد الأدنى فقط من التزاماتها لنقل الغاز إلى أوروبا. 

أزمة اللاجئين على الحدود بين بيلاروسيا وبولندا: يتزامن قرار التعليق مع أزمة اللاجئين على الحدود بين بيلاروسيا وبولندا، مما دفع الرئيس البيلاروسي “ألكسندر لوكاشينكو” إلى تهديد أوروبا بوقف مدها بالغاز في حال رفضت إدخال آلاف اللاجئين الذين ينتظرون العبور على حدودها. واتهم الاتحاد الأوروبي بيلاروسيا باستخدام “هجوم هجين” على أوروبا من خلال استخدام اللاجئين ورقة للضغط عليها بهدف رفع العقوبات المرتبطة بحقوق الإنسان التي فرضها الاتحاد عليها في الصيف الماضي. واتهمت بولندا وجهات غربية أخرى موسكو بالعمل مع مينسك على ترتيب إرسال آلاف المهاجرين إلى المنطقة الحدودية. واضطرت المستشارة أنجيلا ميركل إلى الاتصال بلوكاشينكو للطلب إليه وقف الدفع باللاجئين إلى الحدود مع أوروبا، رغم أن الاتحاد الأوروبي لا يعترف بشرعيته رئيسًا لبيلاروسيا.

معارضة قوية للمشروع: تتمسك الحكومة الألمانية بالمشروع رغم أنه يلقى معارضة قوية ليس فقط من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بل أيضًا من أحزاب ألمانية مثل “حزب الخضر” الذي يتخوف من زيادة التأثير الروسي على ألمانيا بعد بدء العمل به. ومع ذلك، فقد دعم الاشتراكيون الديمقراطيون بقيادة أولاف شولتس المشروع طوال الوقت، مما جعل اتخاذ موقف أكثر عدوانية في الحكومة الجديدة أقل احتمالًا.

وقد جاء قرار التعليق مباشرة بعد أن حذر رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون من أن الاتحاد الأوروبي يواجه “خيار” “التمسك بأوكرانيا” التي ستخسر المليارات من رسوم العبور حال بدأت روسيا إرسال الغاز إلى أوروبا عبر “نورد ستريم 2″، بدلًا من خطوط الأنابيب الأوكرانية. بالإضافة إلى المحاوف المتعلقة باستعداد روسيا لغزو محتمل لأوكرانيا. وحذر وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكين، من أن “نورد ستريم 2” يمثل مشروعًا جيوسياسيًا روسيًا يهدف إلى تقسيم أوروبا وإضعاف أمن الطاقة الأوروبي.

الإضرار بمصالح أوكرانيا: أحد المخاوف الأولية والرئيسة التي سلطت بعض القوى الغربية وفي مقدمتها أمريكا الضوء عليها، كان الإضرار بمصالح أوكرانيا التي تجني نحو 3 مليارات دولار سنويًا من رسوم مرور الغاز عبر أراضيها. لكن روسيا دحضت هذه المخاوف وتوصلت إلى تفاهم مع كييف في نهاية العام الماضي، بعد توقيع مجموعة اتفاقيات لمواصلة نقل الغاز عبر أوكرانيا، بما في ذلك عقد العبور لمدة خمس سنوات، في خطوة حظيت بتأييد ودعم الاتحاد الأوروبي. 

وقد توصل بايدن وميركل إلى اتفاق حول نورد ستريم يقضي بفرض عقوبات على روسيا في حال استخدمت الطاقة سلاحًا ضد أوكرانيا. وبموجب الاتفاق تعهدت ألمانيا باتخاذ خطوات على المستوى الوطني وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي أيضًا، في حال أقدمت روسيا على مثل هذه الأعمال، دون ذكر أي خطوات محددة. ويتضمن الاتفاق أيضا مساعدات لأوكرانيا، حيث تعتزم واشنطن وبرلين استثمار ما لا يقل عن مليار دولار فيما يسمى بـ “الصندوق الأخضر” لمساعدة أوكرانيا في الانتقال إلى الطاقة الخضراء. وبموجب الاتفاق تعهدت برلين أيضا بحث روسيا على تمديد اتفاق ترانزيت الغاز مع أوكرانيا، والذي ينتهي سريانه في 2024.

مخاوف أمريكية: تعد الولايات المتحدة أحد أكبر منتجي الغاز المسال في العالم، وتسعى باستمرار إلى فتح أسواق جديدة لترويج منتجها الذي تعده “غاز الحرية”، لكن حاجتها إلى شحنه في صورة سائلة على متن ناقلات عملاقة للسفر بحرًا لآلاف الكيلومترات يعني أن تكلفته أعلى بكثير. لذا تتجه أوروبا إلى روسيا لثقتها في قدرة موسكو على إمدادها بالموارد المطلوبة. ووفقًا للإحصاءات الأوروبية الرسمية تعد روسيا أكبر مورد للغاز الطبيعي إلى الاتحاد الأوروبي، إذ توفر نحو 40% من احتياجاته السنوية. وترى الولايات المتحدة أن خط أنابيب “التيار الشمالي 2” سيعزز نفوذ موسكو على سياسة الاتحاد الأوروبي الخارجية ويجعل أوروبا أكثر عرضة لانقطاع الإمدادات، وسيسدد ضربة كبرى لتنوع وأمن الطاقة في القارة.

عقبات متلاحقة أمام نورد ستريم 2

على مدى سنوات، كان “نورد ستريم 2” موضع خلاف بين واشنطن وبرلين المستفيد الرئيس من المشروع، وبين الأوروبيين أنفسهم، وبين روسيا وأوكرانيا، وروسيا والولايات المتحدة. وواجه المشروع عقوبات أمريكية وتأخيرات وتعطيل في السنوات الأخيرة وسط التوترات المتصاعدة بين روسيا والغرب. وتعرض خط الأنابيب لانتقادات شديدة بسبب مخاوف من أن يكون سلاحًا جيوسياسيًا روسيًا. 

ويهدف المشروع إلى تأمين حاجة ألمانيا من إمدادات الطاقة، وتشير تقديرات إلى بلوع تكلفته 11 مليار دولار، ويعتقد أنه سيضاعف سعة نقل الغاز الطبيعي من روسيا إلى ألمانيا. ويمتد المشروع بطول يتجاوز 1200 كيلومتر تحت مياه البحر، من الساحل الروسي عبر بحر البلطيق إلى ألمانيا، وبطاقة إجمالية تبلغ 55 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا. وتشارك في المشروع عدة شركات عالمية، أهمها “غازبروم” الروسية العملاقة التي تستحوذ على 50% من المشروع، و”كونسورتيوم” مكون من 5 شركات طاقة أوروبية تحتفظ بالـ 50% المتبقية منه، بواقع 10% لكل منها.

ونستعرض فيما يلي، مسار البدء في مشروع “نورد ستريم 2” وحتى قرار تعليق المصادقة عليه:

نوفمبر 2011: بحثت شركة غازبروم والشركاء الغربيون توسيع نظام خط أنابيب نورد ستريم بمقدار 55 مليار متر مكعب أخرى بتكلفة تقديرية أولية بلغت 9.5 مليار يورو (11.3 مليار دولار).

يونيو 2015: وافقت شركات “ونترشال” و”يونيبر” الألمانيتين و”شل” الهولندية البريطانية و”إنجي” الفرنسية و”أو إم في” النمسا على بناء خط الأنابيب.

مارس 2016: اعترضت ثماني حكومات في الاتحاد الأوروبي على المشروع لأسباب جيوسياسية.

أبريل 2017: تم توقيع اتفاقيات تمويل المشروع.

يناير 2018: وافقت ألمانيا لشركة “نورد ستريم 2” على بدء مد خط الأنابيب “التيار الشمالي-2” من روسيا إلى أراضيها، وبدأت أعمال التشييد بعد أربعة أشهر.

يناير 2019: أعلن السفير الأمريكي في ألمانيا أن الشركات المشاركة في مشروع “نورد ستريم 2” قد تواجه عقوبات. 

ديسمبر 2019: وقع الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب على قانون من شأنه أن يفرض عقوبات على الشركات المساهمة في بناء خط أنبوب الغاز الروسي “نورد ستريم 2”. وأعلنت الشركة السويسرية الهولندية “أول سيز” (Allseas)، التي تمد خط أنابيب الغاز، أنها علقت العمل في المشروع بسبب تهديد العقوبات الأمريكية. 

مايو 2020: أعلنت الوكالة التنظيمية الفيدرالية الألمانية رفضها طلب من قبل شركة “نورد ستريم – 2 أي جي” المشغلة للخط، الذي طالب بإعفاء خط أنابيب “التيار الشمالي 2″، من متطلبات التوجيهات المحدثة للغاز في الاتحاد الأوروبي.

سبتمبر 2020: تصاعد الضغط على برلين لإعادة النظر في المشروع بعد الهجوم المزعوم بغاز الأعصاب على المعارض الروسي “أليكسي نافالني”. وأعلنت أكبر مجموعة لشركات تأمين الشحن في العالم أنها لن تؤمن السفن المشاركة في “نورد ستريم2”.

أكتوبر 2020: أعلنت الهيئة البحرية الدنماركية أن بناء خط أنابيب “نورد ستريم2” سيبدأ في جزء من المياه الدنماركية في يناير2021.

ديسمبر 2020: أعلنت شركة “نورد ستريم2” عن استكمال مد خط الأنابيب في قطاع طوله 2.6كم ويقع في المنطقة الاقتصادية الخالصة لألمانيا.

يناير 2021: أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية إدراج سفينة “فورتونا” الروسية المشاركة في تنفيذ مشروع “السيل الشمالي-2″، على قائمة عقوبات جديدة في إطار قانون “محاربة أعداء الولايات المتحدة من خلال العقوبات”. وأصدر البرلمان الأوروبي قرارًا يدعو إلى وقف استكمال “نورد ستريم2” ردًا على اعتقال نافالني في روسيا.

أبريل 2021: قام أعضاء الكونجرس بإدراج 15 مؤسسة وعدد من الشركات المرتبطة بالمشروع، والتي لم يتم فرض عقوبات أمريكية ضدها، وحثوا على النظر في الإجراءات المحتملة ضدهم في أقرب وقت ممكن.

مايو 2021: ألغت إدارة بايدن العقوبات المفروضة على مشروع “نورد ستريم2″، وبررت الإدارة الأمريكية الخطوة بأن وقف المشروع بمثابة مغامرة محفوفة بالمخاطر حاليًا، بعد أن اكتمل بناء خط الأنابيب، بنسبة تزيد على 90%، والمقرر أن ينقل الغاز من روسيا إلى ألمانيا.

يونيو 2021: أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن خط أنابيب نقل الغاز الروسي “نورد ستريم 2” جاهز للبدء في ضخ الغاز إلى ألمانيا وإن المرحلة الأخيرة منه ستكتمل لأن الإدارة الأمريكية الجديدة تسعى إلى علاقات طيبة مع الشركاء الرئيسين في أوروبا.

يوليو 2021: أعلنت الولايات المتحدة وألمانيا عن اتفاقية بشأن “نورد ستريم 2” تعهدت بموجبه برلين بالرد على أي محاولة من جانب روسيا لاستخدام الطاقة كسلاح ضد أوكرانيا ودول وسط وشرق أوروبا الأخرى. وتم الإعلان عن بناء خط أنابيب الغاز نورد ستريم 2 اكتمل بنسبة 99%.

سبتمبر 2021: أعلنت شركة “غازبروم” الروسية أن بناء خط أنابيب غاز “نورد ستريم 2” ا أُنجز بالكامل.

أكتوبر 2021: قال الرئيس فلاديمير بوتين إن روسيا يمكن أن تبدأ إمدادات الغاز الطبيعي إلى أوروبا عبر خط أنابيب “نورد ستريم 2” بمجرد حصولها على الضوء الأخضر من ألمانيا.

نوفمبر 2021: علًقت هيئة تنظيم الطاقة في ألمانيا إجراءات الموافقة على خط أنابيب “نورد ستريم 2” لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا، بسبب مشكلة قانونية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى