
استراتيجية ترامب في الشرق الأوسط .. أمريكا أولاً
على أبواب العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، تبدو الآفاق معقدة للغاية في الشرق الأوسط، في ظل تهاوي الوضع الأمني، وتعدد الصراعات وتشابكها. ففي ليبيا اتخذت الأوضاع منعطفا خطيرا بإقرار البرلمان التركي السماح بدخول القوات التركية إلى هناك، واليمن لا يزال يعاني من ويلات الحرب، رغم جهود الأطراف المتصارعة لتخفيض حدة التوتر، وفي سوريا تغيرت فيها الحرب بعد الانسحاب الأمريكي المفاجئ مرافقا لتحركات تركية لانتهاك سيادة دمشق في الشمال السوري، وبات حل الدولتين في فلسطين خارج النقاش، بعد القرار الأمريكي بنقل السفارة الأمريكية للقدس. فيما يستعد العراق لأن يشهد تداعيات المواجهة بين أمريكا وإيران عقب مقتل قاسم سليماني.
تعقد هذه الخريطة وتداخلها فرض قانونا ثابتاً تجاه المنطقة، وهو أن الولايات المتحدة تملك أوراق النفوذ من أجل الدفاع عن مصالحها أولاً، ثم حلفائها ثانيًا. وأن الشرق الأوسط أحد جوانب الاستمرارية في السياسة الأمريكية، وذلك بسبب شبكة المصالح الأمريكية فيه. وطرح ترامب استراتيجية أمريكية حول الشرق الأوسط قائمة على مبدأ “أمريكا أولا” تعظم الأفكار المحورية التي تتركز حول الدفاع عن السيادة الوطنية ورفض الأقطاب المتعددة، والانفرادية في المواقف واتخاذ القرارات. تلك المقاربة التي تعامل بها ترامب مع ملفات المنطقة تجنبت التدخل العسكري إلا في حالات تخدم مصالح الولايات المتحدة بشكل مباشر، بسبب تكلفة تلك التدخلات بشرياً ومالياً، وهو ما ظهر في بعض تغريدات ترامب التي قال فيها “تم انتخابي من أجل الخروج من هذه الحروب التافهة بلا نهاية، أنفقت الولايات المتحدة ثمانية تريليونات دولار للقتال ولعب دور الشرطة في الشرق الأوسط. آلاف من جنودنا العظماء قتلوا أو أصيبوا بجروح حرجة، فيما قتل ملايين الأشخاص في الطرف الآخر”.
سياسة الانسحاب العسكري التي اتبعها ترامب تناقضت مع ما اعتاده العالم من الولايات المتحدة، فمن بين جيش قوامه مليون وثلاثمائة ألف عنصر هناك قرابة 450 ألف جندي أمريكي منتشرون عبر العالم وخاصة في مناطق النزاعات، سياسة الانسحاب التي قال ترامب أنها تسهم في إعادة البناء وتحسين الاقتصاد صبت أيضا في مصلحة قوى عالمية وإقليمية معادية للولايات المتحدة مثل روسيا والصين وإيران، وعلى الرغم من أن استراتيجية ترامب، التي اتسمت بالميل نحو الانعزالية، والتركيز على الملفات الداخلية، إلا أنها لا تزال تواصل ببطء ولكن بثبات تأكيد سيادتها كقطب أوحد في المنطقة.
محددات استراتيجية ترامب تجاه الشرق الأوسط
تلخصت استراتيجية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه الشرق الأوسط على ثلاثة محاور، الأولى، محاربة الإرهاب، والثانية، إحلال عملية السلام العربي الإسرائيلي، ثالثًا، تقويض النفوذ الإيراني في المنطقة. وبناءًا عليه، هناك عدة محددات لسياسة ترامب، في المنطقة، تشكل إطاراً عاماً، لتوجهات تلك السياسة هي كالتالي:
الانفراد والمفاجأة في عملية صنع القرار:
اتخذ الرئيس الأمريكي عدد من القرارت المتعلقة بالشرق الأوسط، بدا فيها الانفرادية في صناعة القرار السياسي الخارجي وتهميش الدور التقليدي للمؤسسات الأمريكية، ومن هذ الملفات تراجعه عن حل الدولتين للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وإعلانه التخلي عن الاتفاق النووي الإيراني، بالإضافة إلى الأزمة الخليجية ومقاطعة قطر. قرارات الانسحاب العسكري لم تفتح فقط باباً للخلافات بين واشنطن وحلفائها بل فتحت أيضاً الباب لخلافات داخلية في الإدارة حيث تفاجأ البنتاجون بقرار الانسحاب من سوريا ليعلن أنه لا تغيير على الخطة الأمريكية في سوريا، ولتعلن المتحدثة باسم وزارة الخارجية أنه “لا علم لنا بأي خطة لسحب القوات الأمريكية من سوريا”.
الضغط الاقتصادي:
تقوم إستراتيجية ترامب تجاه قضايا المنطقة من منطلق مقاربة تجارية ربحية، واستراتيجية قائمة على الضغط الاقتصادي مع بقائها منفتحة على الحوار، والعرض برفع الضغط إن عدلت الدولة المستهدفة من تصرفاتها وقد أثبتت الإدارة براعة في الضغط، لكنها أبدت أيضا عجزاً في إحداث تغيير في السلوك كما حدث في إيران. كما ضغط على الدول الصديقة له في المنطقة لتحمل أعباء الحروب مقابل الحفاظ على أمنهم، وذكر أن الولايات المتحدة أنفقت 8 تريليونات دولار في الشرق الأوسط على مدى 18 عاما، وأن الولايات المتحدة لا يجب أن تتحمل المسؤولية عن هذه التكلفة الهائلة، وعلى دول المنطقة دفع هذا الثمن.
الحفاظ على أمن إسرائيل:
جميع الإدارات الأمريكية تضع أمن ومصلحة إسرائيل في المنطقة على رأس أولوياتها السياسية والعسكرية. وأفرد لها ترامب اهتماما خاصا يفوق سابقيه، حيث أعلن أنه مع إسرائيل في كل شيء، وسعى نحو تقوية التحالف معها عبر تغريدة له في 2016 “لقد قلت في مناسبات عديدة إنه في عهد إدارة ترامب، فإن الولايات المتحدة ستعترف بأن القدس هي العاصمة الوحيدة والحقيقية لإسرائيل“. وهو ما تم بالفعل رغم اعتراض المجتمع الدولي على ذلك. وفي مارس 2019 وقع الرئيس الأمريكي أمراً تنفيذياً ينص على اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل، والتي وصفها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بأنها “تاريخية“، فضلاً عن القبول الأمريكي للتوسع في بناء المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، على الرغم من معارضة الإدارات الأمريكية السابقة على ذلك، باعتبارها عقبة في طريق السلام، ولكن وتيرة انشاء وتوسيع المستوطنات تسارعت منذ تولي ترامب الحكم. كما وافقت الولايات المتحدة على تقديم مساعدات عسكرية لإسرائيل خلال السنوات العشر المقبلة بـ 38 مليار دولار، وتزويدها بأحدث الأسلحة من بينها طائرة F35 .
الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران:
دخلت العلاقات الأمريكية الإيرانية منعطفاً جديداً، بعد إعلان دونالد ترامب استراتيجية جديدة حيال طهران ساحباً الاقرار بالتزامها بالاتفاق النووي الإيراني الموقع في عام 2015، وفشل محاولات الدول الأوروبية إقناع الولايات المتحدة العدول عن هذا القرار. وازداد الوضع سوءا بداية من عام 2018 حيث اعتمد سياسة العقوبات وإطلاق استراتيجية الضغط الأقصى على طهران، ما شكل ضغطًا ليس سياسيا فقط بل واقتصاديا أيضًا ضد طهران التي جاء رد فعلها بالتوسع في العراق وسوريا ولبنان وتمديد توسعاتها الإقليمية على أكثر من جبهة.
بالإضافة إلى هجومها على ناقلات النفط الإماراتية والسعودية في مضيق هرمز، واحتجاز إيران ناقلة نفط بريطانية أثناء عبورها مضيق هرمز رداً على احتجاز بريطانيا ناقلة نفط إيرانية في مضيق جبل طارق أثناء عبورها في طريقها إلى سوريا، ثم الهجوم على منشآت النفط السعودية “أرامكو”. وأخيراً مثلت عملية اغتيال قاسم سليماني تغيرًا دراماتيكيًّا في مسار العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، حيث قرر ترامب الانغماس أكثر في هذا الطريق، وإصدار الأوامر بالتخلص من الشخصية الاستراتيجية الرئيسية في الصراع مع إيران، والمخطط الكفء، وفقاً لجنرالات البنتاجون، للعمليات الإرهابية، سواء ضد الولايات المتحدة أو حلفائها في الشرق الأوسط.
عملية الاغتيال هذه ستؤدي إلى نتيجة حتمية لن يكون بإمكان الولايات المتحدة أو إيران الخلاص منها، وهي “الحرب“. ولكنها ستكون حرباً عبر الوكلاء الإقليميين، بمعنى أن العالم لن يشهد حربًا مباشرة بين إيران والولايات المتحدة ما يجعلنا نقف أمام حقيقة تبدو الأقرب والأكثر ارتباطًا بالواقع، وهي أن منطقة الشرق الأوسط ستصبح مسرحًا لعمليات أكثر خطورة وارتباكًا. حيث يستعد مجلس الحرب في واشنطن الآن لمواجهة ردود الفعل المنتظرة من إيران، والتي من المتوقع أن لا تتأخر كثيرًا.
الانسحاب من سوريا:
تهاوت الاستراتيجية التي انتهجتها الولايات المتحدة على مدى السنوات الخمس الماضية في سوريا بين عشية وضحاها، وانهيار الاستراتيجية غير المتماسكة والتي تفتقر إلى أسس واضحة، فتح الباب أمام تبعات كثيرة سيئة في معظمها، مع إعلان واشنطن سحب قواتها المتبقية وقوامها ألف جندي والتي قاتلت إلى جانب الأكراد ضد تنظيم داعش منذ 2014. ويكمن السبب الرئيسي وراء إعلان الانسحاب، إلى عدم رغبه الرئيس الأمريكي في تكبد المزيد من الخسائر مثلما حدث في العراق وأفغانستان. وقال ترامب في تغريدة له: “كل من يريد مساعدة سوريا في حماية الأكراد هو جيد بالنسبة لي، سواء كانت روسيا أو الصين أو نابليون بونابرت.. آمل أن يفعلوا كل شيء بشكل رائع، فنحن على بعد 7000 ميل!“.
ورغم المعارضة الشديدة من طرف الكونجرس لقرار الانسحاب، إلا أن الرئيس الأمريكي برر قرار انسحاب القوات بأنها قد أنهت مهمتها في القضاء على تنظيم الدولة وأن بقاءها يعني مشاركتها في حروب قبلية لا نهاية لها. وكانت الولايات المتحدة تسعى لتحقيق عدة أهداف واضحة بوجودها في سوريا، وهي: تحقيق انتصار ساحق على تنظيم داعش، والتخلص من القوات التابعة لإيران في المنطقة، ثم أخيرًا تحقيق تحول سياسي دائم في المنطقة. وانسحاب ترامب أدى إلى تحديد الوجود الأمريكي في سوريا عند منطقة النفوذ الاقتصادي.
ومع إعلان ترامب انسحاب القوات الأمريكية، تحركت القوات الروسية بسرعة لاحتلال القواعد الأمريكية التي تم إجلاؤها. ومن الأمور الرمزية أنه بعد أن غادرت الولايات المتحدة قاعدة عسكرية في شمال سوريا، قام رجل يتحدث بالروسية بتصوير نفسه وهو يتجول حول القاعدة الأمريكية في 15 أكتوبر الماضي. ليس هذا فحسب، بل تخلت الولايات المتحدة عن الأكراد في سوريا، وتغاضت عن التدخل العسكري التركي ضد القوات الكردية. وقامت بفرض عقوبات على تركيا ثم تراجعت بعد أن تم التوصل إلى اتفاق، لوقف الهجوم التركي على شمال سوريا. وأكدت التحليلات محاولات تركيا للاستفادة من الوضع في سوريا في ظل تفاقم المنافسة الحالية على النفوذ بين تركيا وروسيا وإيران وإسرائيل، في أعقاب فراغ الساحة الإقليمية من أية قوى كبرى، مما يزيد من خطر قيام أي من هذه الدول بإثارة صراع مع أخرى.
تراجع أمريكي على حساب القوى الصاعدة:
أعادت روسيا دمج نفسها في الشرق الأوسط كقوة تنافس وجود الولايات المتحدة ونفوذها في المنطقة. والانغماس في قضايا المنطقة وتطوراتها، بداية من التدخل العسكري في سوريا عام 2015، مروراً بالخوض في معظم الصراعات في المنطقة، مثل الحرب في اليمن، وعملية السلام العربية الإسرائيلية، وانتهاءًا بانطلاق مناورات عسكرية مشتركة هي الأولى من نوعها بين روسيا والصين وإيران تحت اسم “حزام الأمن البحري” في شمال المحيط الهندي وخليج عُمان، استمرت لمدة أربعة من 27 إلى 30 ديسمبر 2019.
رسائل استراتيجية تعمدت بها الدول الثلاث الواقعة في مربع العقوبات الأقتصادية الأمريكية إلى الولايات المتحدة، الأولى، هي إظهار إيران على أنها قوى إقليمة، وتنامي نفوذ روسيا كفاعل رئيسي في المنطقة، وبروز الصين على أنها قوة بحرية عالمية. أما الرسالة الثانية، إظهار أن هناك قوى أخرى مستعدة لضمان أمن الملاحة الدولية في تلك المنطقة الإستراتيجية، رداً على اقتراح الولايات الممتحدة تشكيل قوة بحرية في المنطقة. في حين أشارت الرسالة الأخيرة إلى أن المناورات تشكل بداية النهاية للهيمنة الأمريكية بل والأسطول الخامس، وتضاءل النفوذ الأمريكي في المنطقة.
على جانب آخر، شعرت بعض الدول الخليجية، بأن نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة في تراجع، وطورت علاقة قوية مع موسكو، وتجلى ذلك في الجولة الخليجية التي قام بها بوتين، وشراء كميات كبيرة من الأسلحة والمعدات الروسية. من جهة أخرى لا تنظر روسيا إلى إيران كخصم بل كشريك وحليف استراتيجي سيساعدها على تحدي القوة الأمريكية من خلال توسيع نفوذ روسيا الإقليمي والدولي، وتهدف هذه الاستراتيجية أساساً إلى إيجاد عالم متعدد الأقطاب، حيث تحاول كل من روسيا وإيران إضعاف القوة والتواجد الأمريكي في الشرق الأوسط ومن خلاله إضعاف حلف الشمال الأطلسي وتكوين حلف سياسي عسكري مضاد يكون موازياً للهيمنة الأميركية في الشرق الأوسط.
ختامًا،
إن استراتيجية الرئيس ترامب ليست مغايرة لإستراتيجية سابقيه، بل هي استمرارية لها، هو فقط يحدث ضجيج من خلال تغريداته، وينتهج سياسة غير متوقعة، ويفعل ذلك عن عمد. والقرارات الأكثر إثارة للجدل التي اتخذها ترامب منسجمة تماما مع رؤية أمريكا للعالم. وعلى الرغم من الانتقادات الكثيرة والحادة في بعض الأحيان التي وجهها ترامب لأوباما، فإنه قد التقى مع أوباما في نظرته للشرق الأوسط، حيث رأى أن الولايات المتحدة عالقة في أزمات المنطقة وأنه بات من الضروري أن تخصص لها أقل قدر من الوقت ومن القدرات العسكرية والمالية. إن هذه السياسات جعلت المراقبين يقيمون ويتنبئون بتراجع مكانة الولايات المتحدة كهنري كيسنجر الذي قال: “إن بريق أمريكا يتضاءل مع الرئيس ترامب، ووصف أفعاله بأنها غريبة. إذ يكاد ضوء المصباح الأمريكي أن ينطفئ شرق أوسطياً وعربياً وإسلامياً من جراء قرارات سياسية فوقية تمثل طعنات قاتلة لمليار ونصف أو أكثر من مسلمي العالم”.



